الثورة السورية كاشفة فاضحة

بقلم: نعيم مصطفى

الثورة السورية كاشفة فاضحة
plain text طباعة أرسل إلى صديق
نيوز سنتر

نعتت بعض أقلام الكتّاب الأحرار  الثورة السورية بالكاشفة والفاضحة والحقيقة أن تلك الأوصاف لم تجافِ الواقع، بل أصابت كبد الحقيقة.

إن من يتابع التحولات والمدّ والجزر التي طرأت على الثورة السورية منذ انطلاقتها الميمونة، يرَهذا الأمر جليّاً ولا يخطئه البصر ولا البصيرة.

لا أغالي إن قلت أن الثورة قد حولت سورية الصغيرة – مساحة وسكاناً- والكبيرة بشعبها الأبيّ العظيم، من وطن مجهول لدى بعض شعوب العالم إلى وطن معروف بمدنه وقراه وحاراته وأزقته، ولكن معرفة الشيء وحده ليست مفخرة لنا نحن السوريين لأننا لسنا ملعب كرة قدم أو حلبة مصارعة أو خشبة مسرح، وواجب الآخرين أن يوجهوا أنظارهم إلينا وأن يصفقوا أو يصفروا أو يصرخوا أو يثنوا أو يذموا....وإنما نحن شعب من لحم ودم وروح وجسد، فينا الطفل وفينا المرأة وفينا الشاب وفينا الرجل وفينا المريض وفينا السليم وفينا المعاق..

وكلهم - منذ ما يقرب من ثماني سنوات – يتعرضون لأبشع ضروب وألوان القمع والقتل والتعذيب والاغتصاب والتهجير ...ومعظم الدول العربية والإقليمية والدوليةً لا يرف لها جفن – وأعني الأنظمة وأصحاب القرارات -.

ما إن بدأ ربيع الحرية يزهر في 2011 الذي تفجرت فيه الثورات العربية واستفاقت الشعوب من غفلتها وسباتها الذي طال أمده معلنة خلعها لأنظمتها التي كانت السبب الرئيس في تأخرها وتخلفها وذلّها وعبوديتها ،حتى حوصرت  تلك الثورات وحوربت، وقد حاول العالم بأسره إعادة الشعوب العربية إلى حظيرة الطاعة لأنهم أدركوا أن نجاح هذه الثورات سيأتي بحكام ديمقراطيين وطنيين يرفضون العبث بمقدراتهم وثرواتهم وأراضيهم الثرية بالنفط والمتميزة بموقعها الجغرافي عن جميع دول العالم، ومن ثم فإن الحكام الجدد الذين جاءوا بإرادة شعبية وعبر صناديق الاقتراع سيمثلون الشعوب ويقطعون أيدي الطامعين والناهبين لثروات الأمة، فعملوا على ما يُسمى بالثورات المضادة لإعادة الحاكم الديكتاتوري نفسه بوجه جديد، وقد نجحوا  وللأسف – إلى حين – بهذا العمل الخبيث الشنيع، وحاولوا

إحباط الحلم العربي الذي طالما راود الشعوب ودغدغ خيالاتهم وعقولهم– ولكن هذا النجاح العارض لن يؤثر على همة الشعوب وغليانها وتصميمها من أجل نيل حريتها مهما كانت الفاتورة مكلفة وكبيرة، ولن تهدأ الشعوب حتى تنعم بما ينعم به الغرب من حرية وعدالة وديمقراطية لأن إنسانيتها وعقولها وأفكارها ليست أقل من تلك الدول إن لم أقل تبزها.

وعلى الرغم من أنني أتماهى مع الشعوب المضطهدة كلها التي قامت بالثورات وأشاركها في آلامها وآمالها وفي شجونها وشؤونها ولا أؤمن بالحواجز والجدران التي صنعها سايكس بيكو إلا أنني أحب تسليط قلمي على أكثرهم مأساة وتنكيلاً وتشريداً وقتلاً وذبحاً ألا وهم السوريون.

إنها مأساة القرن بكل ما تحمل الكلمة من معاني، قَتْل ما يزيد على مليون شخص واعتقال نحو مليون شخص وتشريد ما يقارب العشرة ملايين إنسان، ماذا نسميه؟!

مأساة. إنها كلمة صغيرة، كارثة. إنها لا تصف الواقع، إبادة. إنها تلامس جزءاً من الواقع.

لقد كانت الثورة السورية كاشفة فاضحة للدول العالمية والإقليمية والعربية وللشعوب برمتها.

وإذا ما بدأنا بردة فعل الدول الديمقراطية والتي ترفع عقيرتها صباح مساء متغنية بحقوق الإنسان وتحرص حتى على  حقوق الحيوان في قوانينها ودساتيرها، نجدها قد انكشفت وافتضحت في ردة فعلها إزاء ماكينة الإجرام التي تحصد أرواح السوريين، فقد شرعت في يوم من أيام الثورة  بصناعة تمثيلية ساذجة في تأليفها وإخراجها، وعقدت مؤتمر ما يسمى أصدقاء سورية، وقد حضره ما ينوف عن مئة دولة تستطيع إيقاف آلة القتل السورية بيوم واحد إن أرادت ولكنها اكتفت بالاستنكار والشجب والخطب الرنانة التي تمجّد الشعب السوري وتطريه وتثني عليه وتذم وتهجو النظام القاتل المجرم ومن يقف بجانبه.

لقد فضحت الثورة السورية روسية بعد أن ظننا أنها تخلصت من إرثها الأسود الملطخ بالدماء على يد ستالين (الذي قتل خمسين مليون إنسان) ومن لفّ لفه، ولكن الثورة أثبتت أن بوتين يحاكي أسلافه في الإجرام وسفك الدماء والاستعمار والهيمنة على أراضي الآخرين.

لقد فضحت الثورة السورية أمريكا بلفها ودورانها وأنها تسعى لنشر الديمقراطية والحرية في العالم على غرار نظامها، ولكن الثورة كشفت خداعها ومكرها وأنها عبارة عن ظاهرة صوتية لاتسمن ولا تغني من جوع وتعطش الشعوب للحرية والعدالة.

لقد كشفت وفضحت الثورة السورية بعض الأنظمة العربية الخليجية في تآمرها مع الغرب وإسرائيل وتسخيرها لخزانتها المفعمة بالمال والبترول والذهب من أجل قمع الشعوب وإجهاض ثوراتها.

لقد فضحت الثورة السورية إيران التي تسمي نفسها الجمهورية الإسلامية والتي خدعت الشعوب العربية حينا من الدهر ، إذ كانت تزعم أنها جزء أصيل من الدول الإسلامية وأنها تسعى ليل نهار لخدمة الإسلام، وكان شعارها الدائم ( الموت لإسرائيل وأمريكا والنصر لفلسطين والأقصى)، ولكن الثورة الكاشفة الفاضحة التي وضعت النقاط على الحروف فضحت زيف هذه الدولة وأثبتت أنها دولة صفوية مجوسية استعمارية ظاهرها يناهض أمريكا وإسرائيل وباطنها يتقاطع معهم في محاربتهم للعرب والمسلمين وقد كشفت الثورة عن عوراتها من خلال إرسالها العدة والعتاد والجنود إلى سورية لمناصرة نظام الأسد التي تدعمه وبقوة  ولم يعد هذا الأمر خافياً على ذي عقل.

لقد كنا نلتمس لها الأعذار بعدم مجابهتها لإسرائيل بأنها ما زالت تبني قوتها وتشيد ترسانتها، لكن الأيام والسنوات الطوال أثبتت أنها حليفة وفية لإسرائيل وأمريكا وأن قوتها خنجر مسموم مصلت على رقاب الشعوب الإسلامية وما تلك الشعارات التي كانت ترفعها بين الفينة والأخرى سوى خديعة ومكر تدغدغ بها عواطف الناس البسطاء.

لقد فضحت الثورة زعيم حزب الله حسن نصر الله الذي طالما أحبه الشعب السوري والشعوب العربية كافة ورفعوا صوره وعلقوها في البيوت وفي الحافلات بصفته المقاوم والممانع الأول لإسرائيل وأنه يقف بجانب الشعوب ليحقق لها رغباتها في         

التخلص من الظالمين والمحتلين، ولكن الثورة السورية كشفته ثم فضحته بعد أن أرسل قطعانه إلى سورية التي عاثت فساداً في المدن والقرى وقتلت الأطفال والنساء والرجال والشيوخ ورفعت الشعارات الطائفية الحاقدة المقيتة، فسقط من عيون الشعوب العربية عامة والشعب السوري خاصة، وصار ظاهرة هو وحزبه للسخرية والتندر على ألسنة السوريين (حسن زميرة، وحزب اللات، صواريخ هيفا...).

وعلى الصعيد الداخلي السوري كشفت وفضحت بعض النخب من الشيوخ والكتّاب والمثقفين والإعلاميين والفنانين والرياضيين (أدونيس، لحام،الخ...) وبينت حقيقتهم بأنهم ثلة من الشهوانيين والأبواق المرتزقة، المجردين من الإحساس والشعور والإنسانية، فقد كانوا قبل الثورة يخدعون الشعوب بممارستهم سياسة التنفيس بانتقادهم للنظام المستبد ولكن إبان اندلاع الثورة كُشف الغطاء عنهم وافتضح أمرهم وعادوا إلى جلودهم الحقيقية وهي جلود الثعالب المكارة الخداعة ووقفوا بجانب القاتل وخسروا كل رصيدهم الشعبي.

وقد كشفت وفضحت الثورة غسيل الدماغ الذي كان يمارسه حافظ الأسد المقبور ومن بعده ابنه السفاح المأفون، فتبين أن ثمة شريحة لا بأس بها من السوريين قد أثر بها المصل الأسدي الديكتاتوري الفاشي بشكل كبير، فناهضت شعارات الحرية والعدالة والديمقراطية، وصرحّت بأنها تريد البقاء تحت عسف وظلم وقهر الأسد المستبد، ويحضرني في هذا الصدد مقولة أفلاطون التي تنسحب عليهم

" لو أمطرت السماء حرية لرأيت بعض العبيد يحملون مظلات "

وقول المفكر مصطفى محمود " هناك من يناضلون من أجل التحرر من العبودية، وهناك من يطالبون بتحسين شروط العبودية".

وفي النهاية صبراً أيها الشعب السوري الذي يستحق لقب الأستاذية بلا منافس في الكفاح والنضال والتضحية من أجل نيل الحرية وسينصركم الله عزّ وجلّ وقد تأخر نصره ليميز الخبيث من الطيب.

ولا بد أن تنتصر المبادئ والقيم السامية على المصالح المادية الوضيعة.

يقول الفيلسوف توماس جيفرسون ثالث رؤساء الولايات المتحدة

" عندما تتحدث عن طريقة العيش فاسبح مع التيار، وعندما تتحدث عن المبادئ قف كالصخرة".



بقلم: نعيم مصطفى
نيوز سنتر - news center
Suriye Haber Merkezi#
المركز السوري للأخبار والدراسات
#أخبار_سوريا
#عربي_ دولي
#الأخبار_ برؤية مختلفة







المركز السوري للأخبار والدراسات



أضف تعليق