عن خيبة الأمل، نزيه أبو عفش مثالًا

عن خيبة الأمل، نزيه أبو عفش مثالًا
plain text طباعة أرسل إلى صديق
نيوز سنتر

تركت البلاد في العام ٢٠١١ ولم آخذ معي من أغراضي سوى أشياء قليلة جدًا وضعتها في حقيبة ظهر صغيرة. أشيائي الصغيرة تلك كانت أوراقًا قليلة وبعض الذكريات وكتابين، أحدهما كان ديوان “ما ليس شيئًا” للشاعر نزيه أبو عفش. كان هذا الكتاب، رفيقي لفترات طويلة، محتلًا كياني. رددت مقاطعًا من هذه القصائد بيني وبين نفسي كثيرًا، وما زلت أحفظ في قلبي بعض جُمل هذا الديوان. أضعت الكتاب لاحقًا في واحدة من محطات منفاي.

اعتبرت لفترة طويلة قصيدة “جلسات تعذيب” من أجمل القصائد، وهي بلا شك واحدة من أكثر القصائد التي أثرت عليّ، إلى درجة أن بنيت عليها نصًا مسرحيًا قصيرًا، نُشر إلكترونيًا في موقع بدنا حل الإلكتروني في العام ٢٠١٠ وعُرض بعد سنوات على خشبة مسرح طلابي في إحدى جامعات مصر.

لم أتعرف على صاحب هذه القصائد بشكل شخصي، لكن، آنذاك، كنت مؤمنًا بشكل كبير بنقاء وطيبة هذا الرجل. كنت أؤمن بأنّه رجل حرّ وأفكاره حرّة منحازة نحو الإنسان الفقير التَعِبْ. كنت أؤمن أنّ هذا الرجل يقف مع حقوق الناس ضد الدكتاتوريات والطغيان والقتل والظلم. كيف لا وهو من كتب في المقطع الحادي عشر من قصيدة جلسات تعذيب:

“يطاردنا الأعداء، ويطاردنا أعداؤهم.

تطاردنا المقاصل، ويطاردنا القنّاصون.

في الخِربة المعتمة… وتحت خيمة القانون،

في الكوابيس.. وعلى حدود المقبرة،

رصاصٌ، رصاصٌ، رصاص

وموتى.. موتى.. موتى

إنّ الجسد يتألم، وتدمع روح الإنسان.”


لكن ما الذي حدث؟ لماذا حين دُقت ساعة الحقيقة وقف الشاعر الكبير في صف طاغية الشام، علمًا بأنّه قد خرج في مظاهرة في سنة ٢٠١١ ضد طاغية ليبيا معمر القذافي. ما الذي حدث كي يكتب على صفحته الشخصيّة في موقع فيسبوك بتاريخ الخامس من كانون الأول- ديسمبر سنة ٢٠١٧:

“أظنُّ.. حان الوقتُ لهذا التصريح:
رئيسُ بلاديَ الآن، وإلى نهاية هذا “الآن”، اسمُهُ: بشار الأسد.
وإذا أمكنَ لهذا “الآن” أن يرجع إلى الوراء عشرين سنة فسأختارُ رئيساً لها: حافظ الأسد.
وإذا كان بمقدور الحياةِ إعادتي إلى ما قبل نصف قرن، فهو حتماً : جمال عبد الناصر.
وإنْ كان بالمستطاعِ العودة إلى أربعينيّات القرن الفائت (قرن العظماء).. فبالتأكيد جوزيف ستالين الـمُعَظَّم.
أمّا وأننا لم نعد بـحاجة إلى المزيد من الأنبياء، وصانعي الكوابيس، ورُسُلِ الديموقرطيّة والحقيقة، ومُهلِكي الشعوب، ومُفترِسي الأحلام والأمل… فسأظلّ على يقين منِ أنّ المعلّم الكبير “كارل ماركس” لا يزالُ قيدَ الانتظار.
…………………
م 1*: نعم أنا أحتقر الديموقراطيّةَ وأربابـَها.
م 2* : أنتظِرُ سماعَ نُباحِكم وشتائمكم. / يتبع”


لماذا؟ لماذا يحبّ شخصٌ ما، يكتب شيئًا جميلًا كهذي القصائد، الدكتاتوريات ويكره الديمقراطيّة ويصف من يختلف معهم بالرأي بالكلاب النابحة؟ أهذا هو قدر اليساريين حين يكبرون؛ أن ينتقوا دكتاتورًا ويمجدّوه؟ أهذا قدرنا نحن أبناء هذا اليسار؛ أن يخيب أملنا في معظم الكتّاب والفنانين الذين رسموا لنا ملامح الحريّة؟ لماذا كتبت على حائط غرفتي يومًا من الأيام قصيدة لا عنوان لها لنزيه أبو عفش تقول:

أفظع من الجنون
ما نحن فيه.
أفظع ممّا نحن فيه
ما ينتظرنا.
أفظع من كل شيء:
شيءٌ ما…..


ثم أقرأ ما كتبه على صفحته الشخصيّة على فيسبوك بتاريخ الرابع عشر من شباط- فبراير سنة ٢٠١٨:

كل من لديه “كتاب مقدس” هو صهيوني بالفطرة؛ وهو عدوي وشريك في قتلي.
قلت : ” كل….”.
انتهى!


؟؟

هل من الممكن أن تكون هناك جملة عنصرية أكثر من هذه؟ هل من المنطقي أن يفقد شاعر قدرته على الرؤيّة ويمجد قتلة كفلاديمير بوتين وبشار الأسد؟ هل من الممكن ألّا يرى ما يحدث على بعد كيلومترات قليلة عن بيته؟ ألا يسمع هذا الشاعر أصوات القذائف التي تقتل الأطفال والنساء والرجال؟ ألا يرى آثار الدخان المتصاعد من البيوت المهدمة فوق رؤوس أصحابها في سماء مدينته الحبيبة؟ كيف يستطيع عدم رؤية هذا وهو الشاعر الذي يرى ما لا يُرى؟

على كلّ حال، تعلمت بعد هذه السنين أن أتجاوز خيبات الأمل وأتطلع إلى الأمام، لكن تبقى دائمًا آلاف الأسئلة معلقة بلا أجوبة، وواحد من هذه الأسئلة: هل خان نزيه أبو عفش نفسه أم أنّه كان يخدعنا طوال هذه السنين؟



نيوز سنتر - news center
Haber Merkezi #
المركز السوري للأخبار والدراسات
#أخبار_سوريا
#عربي_ دولي
#الأخبار_ برؤية مختلفة







راديو سوريالي - دلير يوسف



أضف تعليق