اتقوا النار ولو بشق عدسة!

اتقوا النار ولو بشق عدسة!
plain text طباعة أرسل إلى صديق
نيوز سنتر

لا يوجد مرفأ آمن، لا يوجد بر، لا حل أخير، وهناك، حيث يقف ذلك المخلص الذي تنتظره لينهي كل عذاباتك، هناك، لا يوجد سوى عدو آخر، لكنه يملك وجها أكثر خداعا ومراوغة من هذا القريب، البعض يستسلم لهذا القبح بأن يكون جزءا منه، البعض ينحاز له بوصفه قانون الحياة، والقليل من البشر يقاومونه، لا لإنهائه، بل لتقليله، لتحسين شروط العذابات الممتدة عبر التاريخ، من زمن إلى زمن، ومن مكان إلى مكان، ومن سيف إلى سيف، ومن دماء إلى دماء، ولهذا يقولون أن رأس الحسين لم يزل ينزف ... وسيظل!

قد يتصور قارئ متسرع أنني أدعوه إلى اليأس، وهذا غير صحيح، إنما أدعوه إلى أمل صادق، أمل وفقا للشرط الدنيوي، أدعو الجميع، لا عفوا حتى "الجميع" هذه تنطوي على مبالغة رومانسية سخيفة، فلم يستجب الجميع يوما لمثل هكذا دعاء، إنما أدعو هؤلاء "الأقلية" الذين قرروا أن يعيشوا ليقاوموا إلى اللحظة الأخيرة كل هذا الفساد والقبح أن يتحلوا بالجلد أمام خيباتهم المتكررة ونجاحاتهم القليلة المتوقعة ...


في كتابه الجديد، "يحكي أن"،  الصادر عن الشبكة العربية للأبحاث، يروي أسعد طه، الحكاء المدهش، وصانع الوثائقيات المختلفة، والكاتب المرعب، حكايات تزيد عن الستين، عن تغطياته لحروب ومذابح وحوادث جسيمة مرت بالكوكب على امتداد السنوات الثلاثين الأخيرة، ويتعرض لسؤال هو الأصعب لدى كل كاتب، أو ناشط، أو إعلامي، أو منوط به توصيل رسالة ما إلى الناس عما يحدث حولهم، سؤال الجدوى، هل ما نفعله مؤثر، له قيمة، سيغير شيئاً، هل نساهم فعلا في عمل نضالي له ما بعده أم أننا نضيع أوقاتنا وأعمارنا نلهث خلف وهم كاذب، فيما ينجح الطغاة وحدهم في تحقيق مآربهم..



في إحدى حكاياته المؤلمة يخبرنا أسعد طه عن وقائع تغطيته للحرب الأهلية في رواندا، يقول:

"في رواندا كانت الحرب الأهلية قد وضعت أوزارها إلا قليلا، قبيلتان تتصارعان بوحشية، واحدة سمحت لنا بزيارة معسكر اعتقال للآلاف من أبناء القبيلة العدو، الحافلة التي ضمت صحافيين من كل أنحاء العالم قطعت ساعات تسير في غابات غاية من الجمال، وكأنها الجنة، ما إن عبرنا بوابة المعسكر إلا وتحول المشهد فجأة إلى ما يشبه الأبيض والأسود، أرض جرداء، وهياكل آدمية تتحرك هنا وهناك، وقليل من العسكر المدجج بالسلاح، لا طعام ولا ماء، كل ما هو أخضر يُنتزع حتى عشب الأرض، ويطهى في أشباه قدور على نار يمكن افتعالها بصورة أو بأخرى.على جانبي الممر المؤدي إلى داخل المعسكر جثث أطفال رُضّع ماتوا جراء سوء التغذية، وسيارة الصليب الأحمر تلملم جثثهم، الناس هنا تموت بالمجان، والتعليمات لنا كصحافيين واضحة، من يمنحهم كسرة خبز يُقتل مهما كانت جنسيته، على الأرض إنسان ممدد، لا يتحرك منه إلا عيناه، يحتضر، نلتف نحن التعساء حوله بكاميراتنا، جنسياتنا مختلفة، عقائدنا مختلفة، ألواننا مختلفة، عجزنا واحد، ينظر إلينا ونحن نصوره في نزعه الأخير، يستجدينا، يستعطفنا، ونحن عاجزون، تدور عيناه بيننا، ولا نعرف ماذا يدور في خلده، قبل أن يغمضهما للأبد، ننصرف نحن لكن الألم لا ينصرف" !


أي قهر هذا، أي وجع، وأي معنى يمكن أن يستشعره صحافي سمح لنفسه أن يلتقط صورة لرجل يلتقط أنفاسه الأخيرة، دون أن يمنحه كسرة خبز أو شربة ماء،  وما الذي استفاده هذا العجوز من عشرات الصحافيين من حوله إذا لم يكن فيهم من يستطيع أن يدفع عنه الموت وهو يقدر؟!


الأبنودي، شاعر مصر العظيم، طرح المشكل بدوره، في واحدة من أعظم قصائده عن الثورة، وفي مقطع بديع عن جدوى القصيدة، والوصف، وجدوى الكلام وسط الدم والموت وتضحيات الشهداء، يقول:


الكلام مش مستجيب.. / والصمت عار.. / والمسافة بعيدة..بين الفعل والقول البليد / لكن نحاول.. / لا القصيدة هتجري ع الاسفلت.. / ولا ترمي حجر.. / ولا فوق اكتافها راح تحمل شهيد.. / ولا هتبعد خطر..ولا هتقرب بعيد.. / الكلام آخر المطاف هو الكلام / والدم..دم ..


ويقول في سياق آخر:


لو سكتنا..يقولوا:ضاعو!! / لو وقفنا..يقولو:باعو!! / واذا قلنا.. يقولو فين الكلمة من رمي الحجر؟ / صرخة قتيل؟ / ثورة الاطفال..تخلي الشعر لو كان عبقري.. / وزنه قليل! / يا رفاقة..شعرنا ماهوش بخيل / اعذرو الشعرا اذا خرسو انهارده / واعذرو الكلمة اذا احتارت ودارت / انهارده الغنوة للافعال / واعذروا العواجيز اذا صمتوا انهارده / واستكانو للرقاد في الصمت مدة / النهارده الصرخة للأطفال/ الكلام..ما يشيلش جثة / الكلام..مافيهش دم / الكلام..مافيهوش هجوم ولا تراجع / الكلام..مالوش لجان / الكلام..ماهوش محاصر بالمدافع / لا دكاكينه بتقفل.. / ولا تتسمم غيطانه.. / ولا قاطعين عنه نوره أو مياهه.. / ولا ممنوع من العمل.. / ولا مشلول بالحصار الاقتصادي.. / ولا بالغاز المسيّل للدموع.. / ولا بيعاني عطش ويعاني جوع.. / زي اصغر طفل في الوطن المقاتل.. / نسكتوا ولا نحاول؟!!! / لأ.. / نحاول..


هي المحاولة إذن، تلك التي تجعل للحياة قيمة، وللاستمرار معنى، كثيرا ما يسألني الشباب العشريني، الذي أشعر معه بأنني كبرت قليلا وصارت لي تجربة، هل ثمة أمل في مصر، في سوريا، في المنطقة بأسرها، هل سنعود يوما إلى حيّنا، أم أنه كلام أغاني، فأقول ثمة أمل طالما ثمة محاولة، ليس بالضرورة في عودتنا، ولكن في عودة ما لا يكون بعدها مغادرة، وفي نجاح ما لا يكون بعده فشل، إذا لم نجنه نحن فليس علينا إلا أن نمهد الطريق لآخرين، هكذا يصبح لكل هذا معنى وقيمة ..


أعود لسردية أسعد طه، أجده بين الجثث والهياكل العظمية، الجرحى ونصف الموتى، والأموات، يبحث وسط كل هذا عن معنى لوجوده غير التوثيق، أوعن معنى وهدف وقيمة وجدوى، أي جدوى، لهذا التوثيق، فيجده في حديث النبي محمد (ص): اتقوا النار ولو بشق تمرة، يشعر أن النبي يحدثه، يشير إليه، وهو يصور ضحايا الزمن الردئ، ويوثق عذاباتهم بالصوت والصورة ثم بالكلمة: "اتقوا النار ولو بشق كلمة"، "اتقوا النار ولو بشق عدسة"، فالكلمة والصورة ربما لا يمنعان ما يحدث الآن، لكنهما قد يمنعان حدوثه غدا، أو يقللان من فرص تكراره...


وإذا كان هذا حال من يوثق بالكاميرا أو بالكلمة لأن هذه مهنته ودوره، فإن المسئولية تمتد في زماننا هذا إلى الجميع، فالجميع تقريبا لديه كاميرا الموبايل، والجميع تقريبا لديه حسابات الفيس بوك وتويتر، الجميع لديه فرصة لتوثيق ما يراه من عذابات الآخرين، للكتابة عن الظلم، عن القهر، عن الفساد، السرقة والنهب والاتجار بالآلام، الجميع يمكنه أن يساهم في تغيير هذا الواقع وتقليل فرحه اليوم أو غد أو يوما ما قد لا كوّن لنا ولكن حسبنا أمام الله وأمان أنفسنا أننا ساهمنا في صناعته ...



نيوز سنتر - news center
Haber Merkezi #
المركز السوري للأخبار والدراسات
#أخبار_سوريا
#عربي_ دولي
#الأخبار_ برؤية مختلفة







موقع المدن - محمد طلبة رضوان



أضف تعليق