أراء

عدنان عبد الرزاق: ألم تزل بريطانيا رأس الأفعى؟

بقلم: عدنان عبد الرزاق

ليس للمصادفة من مكان بعالم السياسة، أو هكذا يفترض، ومنه، لا يمكن النظر لحديث وزير الخارجية البريطاني “جيريمي هانت”، حول مصير رئيس النظام بدمشق، لصحيفة “الشرق الأوسط” السعودية، على أنه رأي أو رؤية، بقدر ما يمكن قراءته، تسويقاً لمشروع أو اتفاقاً لتسوية، أو حتى تمهيداً لصفقة.


هذا طبعاً، إن لم نعط للوسيلة الإعلامية السعودية، أي دور بالتحليل والقراءة، رغم بدء وضوح ملامح سياسة المملكة، التي يقودها الأمير الشاب، إن بالنسبة للجوار الخليجي والمحيط العربي، أو، وهو الأهم، بالنسبة للدول الأوروبية والولايات المتحدة، أو حتى لإسرائيل، وربما بمؤتمر “وارسو” حول مستقبل السلام والأمن في الشرق الأوسط، الذي لم يجف حبر توصياته بعد، دليل على توجه المملكة، بل وقيادتها لمعظم “مجلس التعاون” على تحوير الصراع -نظرياً واستنزافاً ليس إلا- نحو إيران، وتسريع التطبيع مع المحتل الإسرائيلي.


أو الإشارة إلى تبدل دور “المملكة” منذ دعم الثورة السورية، وإن نظرياً، من ثم تغيير النظام ولو بالقوة، إلى ما هو عليه اليوم، من “وضع المزهرية” كما يقال.


فأن يقول رئيس دبلوماسية المملكة المتحدة “سيظل الرئيس السوري بشار الأسد، حاكما في المدى القصير والمتوسط”، وهو ومملكته الأعلم، بما فعله “الرئيس” فذلك يبعث على البحث عن السبب، خاصة بتوقيت يمكن وصفه، الانتقال بطور سوريا من العسكرة إلى اقتسام النفوذ.


هل يتعلق السبب بعودة العلاقات بين لندن وموسكو، عبر حوار كسر الجليد الذي استضافته برلين أمس، بعد تجميد وتصعيد منذ قضية “سكريبال” قبل عام، وخاصة أن “هانت”، أعلنها صراحة خلال حديثه للصحيفة السعودية “روسيا تظهر اهتماما بالشرق الأوسط بطريقة غير مسبوقة، وعلى موسكو أن ترينا كيف ستقدم حلا مناسبا للسوريين، وكيف ستجلب السلام والاستقرار إلى سوريا” وكأن روسيا في نزهة، وليست محتلة لسوريا، بعد أن تفاخرت بجدوى وفاعلية أسلحتها، ودمرت سبعة مدن وقتلت وعوقت زهاء مليون، بل وهجرت نصف السكان، لتحقق “التجانس” لنظام الأسد. أو، موسكو وصية على سوريا وما على العالم، بمن فيه، مملكة الوزير العظمى، أن تتعاطى وفق الأمر الواقع مع البلطجة البوتينية، ربما لتحظى بحصة من كعكة خراب سوريا.


أم -السبب- في أن تُبعد بريطانيا، شر روسيا عن الاتحاد الأوروبي، بعد تعالي شكايات القارة العجوز، من نفوذ موسكو الذي وصل العام المنصرم، مدينة سالزبري البريطانية، وتسميم جاسوس روسي سابق وابنته (سيرغي سكريبال وابنته يوليا).


أو ربما يكون السبب، بإيكال واشنطن، دور الوسيط للندن، إن لم نقل المراسل، مع موسكو، بواقع إعلان انسحاب القوات الأمريكية من شمال غرب سوريا، والإبقاء على قاعدة التنف، والتي لا تفي، حتى بغرض ترضية المملكة السعودية، بلجم إيران والحد من نفوذها بالمنطقة.بمجمل الأحوال، ربما ليس من غرابة بالموقف البريطاني المتجدد، إن من سوريا أو حتى دول الربيع العربي برمتها، اللهم، عدا الدور السلبي الذي لعبته لندن علانية، بتثبيت الانقلاب بمصر على شرعية الصناديق، وما تلعبه من غض طرف وتعاون مع إيران، وربما، إبعاد “ضربها” بعد التوغل بالعراق واليمن ولبنان وسوريا، وأخذ دور الوسيط، مع تل أبيب وواشنطن، ولعل بحسن العلاقات البريطانية الإيرانية، الاقتصادية والدبلوماسية خاصة، دليلا دامغا، إن قبل الاتفاق النووي أو حتى بعده.


نهاية القول: ربما، وبعد عقود على أحداث أسس لملامح الشرق الأوسط، والإفراج عن كثير من الوثائق التي كانت سرية، بات واضحاً، دور بريطانيا العظمى بتثبيت حكم الأسد الأب، منذ الزيارة العلاجية “اللغز” للندن في ربيع عام 1965، حينما كان حافظ الأسد برتبة لواء وقائدا للقوات الجوية السورية، ليتعاظم دوره وظهوره بعد ذاك، وإبعاد كل من، ربما، يبني سوريا ديمقراطية متطورة.


أو ما كشفته الوثائق عن دور بريطانيا بتوطين اليهود بفلسطين، مذ كانت رحمهم الحاضن بعام 1905 وما تلاه من تدشين الشركات الصهيونية على أرض فلسطين، وصولاً لوعد بلفور عام 1917 وما تضمن من التزام، حتى ولو فيه تهرب من بعض بنود “سايكس بيكو” مع الحليفة الاستعمارية، فرنسا وقتذاك.


في حين كان التهرب واضحاً من الوعود “للعرب” وخيبة الشريف حسين بقيام المملكة العربية الكبري.


ودونما تقليب لجمر التاريخ، والإشارة لدور بريطانيا، بتأسيس الحركات القومية والدينية العربية، بل وحتى الجامعة العربية ذاتها، والتي يقال إنها كانت فكرة ومقترحا بريطانيين، أعلنها ووزير الخارجية عام 1943، “أنتوني إيدن”، لتكون منبراً لتمييع أي قرار، وكياناً يمانع أي تطلع وحدوي حقيقي. 


دونما كل ذلك، ربما لم تغب بريطانيا يوماً، وإن عبر وكلاء وأدوار مخفية، عن العبث بالمنطقة العربية، وعلى الأرجح، أنها اليوم، وبعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، تريد العودة لذاك الوجه وأخذ الدور الريادي، وإن بدعم ورضى أمريكي…وربما أيضاً، من ذاك، جاء تصريح الوزير “هانت”، وإن ذرّ بعض رماد بعيون المتابعين، أن مملكته العظمى، لا تنوي فتح سفارتها بدمشق الأسد.


هامش: الشكر كله للصديق المتميز “ابراهيم حميدي”، فهو قام بدور الصحافي بشكل بارع، وأخرج ما تفكر به بريطانيا للعلن، وربما من أهم أدوار الصحافي، فضلاً عن السبق، عدم التغرير بالمتلقي أو بيعه الأمل الكاذب.

بواسطة
عدنان عبد الرزاق
المصدر
زمان الوصل

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: