ثقافة وفنفن

الفنان الخطاط “محمد عماد محوك”: أجمل اللوحات تلك التي مزج حبرها بالدمع

حرضته رائحة البن فحكى على غير عادته، وغرق بالذكريات فتورط بالبوح بها، عن عشقه المفرط للخط الكوفي ولحلب وقلعتها، وأسواقها القديمة ورائحتها، إلى صمته الطويل وبكائه أمام آية قرآنية انتهى تواً من كتابتها، عن حزنه الكبير للخراب الذي نحن فيه، بمقهى حلبي في إحدى أحياء إسطنبول، روى لزيتون حكاية الخط في حياته.


للشروع باللوحة شرط أساسي لدى الخطاط “محمد عماد محوك” فهي تتطلب الخلو والانفراد بنفسه، ومن المهم أن يكون الحيز المكاني مستقلاً ومغلقاً أياً كان هذا الحيز، إذ لا يهم اتساعه، فاللوحة هي شرفته وحيزه وفضاؤه، ولم تكن الغرفة التي عمل بها في جامع السلطانية الأيوبي في حلب القديمة مقابل القلعة تتسع ليتمدد في عرضها، ورغم ذلك كان يشعر بالراحة والحرية المطلقة حين يغلق بابها عليه، ورغم السنوات الطويلة التي مرت على عمله بالخط، ما تزال هذه العادة حاضرة لديه.


ومن هنا فإن أي مقاطعة له -لا سيما في بداية شروعه بالعمل- تقضي على إمكانية متابعة اللوحة، فالطارئ له فعل العزول بين المحبين ويزيل ذلك الانسجام الداخلي الذي هيأه الفنان، لأن اللوحة ليست وظيفة أو عمل، ولا هي اعتياد، إنما هي نوع من العبادة والحب، يجب التحضر له والاستعداد لكي تكون البداية صحيحة، ولا للحرف لديه تكراراً متقنا لشكل ثابت، بل إن كل جزء من الحرف هو اختزال لحياة ما، فحتى الصلاة لا يصليها خمس مرات لكي لا يجردها من الروح.


عشب بري 
بلا معلم، وبصبر الاقتداء بكل ما وقعت عليه عيناه من خطوط من سبقوه، أتقن القواعد لينطلق منها إلى سمائه الخاصة في الإبداع، ويبدو أن عدم اتباعه لأستاذ معين أعطاه الحرية لشق طريقه الخاص، وخلصه من سلطة المعلم، ذلك ما يورده الكاتب صخر الحاج حسين في مقالة له في صحيفة السفير على لسان أستاذ الخط العربي في اسطنبول “نهاد جتين” حين اطلع على أعمال محمد عماد قائلاً له: «لقد اخترت أن تتعلم بالطريقة الأصعب. أنت كعشب بري ينمو من صخرة في بيئة قاسية”.
ويضيف محمد عماد في ذات المقالة “لا يحتاج المرء سوى للمحة على السير الذاتية للخطاطين الكبار ليتأكد بأنهم يشكلون جزءاً ثابتاً من سلسلة طويلة من اكتساب المعرفة. وبوصفهم طلاباً عليهم أن يمارسوا التقليد، وفقط بعد إكمال تلك الدراسات يتمكنون من الولوج إلى مرتبة المحترفين أو الأساتذة. إن الخط بالإضافة إلى كونه تمريناً روحياً، هو محاكاة للخلق، وعلم دقيق من الأشكال الهندسية والإيقاعات. 


يقول عن أولى انطباعاته عن الخط:
– كان أبي موظفاً بسيطاً، لكنه صافٍ وجميل، لم يكن خطاطاً، لكنه كان ملكاً حين يكتب، وكنت تراني أقف مذهولاً وأنا أراقبه، فقد كان يتعامل مع الحرف بقدسية ومحبة، أورثني إياهما منذ الصغر، كما كان أستاذي في الصف الأول ذا خط جميل، وأذكر أنني في ذلك الحين وأنا أتعلم على ألف باء الكتابة، كتبت له حرف الواو فقال لي الأستاذ “واوك جميل جداً” رافقتني هذه الجملة خمسين عاماً.
بعد “واوه الناجحة” وفي المرحلة الإعدادية، لم يسعى محمد عماد ليتعلم القواعد، بل مارس الخط كقضية شغف وعفوية، كشرب القهوة والماء، لتتحول اليوم إلى منقذ وخلاص، يهرب إليها، حتى أنه قلما ينجو من علاقة بينه وبين اللوحة، بل غالباً ما تتحول إلى جزء منه وتحمل بعضه، وهو ما يرهقه في بيع اللوحات.


ومن هنا فإن أي مقاطعة له -لا سيما في بداية شروعه بالعمل- تقضي على إمكانية متابعة اللوحة، فالطارئ له فعل العزول بين المحبين ويزيل ذلك الانسجام الداخلي الذي هيأه الفنان، لأن اللوحة ليست وظيفة أو عمل، ولا هي اعتياد، إنما هي نوع من العبادة والحب، يجب التحضر له والاستعداد لكي تكون البداية صحيحة، ولا للحرف لديه تكراراً متقنا لشكل ثابت، بل إن كل جزء من الحرف هو اختزال لحياة ما، فحتى الصلاة لا يصليها خمس مرات لكي لا يجردها من الروح.


عن معرضه الذي أقامه في إسطنبول يروي محمد عماد: كنت ترى في وجوه الناس ردة فعلهم، فلكل لوحة قصة، وفي كل لوحة حياة، وإن لم تحوز اللوحة على جزء منك فما هي بلوحة، أنت لا تخطط ما ستكون عليه لوحتك المقبلة، أنت تفكر فيها، وتعرضها للوقت، حتى تنضج وتختمر بقلبك لأيام، لتحضر طوعاً بعدها بكامل حلتها بلا تخطيط، وحين أنتهي لا أستطيع أن أضيف لها نقطة ما، كما لا أستطيع أن أنقص منها نقطة ما، وهو ما أعاني منه حين يُطلب مني أن أضيف أو أحذف، هكذا جاءت ولا يمكن تغييرها، فلا تقل لي لماذا؟، فحين يحكم الصدق صنع اللوحة لا يمكن مناقشتها.


يحلم محمد عماد في تجسيد الخط العربي بأربعين لوحة تمثل حجارة قلعة حلب، تطوف العواصم العالمية، كسفيرات عن السوريين، في إشارة إلى أن السوري صاحب حضارة ورسالة، أضاف سابقاً وما زال قادراً على أن يضيف قيماً وفناً انسانياً محضاً، إذ ما يزال محمد عماد يجيب على من يسأله متى تعلمت الخط؟ بأنه تعلمه منذ أربعة ألاف سنة، وجَدُه هو من اخترع الكتابة.


“الجمال والإبداع لا يمكن أن يعلب أو يقونن”، هذا ما يؤمن به محمد عماد، وهو ما دفعه إلى تجاوز قواعد الخط الكلاسيكي رغم اتقانه لها، فللإبداع توازنات تخرج عن إمكانية ضبطها، ورغم بدئه من القواعد إلا أنه اتخذ فضاءه الخاص، فالألف في القاعدة سبع نقاط، لكنه في لحظة ما قد يجعلها اثنتا عشرة نقطة، ويرى أن القواعد والقوانين تأتي في محاولةٍ لأسر وإلقاء القبض على لحظة الإبداع، أيا يكن فالفن سابق للقواعد، كما سبق الشعر البحور، وكما سبقت النظرية البراهين في الرياضيات، إذ يأتي العمل أولاً ثم توضع القوانين.


درس محمد عماد الرياضيات التي ساعدته كثيراً في صنع هويته الفنية، ففضاءها وصدقها انعكس على حروفه وخياله، وهي أيضاً كالفن تحتاج إلى الحرية، لا يمكنك أن تكون فناناً في الأسر، تحتاج إلى فضائك وجوِّك الخاص لتضيف شيئاً.


عن الجداريات يقول محمد عماد، في سوريا كانت الجدارية في جامع عبد الله ابن عباس بطول عشرين متراً، وبعرض متر وربع، وكان هناك مجسمات تشبه الجداريات كمجسم “حلب عاصمة الثقافة الإسلامية”، المجسم الذي صار وسماً لحلب، إلا أن كل مساحة فارغة على حائط هي استفزاز لي، إذ انشغل بتصميم لوحة تكون بذلك الحجم.


مشهور بالغربة وغريب في الوطن
محمد عماد محوك الذي غادر حلب لعامين في رحلة عمل إلى السعودية لكتابة نسخة من القرآن، سرعان ما عاد إلى حلب وحجارة قلعتها وجوامعها وأسواقها ورائحة الصابون والزعتر الحلبي، مؤثراً إياها على رفاهية الغربة.
لم يسعى لتسويق نفسه، لكنه يئس من تهميش لوحاته في بلده، هو معروف في الدوحة والرياض أكثر مما هو معروف في حلب، حلب التي سكنته، لم تعطه الفرصة والحرية، ومعرضه الوحيد الذي أقامه فيها عام 1997 ندم عليه، قائلاً عنه: “كان حجم الأمية محبطاً”.


في سوريا كان يُحسب الخطاط على التنظيمات الإسلامية لارتباط الخط بالنصوص القرآنية، لذا لم يكن مسموح العمل على الجداريات، متناسين روحانية هذا الحرف وأساسه وأبعاده، يقول محمد عماد: “لم يُسأل بيكاسو إن كان كاثوليكياً أم بروتستانتينياً، الفن لا يحسب على الدين”، فأثناء كتابته لنص قرآني وغوصه وتبحره في المعنى الخفي خلف الحرف، تخنقه آيات وتشرح صدره آيات أخرى، دون معرفة السبب.


يصف الكاتب الصحفي والمسرحي “بشار فستق” تجربة الخطاطين بشكل عام وصديقه محمد بشكل خاص بقوله: “لقد عمل الخطّاطون بصمت بعيداً عن الأضواء، واجتهدوا، دون أن يتلقّوا أيّ تشجيع، وربّما العكس، فقد كان منهم من يخاف عندما يشترك في مسابقة دوليّة، أن يتعرّض للسين والجيم، وربّما أكثر”.


ويضيف “فستق”: “تفتح الصالات والمعارض أبوابها للخطّاطين السوريّين في العالم، بينما كانت تُغلق الأبواب في وجوههم في بلدهم، ويعرف المشاهدون في الخارج فنّهم، ولا يعرفه أبناء بلدهم.

يعيش معظم الخطّاطين السوريّين خارج أرضهم، ومنهم الخطّاط الحلبيّ محمّد عماد محُّوك، الذي يعيش اليوم في إستانبول، وتحتفل به وبأعماله الأوساط الفنّيّة في عواصم الفنّ العالميّة، وقد واكب الثورة السوريّة منذ لحظاتها الأولى، وأبدع لوحات خطّية عن الحريّة وعن الشعب وضدّ الظلم، وما زال يبدع كغيره من الفنّانين المؤمنين بالثورة وانتصارها على الاستبداد”.


للفن والأصدقاء أولوية
في حمى إخلاصه لعشقه يروي محمد عماد كيف أنه حين نصحه صديقه “بشار فستق” بقراءة رواية “الإخوة كارامازوف”، وكان حينها بفترة امتحانات، خسر عاماً دراسياً وهو مستغرق في قراءتها، كما حدث أن فضَّل في حادثة أخرى حضور معرض فني في مقهى الجامعة على حضور امتحانه، في حالة ينتفي فيها المنطق لتحل مكانه أولويات الشغف.


ويعتبر محمد عماد أن الخط مثل اللون ومثل الشعر ومثل الموسيقا يجب أن يكتب بصدق مع المعنى، تسمع الكثير من الشعراء لكن قلة منهم من يبكيك، الفارق بينهم هو الصدق الذي كتبت به تلك الكلمات، حين طلب إليه صديقه الشاعر “عبد السلام حلوم” أن يصمم له غلاف ديوانه “أما قبل” أرسل له بعضاً من القصائد، كان مطلع إحداها “لا أعرف لماذا الآن أرثيك يا أبي”، بكى في تلك الليلة، وما زال يعجز حتى اليوم عن إكمالها كما يقول.


ويرجع محمد عماد سبب ذلك كونه الصبي الوحيد في الأسرة، ما اضطره لكي يفرد مساحة واسعة في حياته للأصدقاء مع أقرانه في الحي والدراسة.


يقضي محمد عماد ساعات طويلة ماشياً في شوارع اسطنبول باحثاً عن أصدقائه الذين لهم في حياته دور كبير، وحين لا يجدهم يذكر أمه وهي توصيه بقراءة سورة الضحى عندما يفقد شيء ما ، يقرأ محوك الضحى ولكنه لا يجد أحداً.


لوحات مكثفة، وتفاصيل لا متناهية كتبت بالدموع
أمام لوحة خط عليها اسم حلب لا توحي إلا بالبكاء، قال محمد عماد أنه قد مدد حبرها بدموعه إثر دمار مدينته، ومن على ضفتي الألم والحرية، يرى أن هذا الدمار لا بد منه، بعد سنوات الخنوع الطويلة، اللوحة التي تستمد كلماتها من التراث الحلبي، تتداخل حروفها كتداخل الدمع والدم، وتنضح بالعويل والبكاء، وتجسد الدمار والخسارة التي لحقت بتلك المدينة.في لوحة الإخلاص يقول محمد عماد: “سطر واحد من سورة الإخلاص، كتبت منه 11 متراً بعرض 17 سم، كنت أعمل على أجزاء منها، لا يتجاوز طول الجزء 30سم، كنت أغرق في كل جزء، وأشعر به كوناَ كاملاَ، أضيع في تفاصيله، وأنسى المساحات والمسافات، وحتى الزمن، لم أكن أعرف كم كان منجزاً، كما لم أكن أعرف كم بقي منها، كانت المساحة سماوية فعلاً، كنت قبل البدء بها قد اتخذت قراري بتحديد نوع الخط، لأكتشف في نهاية المطاف، أن الأمر فاق كل تخيل، جلست إثر انتهائها أبكي، أنا لا أعرف شيئاً عن الخط، هو بحر أكبر مني بكثير، ماذا يمكن أن آخذ منه، أنا عاجز حتى عن الأخذ، في جامع السلطانية وصلت إلى مرحلة تكسير القصبات بعد أن انتهيت، فأنا لست خطاطاً”.


لوحة القدس، كتبت بكل الألوان وبكل الأطياف، وبكل الأديان، تم رسمها أثناء حرب غزة دعماً للقضية الفلسطينية، على صورة الشماخ العربي رمزاً لمكانة القدس على رؤوس العرب، لم يتم دعم مشروعه في تحويلها إلى عمل فني يذهب ريعه إلى الفلسطينيين، في اللوحة تفاصيل دقيقة جدا لا تلحظها العين من النظرة الأولى، بل تحتاج إلى عين خبير متفحص كي يكتشف مدى الجهد والإبداع المكون لها.


أمام لوحة خط عليها اسم حلب لا توحي إلا بالبكاء، قال محمد عماد أنه قد مدد حبرها بدموعه إثر دمار مدينته، ومن على ضفتي الألم والحرية، يرى أن هذا الدمار لا بد منه، بعد سنوات الخنوع الطويلة، اللوحة التي تستمد كلماتها من التراث الحلبي، تتداخل حروفها كتداخل الدمع والدم، وتنضح بالعويل والبكاء، وتجسد الدمار والخسارة التي لحقت بتلك المدينة.في لوحة الإخلاص يقول محمد عماد: “سطر واحد من سورة الإخلاص، كتبت منه 11 متراً بعرض 17 سم، كنت أعمل على أجزاء منها، لا يتجاوز طول الجزء 30سم، كنت أغرق في كل جزء، وأشعر به كوناَ كاملاَ، أضيع في تفاصيله، وأنسى المساحات والمسافات، وحتى الزمن، لم أكن أعرف كم كان منجزاً، كما لم أكن أعرف كم بقي منها، كانت المساحة سماوية فعلاً، كنت قبل البدء بها قد اتخذت قراري بتحديد نوع الخط، لأكتشف في نهاية المطاف، أن الأمر فاق كل تخيل، جلست إثر انتهائها أبكي، أنا لا أعرف شيئاً عن الخط، هو بحر أكبر مني بكثير، ماذا يمكن أن آخذ منه، أنا عاجز حتى عن الأخذ، في جامع السلطانية وصلت إلى مرحلة تكسير القصبات بعد أن انتهيت، فأنا لست خطاطاً”.


لوحة القدس، كتبت بكل الألوان وبكل الأطياف، وبكل الأديان، تم رسمها أثناء حرب غزة دعماً للقضية الفلسطينية، على صورة الشماخ العربي رمزاً لمكانة القدس على رؤوس العرب، لم يتم دعم مشروعه في تحويلها إلى عمل فني يذهب ريعه إلى الفلسطينيين، في اللوحة تفاصيل دقيقة جدا لا تلحظها العين من النظرة الأولى، بل تحتاج إلى عين خبير متفحص كي يكتشف مدى الجهد والإبداع المكون لها.


لوحة “فسيكفيكمه الله” حين انتهى منها، كانت المحبرة قد جفت تماماً، في هذه اللوحة يتجسد الانسجام الكامل ما بين اليد والقلم والنص، من روح النص إلى روح الكاتب عبر القصبة، رعاية الكاتب لحروف الله ورعاية الله للكاتب، في صوفية فاتنة، تصل للناظر وتؤثر فيه.


الحرية، واحدة من أكثر لوحاته زخماً وتكثيفاً لفكر محوك، فيها يقف الشعب السوري بكل مكوناته الملونة بلونه الأسود ما قبل الثورة، في تلميح لنظام القمع، وترتفع ألف ولام الحرية كقضبان سجن على هذه المكونات، لتحل بعدها الحرية الحمراء وتحررهم من سوادهم، ليأخذ كل مكون منهم لونه وفرادته، لوحة بألف مشهد وبألف كلمة.


*عماد الدين محوك، من مواليد مدينة حلب 1959، خريج جامعة حلب كلية العلوم قسم الفيزياء، حائز على دبلوم بترميم المخطوطات من مكتبة السليمانية بإسطنبول 1990، عمل بمدينة حلب في جامع السلطانية ومكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض، ويعمل حالياً في منزله بإسطنبول، قام بترميم العديد من المخطوطات والمصاحف القديمة، حصل على جائزة في الخط الجلي فارسي بمسابقة الخط العربي من اسطنبول.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: