أراء

ماهر شرف الدين: دراما جرَّة الغاز: الدراما الفاشيَّة..


فنانو سوريا، الذين لم تنجح كلّ مآسي المخيّمات بإنطاقهم، نجح فقدان مادَّتَي الغاز والمازوت في السوق السورية بإخراجهم عن طورهم وملء الفضاء الالكتروني بمناشير غضبهم.

بقلم: ماهر شرف الدين

ما فشلت مأساةُ وطنٍ بصنعه، نجحت به جرَّة غاز.


فنانون، بعضهم ناصر نظام الأسد بصوتٍ جَهْوريّ، وبعضهم ناصره بصوتٍ خفيض، وبعضهم قرَّر إدارة الظَّهر لكلّ ما يجري في سوريا كي لا يخسر رصيده الشعبي لدى أيّ فئة، ارتفع صوتهم فجأةً، وبما يشبه الأوركسترا، للاحتجاج على غياب موادّ التدفئة في هذا الشتاء القارس.


الصور المنشورة لأطفال سوريين قضوا من شدَّة البرد في مخيَّمات لبنان لم تُسيِّلْ قرائحهم لكتابة كلمة تعاطف واحدة. صورة الأب الذي حمل جثَّة ابنه المتجمّدة أشاحوا بنظرهم عنها. صورة الطفل المشرّد والمتجمّد إلى جانب الرصيف والتي “تشلع” القلب لم تلمسْ قلوبهم.


حسّهم الإنساني يتحرَّك، فقط، مع البشر الذين يعيشون داخل جدران إسمنية وتحت سقوف إسمنتية. أما سكَّان خيام النايلون والشوادر البالية فهؤلاء خارج حساباتهم الإنسانية.


اختصاصهم البرد داخل الجدران، أما البرد في العراء فلا يدخل ضمن اهتماماتهم.
في المعنى العميق للمشهد، هؤلاء الفنانون يمارسون “تطهيراً” إنسانياً موازياً للتطهير الجسدي الذي مارسه نظامهم. إنهم -ودون وخزة ضمير- يشطبون آلام معارضي النظام من الوجود. إنهم لا يعتبرون ألم المعارض ألماً يستحقّ الاعتراف به، بل لا يعتبرون مأساة المعارض مأساةً أصلاً. فالمعارضون، وبكلّ بساطة، غير موجودين في عالمهم.
إنَّ اختيارهم لبشار الأسد ليكون موضوع مناشداتهم هو في حدّ ذاته عملية “تطهير” إنسانيّ ضدّ السوريين المعارضين وأوجاعهم. إنَّ اختيار صانع المأساة لوضعه في مكان القدّيسين ومناشدته لتحقيق العدالة لـ”السوريين”، يعني بأنَّ هؤلاء الفنانين قد نزعوا الجنسية السورية من كلّ معارض للنظام!


أيمن زيدان الذي احتكر لنفسه كل ّالأدوار الأخلاقية في الدراما (حتى حين اختار تمثيل دور المدير العام فقد كان المدير الشريف والعصامي الذي يكافح الفساد)، اختار في الواقع أدواراً نقيضةً بعد اندلاع الثورة.
وشكران مرتجى التي اشتُهرت بتمثيل دور الفتاة القبيحة في الدراما السورية، أجرت الكثير من عمليات التجميل لوجهها في السنوات الأخيرة، ناسيةً القيام بمثل تلك العمليات لتحسين فهمها لمعنى الفنان ودوره الحقيقي.
أمَّا بشار إسماعيل، الذي لم يخجل من تحوُّله إلى بوق تحريض صريح لخدمة جيش الأسد، فقد أعلن بأنَّ البرد قد دقَّ بابه وأفهمه بأن الحقّ على “المسؤولين” (الذين ليس من بينهم طبعاً “الرئيس” الذي تتمّ مناشدته).
وفي حمَّى هذه الدراما البائسة حول غياب جرَّة الغاز، اندفعت ديمة قندلفت للإدلاء بدلوها الذهبيّ المعلَّق ببئر زوجها وزير الاقتصاد السوري السابق همام الجزائري الذي شهد الاقتصاد السوري أثناء توزيره (2014 – 2016) أعلى درجات الفساد والنهب.
***


دراما جديدة موازية يصنعها نجوم الدراما السورية هذه الأيام. دراما فاشيَّة قوامها “التطهير” الإنساني ضدّ معارضي النظام وآلامهم. دراما تشطب مأساة السوري المعارض من الوجود. دراما لا تعتبر ألم السوري المعارض ألماً، بل لا تعتبر الارتعاش داخل الخيمة جديراً بالكتابة مثل الارتعاش داخل المنزل.

بواسطة
ماهر شرف الدين
المصدر
زمان الوصل

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: