أخبار سوريا

عندما اعتلى الخوري منبر الأموي خطيباً

إنه سياسي محبوب ومرموق ودمث الخلق… ذاك الشاب الذي تصدى لفرنسا عندما رفعت شعار حماية الأقليات مع ثلةٍ من المفكرين والأدباء والوطنيين الذين تصدو للشعارات الفارغة التي ترفعها فرنسا وكان الاجتماع في الأموي فسارع فارس بيك الخوري ليصعد منبر الأموي ويقول: من هنا ومن هذا المكان الطاهر أعلن أننا لم نطلب الحماية من دولة فرنسا، إن الفرنسيين يزعمون أن المسيحيين يطلبون الحماية وأنا أكرر قولي إنني أطلب الحماية من شعبي وليس من الفرنسيين.

أسس فارس الخوري وعبد الرحمن الشهبندر في سوريا حزب الشعب رداً على استبداد السلطة الفرنسية ولما اندلعت الثورة اعتقل الخوري وآخرون ونفاه الفرنسيون إلى خارج سورية بسبب استقالته من منصب وزير المعارف في حكومة أحمد نامي بك احتجاجاً على سوء نوايا الفرنسيين.

لابد من مقارنة سريعة بين موقف فارس الخوري في الجامع الأموي وبين مواقف حافظ الأسد الذي تاجر بسوريا وشعبها ومن بعده وريثه القاصر بشار الاسد.

رفع الأسد الأب وبعده الأبن شعار حماية الأقلية كما فعلت فرنسا لكنه ظلمَ وأستبدَّ الأكثرية والأقلية معاً، كما عمل سليمان الأسد والد حافظ الأسد على رفع كتاب للسلطات الفرنسية يطلب الحماية أو الانفصال عن سورية وبالتالي تقسيم سورية.

بينما دعا فارس الخوري الى دولة المواطنة والمواطنين دولة حديثة لا يضيع فيها حق أقلية أو أكثرية تقوم على مبدأ العدالة والمساوة والسيادة بها للقانون والعدل.

موقف شهير أخر لابد من ذكره يوضع في سجل فارس الخوري ويدل على وحدة حال بين مسحيي سوريا ومسلميها فعندما دخل الجنرال غورو دمشق دعا رجالها ووجهائها وكبار مثقفيها إلى قصر المهاجريين المسمى قصر ناظم باشا ووضع العشاء ثم قال مستهزءً (هذا قصر ملكيكم فيصل)  سادت فترة من الصمت والهدوء ونظر القوم بعضهم إلى بعض ولكن شاباً وطنياً تحمس وتصدر للجواب إنه فارس بيك الخوري يرد بحزم وصلابة ” هذا قصرٌ بناه الوالي العثماني ناظم باشا ثم تركه وبقيا القصر وبقينا ثم أقام به جمال باشا ثم تركه وبقي القصر وبقينا ثم سكنه الحاكم الإنكليزي و تركه وبقي القصر وبقينا ثم أتيتم وسكنتموه وغداً تتركونه ويبقى القصر ونبقى”.

كان فارس بيك الخوري متجرداً في أحكامه التي تتجلى في صورة فائقة للوعي والأداء تنم عن وعي كبير للخوري وفهم لتركيبة المجتمع السوري الاصيل و خصوصيته التاريخية والاجتماعية المميزة، وقد جَرّه هذا الإنصاف لأن يقول عن الإسلام الذي درسه وتعمق فيه , أنه يحقق العدالة الاجتماعية بين بني البشر.

بل يضاف أكثر من ذلك لسجل الخوري فقد قال بحزم ” إن قضية فلسطين لن تحل في أروقة مجلس الأمن بل ستحل على ثرى فلسطين، ويذكر العلامة المعروف في الشام الشيخ على الحموي القابوني أنه وخلال زيارته المستمرة مع عثمان البغدادي لفارس بيك الخوري فوجئ بأنه يحفظ القرآن كاملاً بل ويجيد الحديث بالفلسفة الإسلامية وبعض أصولها مما يدل على أنه مفكر قل نظيره.

وفي ذات السياق تظهر نظرتُ فارس البعيد عندما قال: أنه لم يندم في حياته على شيء سوى ندمه على القصيدة التي نظمها إثر إعلان الدستور العثماني على يد الاتحاديين التي هجا بها السلطان عبد الحميد حيث يضيف الخوري قائلاً: تأكد لي فيما بعد بما لا يقبل الجدل والشك أن هذا الخليفة الإسلامي قد راح ضحية تأثر اليهودية العالمية فشرعت منظماتها بالعمل مع الدول الاستعمارية على مناوئته شخصياً وعلى كيان الدولة العثمانية

إن سوريا التي تئن الآن بحاجة إلى رجال من مدرسة فارس الخوري هؤلاء الذين تصدوا للانتداب واعطوا دروساً في الوطنية الصحيحة البعيدة عن الطائفية والمذهبية والعصبية. فيخرجونها بحكمتهم من المآزق بدلاً من اغراقها في الدم.

ونحن اليوم كسوريين نعول كثيراً على ورثة فارس بيك الخوري من الوطنيين والإصلاحيين.

نيوز سنتر – محمد فراس منصور

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: