أراءمقالات رأي

تركيا والعلاقة البراغماتية مع الثورة السورية

بقلم : محمد فراس منصور


إن المتتبع للموقف التركي منذ بداية الثورة السورية يرى تطوراً وخطاً بيانياً صاعداً من التصريحات والمواقف التركية خلال سنوات الثورة الأوائل ثم لا يلبث هذا الموقف أن يتأثر بالمواقف الإقليمية والدولية ونستطيع أن نرى خلال السنوات الأخيرة تراجعاً في الخطاب التركي مع التركيز على المطالبة بالمنطقة الآمنة فما الذي تغير؟؟.


بعد تفكيك الثورة السورية للمشهد الإقليمي والدولي وإصطفاف إيران كلاعب إقليمي وروسيا كلاعب دولي في صف نظام الأسد حرصت أنقرة على دراسة علاقاتها الجيوسياسية ضمن المنطقة بما يضمن لها البقاء على مسافة متوازنة من الأطراف الإقليمية ” دول الخليج و إيران ” كما حرصت على قرائة الموقف الدولي الرافض للربيع العربي بعمق أكثر وعليه بنت مواقف أكثر مرونة وتوسعت دائرة اللقاءات السياسية على حساب التصريحات الإعلامية .


سارت أنقرة خلال السنوات الثلاث الأخيرة للثورة في ركب الموقف الدولي بالنظر بطريقة براغماتية للثورة السورية وأعادت ترتيب حساباتها بما يتناسب مع مصالحها أولاً ومصالح السوريين الثائرين ثانياً وهذا حق طبيعي لها.


فنلاحظ أن تركيا بذلت في الآونة الأخيرة جهداً دبلوماسياً إضافياً لإصلاح علاقاتها مع روسيا وقد توجت هذه الجهود بزيارة أردوغان لنظيره بوتين في مدينة سان بطرسبرغ يوم الثلاثاء 9 أغسطس 2016، مصطحباً معه عدداً من القادة الأمنيين والعسكريين للتباحث مع نظرائهم الروس حول سبل التعاون الميداني في الملف السوري، وإتفق على إنشاء غرفة عسكرية مشتركة للتنسيق في الشأن السوري.


مما يسمح لأنقرة التوغل في الحدود السورية ومنع قوات سوريا الديمقراطية من التقدم نحو الحدود السورية-التركية.
لاشك أنه لايوجد شيء مجاني في العلاقات السياسية الدولية إذ طالعنا منذ أيام القيادي في الجيش السوري الحر “مصطفى سيجري”، عن صفقة روسية تطيح بـ “الأسد”،


متحدثاً عن عرض روسي يبدأ بالإعلان عن وقف إطلاق النار ورفع اليد عن الأسد، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة والذهاب نحو عملية سياسية لا مكان فيها للأسد ورموز نظامه، على أن يتم إشراك روسيا في التفاهمات المتعلقة بمناطق شمال شرق سورية، وأن يكون هناك تعاون كامل بين المعارضة العسكرية وحلفائها من جهة، وبين روسيا لإخراج إيران والميليشيات المرتبطة بها من المنطقة بسياسة الخطوة خطوة”.


هذا التصريح يدلل أن صفقات وبازارات سياسية تدور في دهاليز السياسة الروسية قد تودي بالمحصلة لرحيل الأسد ونظامه عن المشهد لكن ما هو الثمن؟!


تطلب موسكو من أنقرة إشراكها بالعمليات شمال سورية وأن يتبادل الجانب الروسي المعلومات الإستخبارية بين فصائل المعارضة وأنقرة كما يطرح الروس فكرة دمج فصائل المعارضة في الشمال في جسم موحد بإشراف تركي – روسي وفق ما نشره موقع “ستراتفور” الأمني (12 أغسطس 2016) وكل ذلك مقابل الحصول على ضمانات روسية لتركيا تخصَ الملف الكردي والحدودي.


وبنفس الوقت تبقى تركيا تتبع سياسة البقاء على التوازن بين الطرفين الروسي والأمريكي فنرها تارة تتقدم خطوة للأمام ثم ما تلبث أن تعود نفس الخطوة في سبيل الحفاظ على موقعها وموقفها محاولة التغير في الخارطة السياسية الدولية في ما يصب مع مصالحها .


ومع تعقد المشهد السوري بعد ما نتج عن أستانة وسوتشي من هدن ومصالحات تتمسك تركيا بالمنطقة الآمنة مجدداً لأن فيها حماية لمصالحها الإستراتيجية على المدى الطويل ويمكن قراءة التواصل الخجول بين الجانبين التركي والأمريكي بما تقوله أنقرة عن تورط الولايات المتحدة بدعم الإنقلاب في تركيا لصالح جماعة غولن وهو ما نستطيع أن نفهم منه إعادة التموضع السياسية وزيادة التواصل مع الجانب الروسي.


وقد أدت المخاوف التركية إلى تغير سياستها مع حلفائها الغربيين وزيادة تقاربها مع موسكو بعد ما شعر الأتراك أن حلف شمال الأطلسي “ناتو” قد أهملهم ومارس عليهم نوعاً من الابتزاز خلال السنوات الخمسة الماضية، إذ لم ينشر الحلف سوى عدد قليل جداً من بطاريات “الباتريوت” في تركيا حتى عندما تعرضت الأراضي التركية لتهديدات بالغة عقب إسقاط المقاتلة الروسية.


لا شك أن تركيا تحاول جاهدة أن تجد نقاط إلتقاء وتقاطع بين مصالحها ومصالح الثوار السوريين لتحقق المنفعة المشتركة إلا أن ضعف الحامل المشترك للثوار وغياب جسم عسكري موحد وإختلاف المصالح الإقليمية و الدولية تجعل من الدفع التركي سياسياً لصالح الثورة السورية غير كافي بل يحتاج من نشطاء الثورة إلى بذل مزيد من الجهود السياسية والإعلامية لتغير النظرة الغربية للحراك وخصوصاً بعدما طبع الحراك بصبغة إسلامية تجعل من الصعب على المجتمعات الغربية القبول به.

بواسطة
محمد فراس منصور
المصدر
نيوز سنتر

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: