بورتريه

الإعلامي العنيد الذي رفض شراكة رامي مخلوف..غسان عبود: عشقت وطني، لكن ليس على طريقتهم

تاجر ورجل أعمال عصامي يعتز بالجانب  الحضاري للتاجر في بلاد الشام، ولكنه إعلامي من طراز فريد لا يقبل المهادنة وأنصاف الحلول، وإن كان لا يحب السياسة كما يعترف. في طريقته الإعلامية شيء من المغامرة، لكنه يقول ويؤكد أن الشهيد محمد البوعزيزي كسر جدار الخوف عنده وعند الملايين في الشارع العربي، ولا يمكن أن نعود إلى الوراء، إلى عصر العبودية.

الشعب يطالب بالحرية والكرامة وإنهاء الاستبداد، ولا يمكن الرجوع عن هذه المطالب المبدئية السامية. الأستاذ عبود كان أول إعلامي يدلي برأيه أحوال الثورة العربية التي تتخذ أشكالا متعددة، لكن الهدف واحد. سيرى القارئ أن درجة حرارة الحوار عالية مع أنه كان في الأشهر الأولى للثورة السورية .
موقع نيوز سنتر يعيد نشر الحوار الي أجرته صحيفة القدس العربي لأهميته ، لأن الجراح كبيرة والآمال أكبر.

**أورينت ظهرت في ظل غياب الصوت السوري الحيّ في عهد البعث
* مشروع محطة فضائية، كيف جاء التفكير بقناة المشرق ‘أورينت’ هذا المشروع الإعلامي؟
أهم دافع للمشروع الإعلامي هو وجود المال والقدرة على الاستثمار فيه. وقد رأيت، بعد أن نزلت قيمة الاستثمارالفضائي، أن إنشاء مؤسسة إعلامية فضائية ممكنة لرجل أعمال من الطبقة ما فوق الوسط، بعد أن كان حكرا على ميزانيات دول. وهذا أصبح يشجع كثيرا من المستثمرين للدخول في مجال الإعلام. طبعا، الجانب الثاني هو الجانب الحي في طبيعتي، هذا الجانب الذي رفض أن يموت.

أنا خريج إعلام وصحافة، وإن كانت الدنيا أخذتني على مدار 16 سنة في مجال’البزنس’ وإدارة الأعمال والتجارة والاستثمار حتى في المجال الصناعي والزراعي. لكن هذا الصحافي ظل ساكنا في داخلي وظل الهاجس الأساسي له، الهم العام وما يحدث حولنا في المنطقة. من هذا المنطلق نبعت فكرة أن يكون لي مشروع إعلامي.

وهناك أيضا سبب آخر هو إحساسي بغياب الصوت السوري الحيّ، لأن وسائل الإعلام الحكومية للأسف كانت تصور الأمر كما لو أن الشعب السوري والناس في سورية مجندون على خط النار ولا يجيدون لغة غير ثقافة القتال والإشكاليات مع الجوار وغير الجوار. فأنا بدأت من منطلق: نعم نحن شعب مقاوم، لكن أيضا لديه طموحات، مظلوم ولديه أرض محتلة من قبل دولة معادية، إلا أنه شعب حي، شعب يجيد الفن والرقص، ويجيد الرسم ويحيا حياة كاملة. وهؤلاء الناس ليسوا فقط”’كما يريد التلفزيون السوري أن يصور- يلبسون بدلة العسكرية والفتوة وكأننا نحيا في خندق النار من الصباح إلى الصباح. من هنا نبعت فكرة أن أعمل مشروعا إعلاميا يصل للآخرين الذين هم الشعب السوري في كمه الحضاري، الموجود بجودته من 8000 سنة وليس فقط هذا الشعب الذي لا يجيد من الحياة إلا الخطاب’.

* ما هي المعوقات التي وجدتها في البداية، خاصة مع وجود منافسة قوية في الساحة الإعلامية هل عملت حسابا للمعوقات؟

عملت حساب المعوقات، أولاً: هي عدم وجود كوادر إعلامية سورية تلفزيونية متخصصة، بكل بساطة، لأنه لم يكن في جامعاتنا كليات تخرج إعلاميين.. كانت النظرية قائمة على التجييش الثوري داخل الإعلام وتحويله من إعلامي مهني إلى منظّر، هذه هي المشكلة الأساسية. أيضا عدم وجود قناة تلفزيونية سورية جعل هناك ندرة في الكوادر المتخصصة، سواء من الناحية الإعلامية وحتى من الناحية الفنية، هذه كانت أكبر مشكلة واجهتنا في البداية، لكن انتصرنا عليها بالتدريب وبروح الشباب السوري الذي كان يريد دائما أن يتعلم ويستفيد، جعلنا نقطع هذه المشكلة بسرعة، وإن كنا مازلنا نعاني منها’.

** الاعلامي العنيد والقصة الكاملة مع رفض هيمنة رامي مخلوف!

* هذه الانطلاقة القوية والتي كانت موفقة، بعدها فجأة ظهرت صعوبات، وقد تحدث عنها الإعلام، هل يمكن أن نسمعها منك؟
‘نعم سأتحدث لك بصراحة لأن هذا الزمن زمن الحرية، أرجو من’الجمهور أن يعذرني عن لقاءاتي الصحافية السابقة، فأنا مثلهم شخص يخاف أيضا، لديه ما يخاف عليه،لديه نفسه، وأنا أيضا ابن الخوف، تربيت في تربة الخوف، لم يأتني هذا الإحساس بالحرية إلا بعد أن حرق محمد بوعزيزي نفسه، هذا هو الذي أعطاني روح الحرية وكسر كل جدران الخوف بداخلي، والله العظيم هذا هو أنا اليوم.

** أن يكون المواطن سوريا وبعثيا هذا الشيء ترفضه النفس البشرية

الذي حدث أنه مع انطلاق قناة المشرق الفضائية في 2/2 /2009 وخلال أقل من شهرين استطاعت أن تصل إلى قلوب الناس في سورية، بكل بساطة، لأنها الصوت الوحيد المختلف وليس لأنها شاشة رائعة، لأنه كانت لدينا مشاكل سواء أكاديميا أو فنيا، لأن الكادر السوري غير كاف، ولا يمكن أن تأتي بكوادر من الغير لئلا تظهر القناة بنفس غير سوري. بالتالي الناس تريد أن ترى نفسها على شاشة إعلامها، تريد أن ترى أبناءها يعملون في إعلامها. الذي حدث أننا قمنا بمجموعة من البرامج المنوعة التي صورت الشرائح السورية بمختلف طوائفها وقومياتها وانتماءاتها حتى في مهنها، وكشفنا عن الآخر، لأن الثقافة الأولى انك عندما لا تعرفين ما هو داخل بيت جارك فإنك ستخشينه دائما، نحن فتحنا البيوت على بعضها، جعلنا جميع الطوائف تعرف ماذا تفعل كل طائفة ليس هناك شيء مخفي، ومن هنا تولّد حب لهذه القناة، لأن سورية في عهدة البعث تم إلغاء الخصوصيات للمجموعات البشرية ومحاولة جعلها نسخة واحدة «’أن يكون المواطن سوريا وبعثيا هذا الشيء ترفضه النفس البشرية، لأن النفس البشرية لها خصوصيتها حتى يمكن أن تقول الزوجة لزوجها: أولادي أحسن من أولاد أخيك.

هنالك خصوصية أو روح التفوق، يجب أن لا تلغى ولا يمكن أن تلغى أساسا لأنها قاعدة بشرية. لكن أن نحيا جميعا في هذه اللغة، ليس هناك مشكلة، على أن لا تكون لغة قتل ودم ولغة رفض الآخر. رفض الآخر يأتي على طريقة كما قال الكاتب المصري لطفي السيد (من جهل شيئا عاداه). رفض الآخر يكون عندما تجهله، هذه النقطة التي حاولنا أن نفتح البيوت على بعضها، تقبلها الشعب السوري، شاهدها الجميع، ثم بدأت المضايقات تحدث من المتنفذين في سورية، طبعا بالأول قدم لي كما يسمى العسل، استقبلتني في سورية بعض الجهات استقبال الأبطال والفاتحين وكأني طارق بن زياد،عملوا معي مقابلات بالإذاعة السورية، وبعض الصحف كتبت: هذا الرجل المهاجر الذي ‘يعشق الوطن. هذا كلام صحيح، أنا أعشق وطني، لكن ليس على طريقتهم!

وضعوا أغاني ‘ايد اللي تعمر الله يحميها’، وكأنهم يقولون لي: هكذا أنت إذا كنت معنا، أما إن لم تكن… الآن سآتيكم على ‘إن لم تكن’. لم يمر شهران ونصف الشهر على إطلاق تلفزيون قناة أورينت حتى طلب مني السيد رامي مخلوف أن أقابله في دمشق، طبعا أنا سوري وأعلم من هو رامي مخلوف، ولم أقل اني لم أصب بالذعر لأني أعرف سياسة هذا الرجل كيف. ذهبت الى سورية وقابلته في مكتبه، دام اللقاء حوالي ساعتين ونصف الساعة، ولم أدخل الاجتماع إلا ومعي رئيس التحرير والمدير الإداري العام أيضا حتى لا يكون لقاء مغلقا، خلال الساعتين ونصف الساعة سمعت كلاما من منطلق ‘أنا ربكم الأعلى’ إن أردت أن تحيا فستحيا معي، وإن لم تكن معي فأنت تعرف العاقبة! حتى إنه استخدم مصطلح: ‘أنا زعلان على أورينت لأنها ستموت، يعني واضح انك أنت عنيد’!.

طبعا في البداية، أنا أعرف ماكان يريد، وهو أن يكون شريكا بنسبة تزيد عن نسبتي ليتحكم في المحطة! طبعا أنا عندي وثائق، عندما يتطلب الأمر سأعرضها. بكل بساطة، عرض علي أيضا أن أكون شريكا معه في شركة إعلامية يريد أن ينشئها سماها (نينار) وهذه الشركة سوف تحتكر كل ما له علاقة بالعمل الإعلامي والتلفزيوني في سورية وأن ننشئها معا. قلت له: أنا رجل لا أعيش حاليا في سورية، أنا لي عشرين سنة في دولة الإمارات، أنا تاجر ولست محتكرا، أفكر بعقلية التاجر ولا أعرف عقلية الاحتكار. المهم وصلنا إلى طريق مسدود. بعدها بدأت الأصوات تظهر في نهاية أيار/مايو 2009، بدأت مواقع كثيرة تقذفني بالشتائم على أني قادم لأبتز الحكومة السورية، وأن لي غايات! ‘كان قد أراني العسل، الآن سوف يفرجيني إذا لم أكن معه ماذا سيحدث’. المهم دخلنا في حفلات تشويه كبيرة. لكن بقيت أراهن على الوقت، أن أعمل مواد من سورية، المكاتب تخدم في الإمارات، وهم يطلبون المراسلين إلى تغطية المؤتمرات سواء في القصر الجمهوري أو غيره إلى مؤتمرات وزارة الخارجية…

كل ذلك كان يقوم وأنا ليس لدي مراسل، ولكن بناء على طلبهم. وعندي الوثائق التي تؤكد أنهم كانوا يرسلون الرسائل، لم يوافقوا على مراسل ولم يرفضوا، رغم أني بعثت لهم على طلب مراسل من شهر 8/2008 لم تأتِ الموافقة ولا الرفض، كان لدينا مكتب للخدمات الإعلامية يسمى ‘لايف بوينت’، هذا كان يخدم القناة، أما من حولها إلى مراسلين فكان بناء على طلبهم، قالوا: إلى أن يأتيك الكتاب نرجوك أن تغطي لنا الفعاليات، لدينا كتب رسمية بذلك وكما تعرفون بأنه لا يمكن أن يدخل أي مراسل إلى قاعة وزارة الخارجية أو القصر من دون موافقة. المهم زادت الضغوطات التي جاءت أولا عن طريق أصدقاء بمعنى’تكسب، وتنحب، يصير عندك أشغال’، هكذا بدأت، ثم تطورت: إن لم تكن فسيكون.

** اقتحام الأمن للمكاتب

لم أعط اهتماما لذلك، لأني كنت أعرف أنها حفلة تشويه، إلى يوم 27/7/2010 اقتحم الأمن الداخلي المكاتب وطلب من الموظفين مغادرتها. لم يكسروا أشياء، وسمحوا لنا بإخراج جميع الأشرطة، هذا يوضح أن هناك من يريد أن يترك فرصة للحوار مرة أخرى، لأنهم كسروا الأشرطة والكمبيوترات مع أشخاص آخرين. طبعا سحبنا الأشرطة بالكامل، وكتبوا على الموظفين تعهدا أن لا يشتغلوا مع تلفزيون ‘المشرق’ إلا بطلب رسمي من وزارة الإعلام طبعا وزارة الإعلام متنحية للأسف، ليس هناك من وزارة إعلام وليس لها دور أبدا. اضطررنا أن نوقف الأخبار، توقفت الأخبار من يوم 18/ 8/ 2009 لم أعد إلى الأخبار حتى يوم 10/ 10/ 2010 توقفت عن الأخبار 14 شهرا، خلالها لم يتركوني يوما. كان هناك دائما متصل من أهل الإعلام أوالمحللين السياسيين أو جهات المخابرات، والقصد أن يبقوني مشغولا بهذا الموضوع، وكنت ملاحقا يوميا، والهدف أن يبقى ذهني مشغولا بهذه المصيبة التي ابتلاني بها الله.

حاول رامي مخلوف مرة ثانية ارسال ‘الاعلاميين’ عماد الشعيبي، وعلي جمالو وغيرهم للوساطة، ودائما كنت أرفض أن أشاركه.. إلى احد ايام رمضان كان برنامجنا حافلا، أوصلنا اسمنا إلى أرقام عالية في الإحصاء، قام مسؤولو الاعلام بالاتصال بجميع شركات الإعلان حتى لا تقوم بالإعلان لدينا، 65 رندا إعلانيا كان موجودا عندنا من كبار الشركات، للأسف منها شركات عالمية، ومن يريد أن يعرف الأسماء بإمكانه أن يرى كيف تعلن يوما ثم تسحب اعلانك، كانت الرسالة الجديدة إذا كنت معنا هكذا يأتي الإعلان، أو ليس لديك إعلان. لكن كثيرا من الشركات لم تعط ذلك بالا إلى أن أصدر رئيس مجلس الوزراء السابق ناجي العطري قرارا بمنع التعامل مع أورينت لأن لديها مخالفات قانونية، ولم تذكر هذه المخالفات القانونية إلى اليوم. طبعا تكبدنا خسائر عالية، أكثر من ثلاثين مليون دولار صارت كلفة التلفزيون حتى الآن وهم يهددون المعلن بكثيرمن الأشياء. طبعا الناس ليست مستعدة أن تدخل معارك ليست معاركها، وهذا حقها الطبيعي.

التأكد من مصدر التمويل!

عندما انتهى رمضان، اجتمع الرئيس الأسد بمجموعة من المنتجين السوريين وشكوا له بأنهم يجدون صعوبة بأن يروجوا للدراما السورية، ومن الأشياء التي طلبوها أن يسمحوا لقنوات تلفزيونية سورية تساهم بأن تكون سوقا لهم، وقالوا له إن هناك كثيرا من القنوات تتعرض لمتاعب من قناة الشام التي أغلقت تماما، إلى قناة أورينت، قال لهم بالحرف الواحد:
إن كنتم تقصدون قناة أورينت، نحن ما زلنا نتأكد من مصدر تمويلها. تخيلي رئيس جمهورية بعد سنتين يريد أن يتأكد من تمويلها، وكأنني موجود في جزر بريطانيا العذراء ولست موجودا في دبي، ومن يكون في دبي وهي مدينة عصرية، الإمارات تخضع لحكم القانون أيضا لا يمكن أن تكون مصادرالأموال فيها إلا إن شاء الله من مصادر تجارية. المهم ان حديث الأسد شكل فارقا ونقطة جديدة، فقبله كان رامي مخلوف يريد نسبة 55% وبعدها بدأ يتصل في ويطلب 92% ،وهكذا ولكي أثبت وطنيتي وولائي لبشار الأسد يجب أن أتنازل عن 92% ونصف. 25% للسيدمخلوف، أما الباقي فيأتي لي تسعة تجار من دمشق، من شركة شام القابضة وأنا العاشر،يعني من مالي يبقى لي سبعة ونصف بالمئة، هذا الطرح بدأ في الستة أشهر الأخيرة، كانوا يتصلون ويطلبون مني الحوار. لم أتصل يوما بأحد منهم، أتحدى ذلك، هم يرفعون النسب، ويحاولون اشعاري بأنني أنا من أريدهم، لكن لدي الأدلة بالكامل، من إيميلات،وتسجيلات، والعقود التي أرسلوها حتى أوقعها. وصلتني تهديدات بأهلي، وبأرزاقي بسورية، ورفضت التوقيع وقلت والله لن يروا توقيعي لا قبل ولا بعد’.

** ثورة مصر والعصفور الطليق

* بعيدا عن الضغوطات، ومع بداية الثورات العربية كانت محطة ‘أورينت’ وقد حازت جمهورا كبيرا يتابعها لماذا تبنيتم خط الشارع والشباب قبل أن تنضج الرؤى؟
الذي صار معي بالضبط وآخر اتصال تلقيته كان من عماد فوزي الشعيبي كان يوم الخميس، قبل جمعة رحيل بن علي، بعدها لم يعد يتصل بي أحد. عرفت أن هؤلاء الناس بدأوا يلمّسون على رؤوسهم، كنت أتابع هذه الثورات، جاءت مصر وكنت أعرف أن مصر هي عربة الجر الأساسية. وهذه أول مرة يحدث في التاريخ أن تكون عربة الجر تونس، فكان هناك تشكيل في ذهني، أن تكون حالة واحدة خاصة حتى أتت مصر، مع تطور ثورة مصر كنت أشعر بنفسي مثل العصفور الطالع من الأسر، فعلا شعرت باللحظة أنني تحررت منكل شيء من كل الضغوطات، من كل الخوف الذي شفته، من كل القتل الذي فرجوني إياه وأنا عمري 13 سنة في مدينتي في ادلب. تحررت من خوفي على أهلي، من خوفي على أموالي، فبدأت أواكب الثورات، وذكرت أني عدت وطلعت الأخبار في 10/ 10/2010،

أول خبر كان: لماذا اعتقلتم طل الملوحي؟ 

هذا أول خبر كان بعد عودة الأخبار، لكن ناقشته بخوف شديد، ثلاثة محررين من سورية قدموا استقالاتهم واعتبروا حتى مناقشة هذا الموضوع من بعيد، هو انتحار سياسي. تخيلي ما الذي فعلوه بضمير الناس، جدران كبيرة من الخوف الداخلي وليس الخارجي. المهم بدأت أنقل عن الثورات وماذا يحدث، وبدأت أقدم رؤية الشباب في الثورات، إلى يوم انطلاقة الاحتفال في الانطلاقة الثالثة لتلفزيون أروينت في 2/2/2011 أطلعت الجمهور على ما حدث معي من ضغوطات، ولم أكن قد أطلعتهم سابقا، تناولت رامي مخلوف وغيره. صنعت قبل ذلك برنامج (البلد بارك)، لأرى مدى جدية الشعب السوري لتقبل الحوار والرأي المختلف قليلا، وجدت أن طبقة كبيرة من المثقفين مستعدة لهذا النوع من الحوار، وأصبح هذا البرنامج (البلد بارك) حالة ثورية خاصة.

عرفت أن هناك شيئا ما ينمو، أو شيئا ما يريد أن ينمو. في تاريخ 9/2 استقبلوني في تلفزيون(أورينت) كرجل أعمال يتحدث عن حالة اقتصادية، وهي تجارة إعادة التصدير، بما أن لدي مؤسسة رائدة في مجال إعادة التصدير التي تأسست في دبي بعد ما أغلقت ‘هونغ كونغ’. عندما خرجت لأتكلم عن تجارة إعادة التصدير، تكلمت عنها لمدة سبع دقائق، لكنني فاجأت نفسي، وأنا أتحدث عن السلطة في سورية، وضرورة أن يفتحوا البلد. إننا شعب حي، شعب التجارة في العالم، ان طريق الحرير ليس مادة مسرحية ولا مادة شعرية، وإنما هو حياة شعب، وأن سورية لا يمكن أن تكون إلا في هذا المجال. لا نملك الإمكانيات لنكون دولة صناعية، لا نملك إلا أن نكون تجارا بين دول العالم. هذه هي الحالة السورية تاريخيا، طبعا إضافة إلى الزراعة التي أصبح وضعها صعبا كثيرا في العشرين سنة الماضية وهي غير قادرة على المنافسة عالميا. وجدتني أطلب وأرد على بشار الأسد عندما قال في إحدى المقابلات إنه سيبدأ بإصلاحات، لكن لن تراها هذه الأجيال وإنما سيراها الجيل القادم! فقلت له: لو فتحت البلد في أربع سنوات وأسست لجان تصدير في هذه السنوات ستنمو ونرى الازدهار كما حدث في دبي وفي سنغافورة وفي مدن كثيرة تبنت اتجاه إعادة التصدير والتجارة البينية، وتحدثت عن موقعي.

المهم انني طالبته بأن يكون مجلس الشعب مجلسا منتخبا وأن تكون هناك حكومة حقيقية، حكومة تكنوقراط بعيدة عن ضغط المتنفذين، أن تعود سورية إلى الحياة الدستورية التي كانت عليها قبل حكم البعث. صدقيني لم أكن أحضّر لهذا الكلام، لكن وجدت نفسي أنطلق هكذا، تركت موضوع إعادة التصدير ودخلت في هذه المطالب السياسية، مع أني لست سياسيا ولم أكن يوما سياسيا، لكن قلتها من وجهة نظر رجل أعمال.

بعدها بدأت ما سماها الرئيس السوري حملة التحريض في خطابه الأخير،هي لم تكن حملة تحريض، لقد فهمها حملة تحريض، هي الرأي الآخر المرفوض بأي شكل من السلطة في سورية. ثم بدأت بمعالجة آثار قانون الطوارئ على الحياة السورية، كل يوم تقرير عن القضاء، عن الزراعة، عن الصناعة، آثاره السلبية بالكامل. إن ما وجدته أن أغلب الشعب السوري، بكل شرائحه حتى بالمهجر، كان يتابع العزف المنفرد الذي كان يقدمه تلفزيون ‘أورينت’، نعم عزف منفرد. كنت أقدم عن الآثار، عن السياحة، عن الغوطة وما جرى لها، عن الثقافة وتأثيرها على حياة الشعوب، أحسست أني قد وصلت إلى الناس. وللأمانة، هذه التقارير كنت أكتبها بيدي، لأن جدران الخوف عند الصحافي السوري لا تريد أن تسقط إلى اليوم. السلسلة الثانية كانت عن الحكومات الثورية وماذا فعلت بنا، نعم كانت عن كل الحكومات الجمهورية في الوطن العربي، لكن كان الحديث دائما عن سورية، لأن الضيف كان دائما سوريا، انتبه الناس وعرفوا ماذا يحدث في البلد. في نهاية كل تقرير، كنت أقول: يجب أن ننتبه إلى أن سورية لن تكون بعيدة عن خط التغيير في الوطن العربي القادم، كنت أحزر. لكن كان الرئيس السوري يفاجئني ويقول ‘نحن غير’،لكن في ما بعد تبين أنهم ليسوا غير، وأن الشعب العربي، وخصوصا في جمهوريات الظل قرر أن لا يكون غير، قرر أن يأخذ حقه بنفسه.

** شحادين يا بلدنا
الحلقة الثالثة كانت، اسمها ‘شحادين يا بلدنا’ قلنا له: ‘اجعلها لله واعطنا حقوقا دستورية حتى لا نقع في المحظور. قد نسامح على كل شيء، لكن لن نسامح على ما هو قادم’. فاجأني أن الناس سمعت كل هذا الكلام، كل هذا الصراخ. المفاجأة الكبرى كانت أن يخرج عشرون شابا وصبية في سوق الحميدية في دمشق وفي المرجة ويطالبون بالحرية، وقفت كما الصنم!. سورية بعد 25 عاما لم تظهر فيها أي مظاهرة، 48 عاما من الضغط والتحكم الأمني تخرج عشر شباب والله لو خرج رجل واحد لكان حدثا على مستوى العالم. هذا الحدث كيف لقناة سورية إلا أن تقوله، فقررت أن أنقله فورا، وأن أفتح الهواء لمدة ساعتين لأرى آراء الناس لما حدث في سوق الحميدية.

إن عشرين شابا ووجهوا بـ500 رجل أمن يهتفون بالروح بالدم نفديك يا بشار، المشكلة أعتقد ان الخطأ الأكبر أن السلطة لم تستوعب الصوت الآخر، حتى وإن كان صغيرا، حتى حدث بعدها هذا الصوت الكبير. عندما فتحت الهواء خرج ناس يهتفون بالروح والدم نفديك يا بشار، وخرج ناس يقولون بدنا حرية بدنا كرامة، لم يقولوا بدنا وظيفة، كذب من يقول انهم يريدون وظيفة، أو إصلاحا مأجورا، يريدون الكرامة والحرية، كان هتافهم: الله وسورية حرية’وبس. كان واضحا أن هناك من شعر بوطأة الاستبداد. بعد ذلك دخلت الأجهزة الأمنية على أعلى المستويات، وأنا أعرف أن من تدخل بذلك هو اللواء محمد ناصيف، قرر أن يتصلوا بكادر تلفزيون وموظفي أورينت ويهددوهم ويتوعدوهم بالعقوبات والخيانة العظمى، وبالضغط على أهلهم. طبعا الناس، وهذا حقهم، ما زال لديهم الخوف من وطأة الإرهاب، خاصة في هذا الوقت. بدأ الناس يتسربون، في الأسبوع الأول فقدنا ثلاثة موظفين، الأسبوع الثاني وخلال عشرة أيام فقدنا مجموعة من الموظفين. وكما تعرفين، هذا يولد إشكالية في قناة كل موظفيها بحدود 150 شخصا.

** الشعب السوري صار كله مراسلين
ومع بداية اندلاع الثورة في درعا بسبب الغباء الذي تم التعامل به مع 15 طفلا كتبوا: ‘الشعب يريد إسقاط النظام’، طبعا أطفال يسمعون هذه الشعارات على مدار ثلاثة أشهر، تم التعامل معهم بقوة وعنف، وتم تهديد النساء وتهديد كبار أهل’درعا والجور عليهم. من هنا انطلقت بشائر الثورة، ومن بداية نقلي للأحداث بدأت عملية التشويش والضغط والإساءات والتخوين، لم تبق وسيلة لم يستغلوها، جعلوا مني قائد ثورة وأنا لست إلا إعلاميا أنقل الواقع كما حدث. إلى اليوم لم يستطيعوا أن ينقلوا عني خبرا كاذبا، لم ينقلوا عني صورة كاذبة، عندما كانوا يقولون ان ما قدم خبر كاذب، كنت أفاجئهم بعدها وأعطيهم الدليل عليه. وكما تعرفين لا يسمحون’ بوجود مراسلين، لكن الشعب السوري أصبح كله مراسلين. في الأسبوع الماضي أرسلوا مجموعة من الشبيحة خربوا بيوتي وإحدى مزارعي، كسروا الأبواب والنوافذ، كما كنت استثمرت جزءا من أموالي في سورية واشتريت أرضا كبيرة مساحتها 600 دونم استصلحتها وزرعت فيها 9000 شجرة زيتون فعلا رعيتها بكل الحب. المخابرات كانت تسأل ما هي أحب الأملاك لغسان عبود، فقالوا لهم أراضي الزيتون. يوم أمس أرسلوا أربعين من ‘الشبيحة’ وأطلقوا النار على المزارعين وهجروهم من الأراضي واستولوا على الأراضي وقسموها بين هؤلاء الأربعين. علما أن لها ملكية، والملكية ليست فقط يحميها الدستور السوري، وإنما تحميها شرائع الأمم المتحدة، كل ذلك ليسكت هذا الصوت، وكل ما عندي ساعتا أخبار، وهم لديهم ماكينة إعلام، لكن للأسف إعلامهم لايصل حتى إلى المناطق الإعلامية’.

**الوقوف مع المقتول ضد القاتل

* منذ الانتفاضة التي تحركت في سورية كان موقفكم مع الشباب هذا ما ظهر في إعلامكم؟
تبنيت حالة الوعي، في نشرة الأخبار وفي قضايا المشرق كنت وحيدا. الآن عندما خرج الشباب كان مطلوبا مني أن أتخلى عنهم، لقد أتى إلى هنا موفد منهم وقال لي بالحرف الواحد: بين يدي كل فرنك خسرته سنعطيك إياه، قلت له أنا لا أبحث عن فرنكات يا رجل، اذهب وتفاوض مع الناس الذين أصبحوا في الشارع. وبقي يومين في دبي ورفضت أن أقابله. وقوفي مع ثورة الشباب، لا ينبع فقط من ضمير وإنما هنالك موقف.

لو كان النظام السوري يخوض حربا مع إسرائيل كان من واجبي أن أقف معه، لو كان يخوض حربا إقليمية كان من واجبي أن أقف مع النظام السوري لكنني لم أستطع أن أقف مع القاتل ضد المقتول، القاتل مسلح والمقتول أعزل، والمقتول هو الشعب نفسه لا يمكن،هذا هو موقفي’.

و أنا متفائل جدا لأن الشعب السوري عانى كثيرا،ولا أعتقد أن هذا الشعب سيعود قبل أن ينجز الهدف، ولا يمكن مهما كان حجم الضغوط عليه، فهو لم يخرج بقرار حتى يعود بقرار. الاختلاف بين ثورة اليوم وثورة الاخوان المسلمين على النظام السوري، ان السابقة كانت ثورة منظمة لها قيادات تستطيع أن تخمدها وتستطيع أن تتآمر عليها، أما الآن من هم قواد هذه الثورة؟ الثورة بكل بساطة لا يمكن الإمساك بها، فهي ثورة هوائية ليست لها قيادات، هي ثورة الجائع إلى الحرية وإلى الكرامة، هي تشبه كرة الثلج، الواضح أن هذه الثورة تعامل بغباء شديد وعنجهية من النظام السوري. ولو ـ لا سمح الله – حدث شيء لي فمصيري ومصير هؤلاء الأحرارواحد’.

* هناك من يقول أيضا: بأن غسان عبود لديه أجندة، هي أن يركب موجة الثورة للوصول إلى أهداف سياسية، يخص بها في حالة نجاح الثورة، أو العكس يسترضونك إن بقوا في السلطة؟.
* “هو أن لدي أجندة نعم لدي أجندة، أساسا هذه الثورة أجمل ما فيها أن كل من لديه أجندة ضد الظلم قد توحد مع الثوار أوتوماتيكيا بدون أي لقاء أو أي تنسيق، نعم لدي أجندة ضد الظلم، أما عن السياسة وغير السياسة فأنا الآن ومن هذا الموقع وهذا المكان لم أكن سياسيا يوما، ولن أكون بأي شكل كان، أنا رجل أعمال وإعلام”.

* هل السوريون برأيك سينتزعون حريتهم، شاء من شاء أو أبى من أبى؟
صيرورة التاريخ تقول ذلك، لكن دائما السؤال الكبير: لماذا الشعب السوري، وهو شعب حر وهو شعب مدني منذ 8000 عام، لماذا قبل أن يحكم بهذه الطريقة 48 عاما؟ هذا هو السؤال الكبير الذي يحتاج كثيرا من الباحثين ليعرفوا السبب. ليس فقط هو الخوف، لكن أعتقد أن الطوق كان كبيرا، ولا أستطيع أن أجيب على هذا السؤال. المستقبل كفيل بأن يجيب عن هذا السؤال: كيف قمعت تطلعات الشعب السوري المدني؟ وهو مدني وأبو المدنية في العالم. نحن لسنا شعوبا من الهمج. وأريد أن أقول كلمة أخرى إن الرئيس استخدم كلمة فتنة، عندما استلمتم السلطة في عام 63 لم يكن هناك فتنة، على الأقل اتركوها كما أخذتموها. لا أحد يهددنا بالفتنة، لا يمكن أن تحدث في سورية، لا أحد يراهن عليها. نحن مدنيون ولسنا وحوشا، لسنا شعبا متوحشا نحن مدنيون، نحن إلهنا واحد، إلهنا هو إله الحرية.

نيوز سنتر – دمشق
أخبار سوريا







المركز السوري للأخبار والدراسات – فاطمة عطفة: القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: