أراءمقالات رأي

ماذا أراد منتج فيلم الساعات الأخيرة؟

بقلم: ياسر عبد العزيز

تفنن المصري القديم في تعظيم الماضي وتهيئة سبل تذكره وبرع في سبيل ذلك في صناعة التذكارات، فكانت المعابد الجنائزية والمقابر المهيبة التي وضعت في بنائها رمزيات يجتر بها المصري ذلك الماضي، فالمقابر وضعت في غرب النيل، حتى إذا ما غربت الشمس تذكر مفقوديه، وفي سبيل تشيع المفقودين وضعت ترانيم ورقصات وطقوس، وزادوا في ذلك بما أبهر العالم حتى الساعة، فاخترعوا علم التحنيط، ليبقى الماضي حاضرا بين أعينهم.

هذا الانطباع الذي أخذته وأنا أشاهد فيلم “الساعات الأخيرة” الذي عرض على قناة الجزيرة. هذا الفيلم الذي بشرت به القناة لأيام، مشوقة مشاهديها لسماع الساعات الأخيرة من عمر أول وآخر تجربة ديمقراطية في تاريخ مصر، حتى الآن، ليروا ما خفي عليهم ويسمعوا من شاهد عيان ما ظل سرا حتى خروج هذا الفيلم إلى العلن، فالشاهد الوحيد في الفيلم كان حاضرا تلك الساعات، وقبض عليه فيمن قبض مع الرئيس، ليخرج تحت ضغط غربي ويهرب إلى حيث ضغط الحكومة التي يحمل جنسيتها.

وإن كانت المآخذ الفنية على الفيلم كثيرة، إلا أن المآخذ الأكبر هي تلك الرسالة التي أراد منتج الفيلم توصيلها وتوقيت إيصال تلك الرسالة، وقد يرى البعض أن توقيت الفيلم لا معنى له، إذ في الغالب ما تعرض مثل تلك الأفلام في ذكرى الثورة أو الانقلاب، لكن الفيلم عرض جاء في توقيت بعيد عن اي مناسبة، والتوقيت في عرض الفيلم له دلالات مهمة في وقت تعيش فيه مخاض ولادة تعديلات دستورية ترسخ للدكتاتورية، وترسيم قائد الانقلاب رئيسا مدى الحياة، وكأنه المسمار الأخير في نعش الثورة، وذروة سنام الانقلاب وتتويج لجهود الثورة المضادة، وهو التوقيت الذي صاحبه القتل المتعمد بعباءة القانون المخطوف من دولة الانقلاب لأطهر شباب (في مصر) بإعدامات بلغت الخمسة عشر خلال شهر.

هذا التوقيت الذي تحتاج فيه مصر لجهود كل مخلص لإزالة ذلك الكابوس الذي يجثم على قلب الوطن منذ ست سنوات، وهي المحاولات التي يناضل فيها شركاء الثورة الوصول إليها لولا الضربات المتتالية من المزايدين أو من النظام نفسه، أو حتى من جيل الحنين إلى الماضي واجتراره الذي خص به المصري نفسه دون غيره من البشر.

فعلى الرغم من خروج بطل الفيلم في موقع الجزيرة لتبرأت نفسه بحجة أن منتج الفيلم اجتزأ شهادته وشوهها، إلا أن بطل الفيلم لا يمكن أن يعفى من تلك الرسائل السلبية التي أصدرها خلال شهاداته، وأشير هنا إلى بعض المواقف.

فضغط بطل الفيلم والذي أبرزه المنتج على نقطة الخداع الاستراتيجي لقائد الانقلاب يظهر الرئيس بمظهر الساذج غير المدرك لحقائق الأمور، وغير المستمع لأصوات مؤيديه، أو على الأقل مؤيدي الثورة، الذين بحت أصواتهم للتنبيه مما يفعله قائد الانقلاب، وما كان حازم صلاح أبو إسماعيل إلا نذيرا عريانا في دولة الإلهاء التي سيطر عليها العسكر، وهو ما يرسخ فكرة أن القوي الحاذق الماكر عليه أن يحكم، وهو ما يعني أن المجلس العسكري أحق بالحكم، بما أنه غلب.

الفيلم صور الساعات الأخيرة، بشهادة بطله، على أن الرئيس لم يكن حازما ولا حاسم في اللحظات التي وجب فيها الحسم، ففي الموقف الذي رواه بطل الفيلم عن اللحظات التي تلت بيان المجلس العسكري والذي حدد فيه المهلة، كان ظهر الرئيس على أنه مرتعش اليد مع وزير دفاعه، ولم يتخذ الإجراء الواجب في هذه اللحظة، وهو إقالته بل واحتجازه، بتدبير محكم كما فعل مع سلفه ورئيس أركانه، وفي السياق يأتي مشهد القبض على الرئيس ثم السماح له ومن معه بالصلاة، فيتأخر الرئيس عن الإمامة، وهو ما فسره بطل الفيلم على أنها كانت رسالة من الرئيس نفسه بأن الأمر قد انتهى، وهي أيضا رسالة لنا بالاستسلام، ويرفع بطل الفيلم من سخونة مشهد الاستسلام ويرسخه برواية أكثر جنونا، حين روى عن الرئيس أنه صباح تلك الليلة قال لهم أنها أول ليلة ينام فيها قرير العين، وكأن الرئيس أخذ بنصيحة كمال الشاذلي بالابتعاد عن السياسة، حين قال له الشاذلي (السياسة نجاسة وخليكوا انتو في الطهارة وسيبولنا النجاسة).

ولم تكن تلك الرسائل السلبية عن الرئيس كافية لضرب أي حراك ممكن في تلك الظروف التي تعيشها مصر، بل لعب المنتج وبطله على شق الصف باجترار الماضي وتحميل طرف، أؤمن أنه مسئول بشكل كبير عن ما حدث، بأنه من أوصل الحال إلى ما وصلنا إليه، وأن على الجميع عدم نسيان ذلك، وعليهم أن يجلدوه ليل نهار على فعلته أو أن يقولوا لهم، كما قيل لبني إسرائيل، اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم، في وقت يحاول الجميع تجاوز الماضي لأن هؤلاء أيضا خدعوا كما خدع الرئيس وأنصاره.

إظهار الرئيس على أنه ضعيف وترسيخ فكرة أن من حكموا مصر لم يكونوا يعرفون في السياسة وسهل خداعهم والتهوين من الرئيس البطل الصابر الصامد، والذي يستلهم من صموده الثوار قوتهم وصمودهم، ذلك الرئيس الذي قال: “إن الشرعية الثورية دونها رقبتي”، لا يستحق أبدا أن يصور على هذا النحو، حتى ولو رأى الصف الثوري أن لا مكان له في المستقبل، فأظنه لن يعترض، طالما أن الأمر فيه صالح الثورة، وشق الصف الذي يناضل المخلصون للملمة شتاته منذ سنوات، هي ضربة محسوبة لحساب الانقلاب والثورة المضادة، فالأحداث والحقائق تدفع الكل للاصطفاف والاتحاد لإنقاذ مصر بحق مما هي فيه، لا تلتفتوا لمن يعيق مساركم الثوري وانتبهوا لأغراضه الخبيثة واصطفوا يرحمكم الله.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: