PRESS RELEASE
2018-07-18 15:15:00
التفاصيل الكاملة لـ"انتفاضة 12 آذار" الكورديَّة في سوريا

التفاصيل الكاملة لـ

قبل تسعة أعوام خلت، وباقتراب عقارب الساعة من الحاديَّة عشرة،

 صباح يوم 12 آذار 2004، بدأت مدينة القامشلي (قامشلو) الكرديَّة، شمال شرق سورية، تهيِّئ البلاد لزلزالٍ كورديٍّ، طالت اهتزازاته الارتداديَّة حتى العاصمة دمشق.
حيث بدأت مع توافد جموع من عرب دير الزور قدِّرت أعدادهم بألفيّ شخص، المستقدمين من مدينة دير الزور على متن 50 حافلة كبيرة للركَّاب، كجمهور لفريق "الفتوَّة" الرياضي، وتحت أنظار وأسماع وصمت القوَّة الأمنيَّة في المدينة، بدأت بالتظاهر في شوارع القامشلي، رافعة صور الرئيس العراقي السابق صدام حسين، منادية بحياته، وموجِّهةً الشتائم والسباب للأكراد وقادتهم (طالباني، بارزاني، أوجلان)، واصفةً إيَّاهم بالخونة والعملاء لأمريكا. ورغم تواجد الشرطة على أبواب المعلب البلدي في المدينة، استطاعت الجموع الغوغاء الدخول إليه، وبحوزتها العصيّ والسكاكين والحجارة.

وقبل بدء المباراة بين فريق المدينة "الجهاد" والفريق الوافد "الفتوَّة"، باشرت الجموع بالتحرش بالجمهور الكردي، وإلقاء الحجارة عليه، وتوجيه الشتائم له، وبدأ الاشتباك. وقد أثبتت صور الفيديو التي التقطت سرَّا للعراك الناشب، أن قوات الأمن استهدفت الأكراد، وعاضدت "جنجوديها".

وخلافاً لعادة الإعلام السوري، الذي لا يتناول حدثاً سوريَّاً، إلا بعد أن تكون وسائل الإعلام العربيَّة والعالميَّة قد ملَّت منه، واستنفدت الحديث عنه، هذه المرَّة تخلَّى الإعلام السوري عن عادته، وبثَّ برنامج "ملاعبنا الخضراء" في الإذاعة السوريّة، الرياضي نبأ توقُّف مباراة بين فريقي الجهاد والفتوَّة، نتيجة اشتباك بين جمهور الفريقين. وذكرت: إن ثلاثة أطفال قتلوا دهساً تحت الأقدام. وكان لهذا الخبر أثره البالغ في غليان المدينة، ووضعها على حافة الانفجار. واتضح فيما بعد، أنه كان خبراً كاذباً وملفَّقاً.

فور سماعهم الخبر، تقاطر الآلاف من الأهلي نحو المعلب، كي يعرفوا ماذا جرى لأبنائهم، لكن قوات الأمن حالت دون دخلوهم إليه. وأصوات الصراخ والشجار والأعيرة الناريَّة كانت تصدر من داخل المعلب. واستمرَّ الغليان في تصاعده، إلى أن وصل محافظ الحسكة، سليم كبّول، (وهو رئيس اللجنة الأمنيَّة التي تضمُّ كل أفرع المخابرات في المحافظة)، إلى المكان، وأمر بإطلاق الرصاص الحيّ على الجموع المحتشدة، وقيل أنه "باشر إطلاق النار من مسدسه الشخصي على المدنيين العزَّل". وهنا بدأت المجزرة، وسقط العديد بين قتيل وجريح، ولم تنم القامشلي ليلتها، نتيجة عمليات كرٍّ وفرٍّ بين المتظاهرين ورجال الأمن والشرطة، وحملات الاعتقال والمداهمة العشوائيَّة.

وفي اليوم الثاني 13/3/2004، نزل أكثر من 200 ألف كردي لشوارع القامشلي لتشييع جنازات شهداءهم الأربع، المسجَّاة بالإعلام الكرديَّة. وبعد رفض المشيّعين أوامر الأمن بنزع الأعلام عن جثامين الضحايا، أطلقوا النار مجدداً عليهم، فسقط ضحايا جدد. وهنا أعلن الانفجار الكردي عن نفسه على شكل انتفاضة جماهيريَّة عارمة، بدأت شرارتها من القامشلي، وامتدت نيرانها لكافة المدن الكرديَّة شمال سورية (عامودا، درباسية، تربه سبيه، معبده، ديريك، رأسع العين، كوباني، عفرين)، حتى وصلت لمدينة حلب والعاصمة السورية دمشق.

**مظاهر الانتفاضة
خرجت عشرات الألوف في المدن الكرديَّة في مظهرات غاضبة، يقودها الاحتقان والإحساس بالغدر والضيم والإذلال، تجوب الشوارع، وتهاجم مراكز الشرطة والمخابرات ومقرَّات حزب البعث الحاكم كالسيل الجارف. وللأسف، لم تنجُ من غضب المتظاهرين بعض المؤسسات الخدمية أيضاً. وذكر شهود عيان، إنه وخلال دخول المتظاهرين لمخافر الشرطة والمفارز الأمنيَّة ومكاتب حزب البعث، لم تحدث حالات سرقة أو سلب ونهب، كما تجري العادة في هكذا فلتانات جماهيريَّة، بل كانت الحرق والكسر والتدمير هو لسان حال تطاعي الجموع الغاضبة مع محتويات كل المؤسسات. وهذه نقطة تسجلّ للانتفاضة الكرديَّة.

وأكَّدت مصادر في المنطقة، بأنه صحيح تمَّ استهداف تماثيل الرئيس الراحل حافظ الأسد ونجله الراحل باسل الأسد، إلا أنه لم يتم إحراق العلم الوطني السوري، عكس ما روَّجت له السلطات السوريَّة، استجراراً لمشاعر الحقد والنقمة والتخوين لدى العرب على الأكراد.

وتحدثت السلطات عن استهداف بعض المراكز الحيوية، كصوامع الحبوب والمصارف، بداعي تشويه الحدث، لكن اتضح فيما بعد أن المسؤولين في تلك المراكز والمصارف، وللتستُّر على اختلاساتهم وفسادهم، قاموا بإضرام النيران بتلك المراكز، واتهام المتظاهرين بها، لكون فرصة اندلاع الانتفاضة ولجوء المتظاهرين للحرق، قد أتتهم على طبق من ذهب.

ومن الأهميَّة بمكان الإشارة إلى أنه شاب أحداث الانتفاضة بعض المظاهر السلبيَّة، مردُّها شدَّة الاحتقان المتراكم منذ عقود، نتيجة تهميش المنطقة، وتمادي السلطات في ممارسة الغبن والظلم اللاحق بأكراد سورية، الذي وصل لإطلاق الرصاص الحيّ على المدنيين العزَّل. ناهيكم عن كون هذه الانتفاضة، عفويّة، وغير منظَّمة، ويقودها شباب كُرد، لم يكن لهم أيّة علاقة بالحراك السياسي الكرديّ، وبل أن بعضهم كان من الزعران. واللافت في تلك الانتفاضة هو مشاركة الرجال والنساء والأطفال، وخاصة الشباب، بشكل كبير.

تعاطي الإعلام العربي
أخضعت السلطات السورية تلك المناطق تحت رقابة شديدة، ومنعت وسائل الإعلام من التوجُّه إلى هناك، للكشف على حقيقة ما يجري، باستثناء التلفزيون السوري، الذي صوَّر مجريات الحدث، وفق الدباجة المعهودة: "الخطر القادم من الشرق (العراق)، والعدو المتربِّص بالأمَّة، وأيادي غريبة مندسَّة، ومؤامرة خارجيَّة لإشعال فتنة...". والصور التي بثَّتها قناة العربيّة عن الحدث وقتئذ، كانت مأخوذة من مدينة نصبين الكرديَّة في تركيا، التي تقع قبالة القامشلي. وتلقَّف الإعلام العربي الحدث من تصريحات الإعلام السوري، الذي كان "أميناً" على مجرياته وخلفياته، إلى درجة، أن خطاب السلطة، حرَّك وحفَّز النزوع القومي العربي لدى المعارضة السوريَّة للاصطفاف إلى جانب النظام، وتبنِّي وجهة نظر السلطة حيال الحدث، بشكل مباشر أو بغيره!.

ونجحت السلطات السوريَّة في تشويه الحدث والتعتيم عليه عربيَّاً، واستقطاب رأي عام عربي يجاري وجهة نظره. وعلى سبيل المثال لا الحصر: إصدار كتلة قرار بيروت النيابيَّة، التي كان يرأسها رئيس وزراء لبنان السابق، الراحل رفيق الحريري، بياناً ينسجم تماماً مع وجهة النظر السوريَّة وقتئذ، حيال أحداث انتفاضة القامشلي.

**التعاطي السوري
بعد أن أحسَّ النظام السوري بأن هيبته التي بناها خلال 40 عام من حالة الطوارئ والأحكام العرفيَّة، منذ وصول حزب البعث للسلطة 8/3/1963 ولغاية 12/3/2004، قد أصيبت بنكسة كبيرة، خاصة عندما استهدف المتظاهرون مركز الأمن وحزب البعث وتماثيل ونُصُب الرئيس الراحل حافظ الأسد، تعاطى مع المتظاهرين الأكراد وفق مبدأ "كسر الرأس". وبدا ذلك واضحاً من خلال التعاطي الأمني الدموي الذي مورس بحقِّ المتظاهرين، وحملات الاعتقال العشوائي التي طالت الآلاف من نساء وأطفال وشباب ورجال ومسنين، (تمَّ الإفراج عن غالبيتهم بعفو رئاسي). حتى أنه تسرَّب معلومات، أشارت بأن (المزاج العام في السلطة آنئذ، كان باتجاه تكرار سيناريو "حماه" في القامشلي. وقيل أن هذا السيناريو تمَّ إبطاله، بضغط أمريكي). وقد آزر بعض مثقفي السلطة (عماد فوزي الشعيبي، حسن حاج علي...)، وآخرون (الراحل علي تركي الربيعو) مسلك السلطة، بداعي الحفاظ على هيبة الدولة، حتى ولو كانت على أشلاء مواطنيها!.

في شهر أيار 2004، وعبر قناة الجزيرة القطريَّة، اعترف الرئيس السوري الدكتور بشَّار الأسد بوجود الأكراد في سورية بالقول: "الأكراد جزء من النسيج الاجتماعي والحضاري السوري..." وأردف بما معناه: "لا توجد أيدي خارجيَّة في أحداث القامشلي... سنمنح الجنسيَّة للأكراد الذي جرِّدوا منها على خلفية إحصاء 1962". ولم تجد وعود إعادة الجنسيَّة للمجرَّدين منها على خلفية الإحصاء المذكور، طريقها للتطبيق والتفعيل لغاية اللحظة!.

**التعاطي الكردي

تتابع اشتراك المدن الكرديَّة في الانتفاضة، وحجم المشاركة الجماهيريَّة، أوحى وكأنها كانت معدَّة مسبقاً، ومنظَّمة. وحقيقة الأمر، أنها كانت عفويَّة، دون تنظيم، بدليل، تجاوز الشارع الكردي السوري حركته السياسيَّة، التي سارعت للإعلان عن إبراء ذمَّتها أمام السلطات، وذكر عدم مسؤوليتها عنها. ليس هذا وحسب، بل حاولت بعض الأحزاب والأطراف الكرديَّة السوريَّة اتهام حزب الاتحاد الديموقراطي، المقرَّب من العمال الكردستاني، بالمسؤوليَّة عن هذه الأحداث. والجدير ذكره هنا أن الغالبيَّة العظمى من طيف الحركة الكرديَّة السوريَّة، كانت ولا زالت تكنَّ حقداً دفيناً للعمال الكردستاني وامتداداته السياسيَّة السوريَّة، بسبب علاقة أوجلان وحزبه مع النظام السوري، في حين كانت تبرر تلك الأحزاب علاقة الاتحاد الوطني الكردستاني والديموقراطي الكردستاني العراقيين مع هذا النظام!.

عراقيَّاً، ورغم أن جزء من أسباب انتفاضة الكرد السوريين في 12 آذار 2004، كان رفض القامشلي للإهانة والشتائم التي وجِّهت لقادة كردستان العراق، إلا أن الإقليم الكردي العراقي، تجنَّب تغطية الحدث في إعلامه، إلا بعد مضي ثلاثة أيام، من ثمّ صدرت بعض بيانات شاجبة، ذات نبرة نقديّة حادّة، تُحذِّر النظام السوري من خطورة تبعات المضي في التعاطي الدموي مع الأكراد السوريين. وبحسب بعض المصادر الكرديَّة، أن حكومة كردستان العراق، قد حرَّكت فرقة من البشمركه، إن استمرّ النظام السوري في زيادة هجمتها الشرسة على المواطنين الكرد. وبحسب المصدر الكردي، كانت علاقات الحزبين الرئيسين في كردستان العراق بالسلطات السوريَّة، على شفير أزمة حقيقيّة آنئذ. كما انطلقت المظاهرات الجماهيريّة في كردستان العراق، المنددة بالنظام السوري، والمتضامنة مع الانتفاضة الكرديّة وضحاياها.

كما تضامن أكراد تركيا مع الانتفاضة الكرديَّة السوريَّة، وخرجت جموع المتظاهرين في المدن الكرديَّة التركيَّة، حتى وصلت لاسطنبول وأضنا وميرسين وأزمير والمدن التركيَّة. ولم تتخلَّف مدن كردستان إيران أيضاً عن نصرة المنتفضين الكردي السوريين، والتنديد بالنظام السوري، والاشتباك مع قوة الأمن الإيراني. فضلاً عن تضامن الجاليَّة الكرديَّة في أوروبا وأمريكا معها. وطالب المتظاهرون الأكراد في كل مكان، داخل وخارج سورية، السلطات السوريَّة بحلٍّ سلمي عاجل للقضيَّة الكرديَّة في سورية، بعيداً عن منطق القبضة الأمنيَّة، وسياسات الإنكار والتملُّص من الحل. وكان بثُّ فضائيَّة "روج" المقرَّبة من العمال الكردستاني، على حساب الانتفاضة، وتغطي مجرياتها لحظة بلحظة، وتستضيف كل قيادات الأحزاب الكرديّة السوريّة، دون استثناء، ما شكَّل إزعاجاً وإرباكاً كبيراً للسلطات السوريَّة.

**هل كانت انتفاضة؟
سعت السلطات السوريَّة لنفي الصفة السياسيَّة عمَّا جرى أيام 12-13-14-15 آذار 2004 في سورية، وإظهار ذلك على أنه حالة شغب، ناتجة عن مباراة رياضيَّة، ليس إلا!. واجتهد إعلام السلطة ومثقفوها في التسويق لذلك، لكن فشلوا. حتى أن الأكراد السوريين، اختلفوا في توصيف تلك الهبَّة الجماهيريَّة العارمة، وتنوَّعت التوصيفات بين "الانتفاضة، الأحداث، الفتنة، المؤامرة...". إلا أن وصف الحدث بالانتفاضة الشعبيَّة العفويَّة، غير المنظَّمة، هو أكثر مجاورة لحقيقة ما جرى، لأسباب عدَّة:
1.الخلفية السياسيَّة للحدث، والمظاهر السياسيَّة التي رافته (رفع الأعلام الكرديَّة، رفع لافتات وشعارات وصور لرموز وقيادات كرديَّة، إطلاق شعارات وهتافات سياسيَّة...)، وتركيز المتظاهرين على مهاجمة رموز السلطة: كـ"المخافر، مراكز أمن، مقار حزب البعث، تماثيل".
2.استمراريَّة ودوام الحدث لعدّة أيام، ما أبعده عن صفة المظاهرة، وأكسبه صفة الانتفاضة والعصيان المدني.
3.اتساع رقعتها الجغرافيَّة لتصل العاصمة السوريَّة، واشتراك عشرات الألوف، ومن كافة الأعمار فيها.

لماذا تمَّ افتعالها؟
التعامي الأمني لاستفزازات جمهور فريق الفتوَّة للأكراد، وشتمهم لهم ولرموزهم في شوارع القامشلي، وإدخالهم للحجارة والعصي والآلات الحادَّة لساحة المعلب، تحت أنظار الشرطة، والخبر المفاجئ والكاذب في الإذاعة السوريَّة، وإطلاق الرصاص على المتظاهرين بشكل عشوائي، (إصابات الضحايا كانت في الصدر والرأس)، وحجم التعتيم والتشويه الإعلامي للحدث، وإظهاره على انه من منعكسات الاحتلال الأمريكي للعراق، لأنه غذَّى الشعور القومي لدى الأكراد...الخ، كل هذه المعطيات، تشير إلى أن استجلاب جمهور بهذا الحجم، من مدينة دير الزور، (المعروف عنها كما يصور النظام أن عشائرها مقسَّمون على طرفي الحدود العراقيَّة- السوريَّة، وميَّالون لنظام بعث العراق، أكثر من بعث سورية، نتيجة صلة القربى)، يناصبون الأحقاد للأكراد كما يصور النظام، ويتهمونهم أنهم وراء سقوط نظام صدَّام حسين...، بأن تلك الأزمة لم تكن صدفة، بل كانت مدبَّرة. وغالب الظنّ، يشير إلى أن جهات في السلطة السوريَّة متورِّطة في افتعالها، لإرسال رزمة رسائل عاجلة، منها:
1. إرسال رسالة دمويَّة لأكراد سورية، بأنهم لا يمكنهم أن يحلموا بأنه قد ينوبهم من الطيّب العراقي، ما ناب أكراد العراق.
2. رسالة للعرب والعالم، إن احتلال العراق سيثير حروباً قوميَّة وعرقيَّة خامدة تحت الرماد.
3. إن سورية مستهدفة من الشمال والجنوب والشرق، لذا، ينبغي مآزرتها.

تمَّ افتعال تلك الأزمة، لكن يبدو أنه لم يكن في الحسبان أن ردَّ فعل أكراد سورية ستتجه نحو الانتفاض الذي شمل كافة مناطق تواجد الأكراد، مروراً بحلب وانتهاءً بدمشق. وقد انتقمت سورية من أكرادها على مرحلتين، الأولى اثناء انتفاضة 12 آذار، والثانيَّة بعدها. وما مظاهر تنشيف المناطق الكرديَّة، وتحريمها من أيَّة مشاريع تنمويَّة اقتصاديَّة، والحصار الاقتصادي والخدمي عليها، وتغذية الانحراف الخلقي بين الشباب الكردي، واستهداف هذه الشريحة، عبر الترويج للمخدرات، إلى درجة أن النظام، بات يستخدم حتى الجنس بين طلبة الجامعات، عبر دسّ "بنات المخابرات" بين الشباب الكردي الجامعي، بغية التسرُّب بين الشباب الكردي، ولمعرفة ما يجول ويجري بينهم. وهنا، تمارس الفتيات الجنس مع هؤلاء الشباب، بغية استدراجهم للفخاخ الأمنيَّة، بشكل مباشر أو بغيره. وذلك، بادّعائهنَ في البداية، أنهنَّ من أنصار الأكراد وحقوقهم. بالإضافة إلى حملات الاعتقال للنشطاء السياسيين والحقوقيين، وإصدار المراسيم (49)، والتقارير والتوجيهات الأمنيَّة المتتالية، وآخرها، منع تشغيل الأكراد المجردين من الجنسيّة في المرافق والشركات الخاصَّة أيضاً، تحت طائلة الغرامة والعقوبة. كل ذلك، وصولاً لتفريغ المناطق الكرديّة من العنصر الكردي، وضخّ العنصر العربي إليها، عبر تحفيز الهجرة الكرديَّة إلى المدن الداخليَّة، أو خارج البلاد، في مسعى إجبار الأكراد المجرّدين من الجنسيّة للهرب من البلاد، وإحداث تغيير ديموغرافي في المناطق الكرديّة. وهذه الممارسات العنصريَّة، وغيرها من المظاهر، تشير إلى أن انتقام السلطة السورية من الأكراد، على خلفيّة انتفاضة 12 آذار 2004، متسمرّ، أمام أنظار ومسامع الحركة الكرديَّة السوريَّة.

ماذا بقي منها؟
أطاحت انتفاضة 12 آذار بثقافة الخوف التي سعى النظام زرعها على مدى أربعة عقود، وفتحت صفحة جديدة في مسار التجربة النضاليَّة الكرديَّة في سورية. بحيث غدت هذه الانتفاضة نقطة علاَّم مركزيَّة، تقاس بها هذه التجربة، على نحو: قبل انتفاضة 12 آذار، وبعد انتفاضة 12 آذار. كما أكدت هذه الانتفاضة، حجم التواصل والتلاحم والتناغم القومي للشعب الكرديّ في كل مكان. وأظهرت الانتفاضة هشاشة الحركة السياسيَّة الكرديَّة في سورية أمام ضغوط السلطة، لجهة عجزها عن استثمار تضحيات الانتفاضة (30 شهيد، عشرات الجرحى، آلاف المعتقلين، وبعض المفقودين، وحملات السلب والنهب التي اشترك فيها بعض العناصر بتغطية من السلطات، حيث نهبت في مدينة الحسكة وحدها حوالي 69 محل تجاري ومنزل كردي...)، وتحويل معطيات الانتفاضة وآلام الناس إلى نتائج سياسيَّة، محليَّاً وإقليميَّاً ودوليَّاً، مثلما سعى اللبنانيون. بل عاضدت الأحزاب الكرديّة مساعي السلطة بشكل غير مباشر، وبذلت قصارى جهدها لتبرئة ذمَّتها من هذه الانتفاضة، علَّ السلطات السوريَّة تدخل في حوار ندِّي ومباشر معها، فخسرت الحركة الكرديَّة انتفاضة 12 آذار، وربحت السلطة في تفريغ الانتفاضة من شحنتها السياسيَّة. استفادت السلطة من هذه الانتفاضة لجهة معرفة نقاط الضعف والخلل في سياساتها الرامية لقمع وصهر الأكراد السوريين، وصعَّدت من وتيرة سياساتها تلك، عبر تلافي نقاط الضعف. لكن الحركة الكرديَّة السوريَّة، لا زالت تتفرَّج على أكرادها وكيف يقمعون ويهمَّشون، وكيف أن المناطق الكرديَّة شمال شرق سورية، تستهدف اقتصاديَّاً، وكيف أن الكرديَّ هنا، بات في حيرةٍ من أمرهِ، كيف يؤمِّن رغيف الخبز لعياله، رغم أن مناطقه هي عصب الاقتصاد السوري (نفط، قمح، شعير، قطن، زيتون!). من المؤسف القول: إنه لم يبقَ من انتفاضة 12 آذار، إلا ذاكرة داميَّة، وجراح تزداد اتساعاً وتقيُّحاً، وعطباً سياسيَّاً كرديَّاً مزمناً. والمتبقِّي من هذه الانتفاضة، هو ذكراها التي اتخذته الأحزاب السياسيَّة الكرديَّة كفلكلور سياسي، ومناسبة أضافوها لمناسباتهم الغزيرة، التي يلجأون فيها إلى إصدار البيانات، وممارسة بعض الطقوس الاحتفاليَّة كإشعال الشموع، وزيارة مقابر الشهداء. حتى أن بعض التيارات الكرديَّة باتت تبخس تضحيات هذه الانتفاضة حقَّها في هذه الطقوس أيضاً!. ما تبقى من هذه الانتفاضة، هو صور أليمة، ومرارة شديدة تعتمل القلوب والنفوس والعقول، يستحضرها المثقف والكاتب والصحفي الكردي هنا وهناك، أيضاً، كفلكلور ثقافي، لا مناص من الكتابة عنه. وقد يخلص به المطاف إلى نتيجة مفادها: إنه كان ينبغي على انتفاضة 12 آذار في 2004 أن تكون على الحركة السياسيَّة الكرديَّة السوريَّة، وليس على السلطات السوريَّة. خاصّة، حين يرى زعيماً كرديّاً سوريّاً، لا زال يسعى نفي صفة الانتفاضة من على أحداث 12 آذار، بحجَّة؛ "كيف لنا أن نصف مخطط استهدف الأكراد، بالانتفاضة؟". وينسى الزعيم الجليل، أن الوصف الانتفاضي، هو تابع لردّة فعل الأكراد على ذلك المخطط، وليس الوصف بحقّ المخطط نفسه!. حزب كرديٌّ عتيدٌ آخر، لم يتجرأ، على إطلاق صفة الانتفاضة على هذه الهبَّة الجماهيريَّة العارمة، إلا بعد مضي 4 أعوام من الحدث!. ليس هذا وحسب، بل كان ذلك في مؤتمره، وأخضع هذا الوصف، للاقتراع والتصويت!. لم يبقى من الانتفاضة، غير الكلام عن الانتفاضة، الذي نقوله ونعيده، ونكرره ونزيده، في كل عام. والمفارقة، أن الكثير الأحزاب الكرديّة، ممن تبرّؤا من الانتفاضة، في لحظتها، وحالوا اتهام آخرين بـ"ارتكابها"، هم الآن، يزعمون أنهم أصحابها الأوّلون، لا زيدٌ أو عمرو!!.
وكانت هذه الانتفاضة الدافع المحفز للأكراد للمشاركة في الثورة السورية الحالية التي انطلقت في 15 آذار 2011 وما يزالون ماضين في دربها ويقدمون التضحيات للوصول بسوريا إلى الحرية والكرامة لكل السوريين بكافة اطيافهم.
نيوز سنتر






روج افا نيوز -هوشنك أوسي

http://www.scn-sy.com/ar/news/print_news/4567