ميشيل كيلو وثمن الحرية الباهظ

بقلم: عماد الطواشي
الهوية السورية كانت ولا تزال غنية بمكوناتها حيث قدم ميشيل كيلو أروع مثال عنها وأجمع السوريون عليه كشخصية وطنية كان لها بالغ الأثر في كفاح السوريين وحتى الأحرار في العالم في مقارعة الاستبداد.


وفاة ميشيل كيلو أوقفت عقارب الثورة عند هذا التاريخ لتعيد التأكيد على أهمية الفكر السياسي والثقافي المتنور في تحديد أهداف الشعوب الثائرة وهو ما يظهر جليًا في وصيته التي حملت دليلاً وبوصلة يهتدي بها من بعده لاسيما حين قال “لا تنظروا إلى وطنكم من خلال أهدافكم وإيديولوجياتكم، بل انظروا إليهما من خلال وطنكم، والتقوا بمن هو مختلف معكم بعد أن كانت إنحيازاتكم تجعل منه عدوا لكم”، وهي نقطة غابت عن العديد من مؤسسات الثورة التي تحتاج اليوم لإعادة ضبط المصنع على أهداف الثورة وليس على مكاسب مكونات تلك المؤسسات السياسية أم العرقية والقومية.


نحتاج اليوم بالفعل للوقوف على وصية كيلو التي أشار فيها بوضوح لدور المرأة السورية في الثورة بعدما تصدر المشهد جمعيات وشخوص تتحدث باسمها طمعا في التمويل في حين كانت تتجاوز مشاركة المرأة في الثورة المحاصصة الجندرية التي تطالب بها تلك الجمعيات إلى حد صناعة الحدث نفسه والتأثير في الثورة وهو ما ظهر جليًا في أبهى صوره في شخصية ك مي سكاف أجمع عليه السوريون أيضاً.


لا يمكن أبدا إغفال تجربة كيلو الغنية كصحفي أولا ثم كمفكر سياسي قرأ المشهد الإقليمي بتمعن ودرسه بواقعية ليدفعنا بوصيته إلى ضرورة إقامة بيئة داخلية سورية لا تتأثر مهما كانت الضغوطات بالتأثيرات الخارجية وتحد من سلبياتها كما أشار وهو ما سيجنبا دفع ثمن باهظ.


في نعي السوريين له تنحت لمرات قليلة في رثاء مفكر مثله الايدلوجيات كما طلب وتمنى وكأنه يريد لهم الوحدة ليصيروا شعبا واحدًا بمعايير وطنية لا بمعايير المكونات التي صنفنا بها نظام الأسد.


قد يظهر هنا وهناك في خضم ألم الفقدان لميشيل من يحاول الإشارة لسقطة من سقطات البشر الاعتيادية محاولا النيل من كيلو وهي عادة جد الكثيرون على اتباعها أو هناك من يوجه له انتقادات مبنية على حقائق من خلال طريقة تعاطيه للملف السياسي السوري، وهنا لسنا بصدد الدفاع عن كيلو نفسه ولكن يبدو أنه كان واعيًا لها حيث حاول بالفعل إخراجنا من بحر الظلمات بوصيته التي حملت العنوان نفسه مطالبًا إيانا بالارتقاء أكثر لإرساء أسس واضحة للدولة ولم ينس أن يعتذر كعادة النبلاء الأحرار.


ثمانون عامًا عاشها ميشيل كيلو شارك خلالها بإزهار ربيع دمشق ومن بعده قدم بصمات لن تنسى في ثورة من أعظم الثورات مسك فيها بقوة على جمر الحرية وأيقن تمامًا أنه لن يحررنا شيء آخر غيرها.

بقلم: عماد الطواشي

Exit mobile version