عين ع وطن

محمد فراس منصور : دمشق سبقت درعا لكن ثورتها كانت جمراً تحت الرماد

كنا تحدثنا في المقال السابق عن بدايات  الثورتين التونسية والمصرية وكيف حصلت الملاسنة بيني وبين فريد ميليش رئيس مكتب الاعلام في اتحاد شبيبة البعث على خلفية سرقات بالملايين قام بها نادر جابر عبد الله مدير عام مؤسسة الخزن والتسويق وتغاضي وسائل الاعلام عن فضحها.

وفي مساء اليوم التالي اتصل بي صالح الراشد رئيس اتحاد شبيبة البعث والذي شغل أيضاً منصب وزير التربية طالباً ايضاح سبب الخلاف الحاصل في مبنى الاذاعة والتلفزيون مع فريد ميليش وبدوري طلبت من صديقي راتب عبد العزيز الذهاب معي للاجتماع بالراشد الذي كان ينتظرني في المبنى القديم لاتحاد شبيبة البعث والذي استخدمه حافظ الأسد في نهاية الستينات أثناء الانقلاب.

بدأ الراشد حديثه مباشرة معنا “شوب تشربوا” فأجبته “زهورات لو سمحت” ضحك الراشد وقال هذا مشروب الختيارية” ..نحنا شباب.. فقاطعه زميلي عبد العزيز بقوله بنشرب شو ما بدك” نحنا منعجبك جماعة قبضايات” كان يحضر الاجتماع أيضاً عقاب كيوان ابن مدينة السويداء.

الراشد: شو قصة المشكلة تبع التلفزيون مع فريد، وشو هاد يلي صاير بليبيا”..

فراس: “والله يا أستاذ صالح هي المشكلة يلي صارت في التلفزيون قريبة من يلي عم بيصير في ليبيا والرابط واحد هو كرامة المواطن”.

الراشد: “إيه طولوا بالكم بس يبدو إنو القصة مو قصة رمانة القصة قصة قلوب مليانة، وعلى كل حال فيه اجتماع في مبنى القيادة وحابب تحضر أنت وزملائك وأنا بتصل بفريد وتبوسوا شوارب بعض”..

في اليوم التالي حصلت مشكلة عماد نسب حيث قام شرطي في منطقة الحريقة بضرب نسب ما أدى إلى تطور الموقف إلى مظاهرة هتفت ” الشعب السوري ما بينذل في وجه وزير الداخلية آنذاك اللواء محمد سعيد السمور.

وبعد أيام من هذه القصة استجبت لطلب الراشد وحضرت الاجتماع الذي طلب عقده مع الاعلاميين لكني صدمت صدمة كبيرة من كلام الراشد الذي هدد حينها بإعادة سيناريو الثمانينات وقال حرفياً إن ابني وأبنائنا مستعدون لدخول المدن على ظهر الدبابات إذا اقتضى الأمر.

عقب هذه الجملة مباشرة قمت بالانسحاب من الاجتماع بهدوء ودون أي تعقيب وسرعان ما دعاني وأنا في ممر مبنى القيادة اللواء أسامة خضور عضو قيادة شبيبة البعث. وسألني عن رأيي بما يحصل أنا وبعض زملائي الصحفيين الذين يرافقونني فأجبته والله يا سيادة اللواء نحنا كل الذي بدنا اياه تصير سوريا أجمل، وبدوه قال اللواء: والله مو مخوفنا غير هي الشعارات البراقة يلي ممكن تخرب البلد.

واستدرك قائلاً لكن ابني مهندس ديكور وأريد أن أوظفه فأجبته لاحظت سيادة اللواء أنو هلي عم نحكي عليه هو الفساد والمحسوبية والرشوة يلي صارت سرطان بكل مفاصل الدولة.

كانت حواري دمشق تغلي غليان المرجل وأزقتها لا تنبؤ إلا بثورة.

نعم أكاد أجزم أن دمشق سبقت درعا بالثورة لكن ثورتها كانت جمراً تحت الرماد.

أيام قليلة ودعا ناجي عطري رئيس مجلس الوزراء لحفل استقبال في مبنى رئاسة الوزراء في وقت كان يطلق السوريون الموجودون في ليبيا وبنغازي خصوصاً نداءات استغاثة مطالبين الحكومة السورية اخراجهم من ليبيا.

وأثناء الحفل يستفسر عامر حسني لطفي وزير الاقتصاد عن مصير السوريين المتواجدين في بنغازي فيجبه فيصل المقداد والله بعثنا سفينتين من أجل احضار السوريين على أن يدفع السوري الراغب بالعودة سعر التذكرة من حسابه الخاص وما تبقى هو 1700 سوري يطالبون أن نرسل باخرة أخرى لهم ولكن لن نبعث بأخرى وليلقوا بأنفسهم بالبحر.

كدت أفقد صوابي مما سمعته من المقداد ولا أعلم هل أنا في حلم أم في علم.

وفي الدقائق الأخيرة لانتهاء الحفل وبينما كنت أودع ناجي العطري رئيس الوزراء اذا به يمسك بيد علي جمالو رئيس تحرير شام برس ويقول له برأيك رح يصير شي عنا فيضحك جمالو ويجيبه لا سيدي إنتو بقيانين.. ويضحك عطري ويدعوه لشرب فنجان من القهوة برفقته..

عشرة أيام فقط وثارت درعا لتلتحق سوريا بثورة تونس ومصر وليبيا.

نعم فساد بهذا الحجم يعيش في مفاصل الدولة من أدناها إلى أعلاها وغياب لأي رأي معارض ولو بوجهة نظرة استوجب تكدس الطحالب سنيناً طويلة والمتملقين للسلطة وكل هذه المشاهدات دفعت بي لأن أنحاز إلى جوار شعب يطالب بخبز وحرية وكرامة حرم منها سنين طويلة فالذي لا ينتمي لهذا الشعب ليس منه والذي لا ينحاز لمطالبه العادلة ليس منه فإن المطلب الأساس هو العدل وليس سوى العدل وإذا أقيم ميزان العدل وأعيدت الحقوق لأهلها لابد أن يبدل الحال لأفضل مما هو عليه.

محمد فراس منصور
نيوز سنتر – news center

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: