ثقافة وفن

“شهد المقابر”.. سردية المأساة السورية

حمم من غضب وصرخات ألم وشذرات من ذاكرة فردية وجماعية تشهد يوميات قيامة معلنة، تتضافر في قالب سردي لتحكي عبث المأساة السورية وهولها في رواية “شهد المقابر” للكاتب السوري الشاب محمد المير غالب.

في روايته الأولى، تتكشف طراوة تجربة أدبية تكاد تلغي المسافة بين الكاتب وموضوعه. نص مكتوب بدم ودمع، صيغ في شكل مذكرات شاب سوري عاش المأساة من مختلف المواقع والزوايا، يتولى صديق له ترتيبها وصياغتها في متن رواية تحيي ذكرى الضحايا والجناة على حد سواء.

هو نص بنفَس تجريبي يوثق يوميات العراء والشتات والفجيعة، بروح ساخرة لاذعة أحيانا، وبحس شاعري عميق أحيانا أخرى.
في استهلال للكتاب، ينبه محمد المير غالب النقاد تجاه خروج الرواية عن المعايير والضوابط الحاكمة لصناعة السرد، منقادة لدفق الخاطرة والذاكرة وفعل التأمل، غير أن هذا “الإنذار الكاذب” لم يمنع لجنة تحكيم جائزة كتارا للرواية العربية 2017 من تتويج العمل (440 صفحة) وطباعته ضمن منشورات الجائزة.

عن هذا الدفق السردي المنفلت، يقول الكاتب للجزيرة نت “بدأت كتابة الرواية على برنامج المذكرات في هاتفي المحمول قبل أن أتم عامي الثاني والعشرين، كنت لا أملك أدنى خبرة في تقنيات السرد الروائي. كتبتها على سبيل رد الصفعة، دخلت عالمها وكأني أدخل في شجار بين شباب الحارة.. حقيقةً طغت الشعرية على النص دون وعي صريح مني بل بعفوية المكسور الغاضب الذي لا يجرؤ على الصراخ إلا داخل روايته”.


محمد المير غالب كتبت “شهد المقابر” على سبيل رد الصفعة

مسار الشخصية الرئيسية والساردة “زياد” يتخذ منحى بحث عن التطهر من خطيئة الدم والخراب. يحكي ويوثق مذكراته كي تكون شاهدا على الإثم الجماعي في حق البلاد والمستقبل. يحكي من مواقع مختلفة، من داخل المأساة وخارجها، من وجهة نظر هذا الطرف ونقيضه، حتى يتعذر أحيانا الفرز بين الجلاد والضحية.

وبتعبير غالب الذي رأى النور في مدينة “السلمية” (وسط سوريا) عام 1991، فإن البطل “يبحث عن فعل تطهر مما ارتكبه في النحت، في الكتابة، في الزواج، وفي محاولة أخيرة لإنشاء عائلة سليمة رغم المعوقات. هي محاولات لكسر هذه الأنا التي تستحوذ على كل منا، محاولة ليتعلم كل منا أنه ليس مالك هذا الكوكب ولا راعيه أو سائسه”.

قصة حقيقية حد الخيال
27 مذكرة تتقاسم زمن الثورة السورية، دون انضباط خطي، بل بتلاعب بالزمن، لأن الذاكرة هي التي تملي النص، وإن كانت تتواشج لتشكل مسلسلا يبدأ في 2011 مع الإرهاصات الأولى للحراك الشعبي وينتهي في 2014.

يهتدي الكاتب إلى تصور سردي يتيح له تقليب وجوه المأساة من مواقع مختلفة، فتأتي الخلاصات مدينة للجميع، لا تكاد تبرئ أحدا أو طرفا. الجميع مسؤول عن الانهيار العظيم، والضحية هي سوريا والمستقبل. فزياد طالب الآداب يجد نفسه مدعوا إلى أداء الخدمة العسكرية، وتصادف يومياته التي كان يفترض أن تكون تجربة “مؤقتة” انتفاضة الشارع السوري.

يكتشف أن قادته لم يتورعوا عن تنفيذ عملية قتل لرفاقه والتمويه بأنها عملية للمتمردين، كي يستفزوا رغبتهم الانتقامية في القتل دون وازع. ينجح في الهروب ليجد نفسه داخل تنظيم مسلح معارض، موقع آخر برؤية أخرى للواقع. تتغير الوقائع الميدانية على الأرض فيجد نفسه مضطرا للقتال تحت راية تنظيم جهادي.

يتدرب زياد على القتل، وعلى التفنن فيه، لكنه لا يلبث أن يكتشف أنه ليس مهنته ولا يريد له أن يكون مآله. ينجح في التواري ضمن قوافل اللاجئين، لينتهي به الأمر تحت الخيام. في هذا الفضاء العاري، يكون للذات الجريحة والمنهكة أن تستعيد قصة الوطن وتتأمل لعبة الحياة والموت وعبثية الانقسام.

تحت الخيام، ليست كل الألوان مأساة. ثمة مكان لإعادة اكتشاف وحدة الجماعة المتعالية على الاختلافات، وثمة فرصة لاستعادة الحب في شخص “ليلى” التي تلتحق بزياد، في منعطف أساسي بالنسبة لمسار السرد. ذلك لأن مصير زياد يبدو منذورا للموت بالرصاص المجنون لجماعة مسلحة، لكن ذرة الأمل تنبت في رحم الزوجة “ليلى” التي تهرب عبر الحدود، لتنجب في الصقيع طفلة تحمل اسم “شام”.

بالنسبة للكاتب، فإن المقصود من تنقلات البطل وتقلبات شخصيته وصف تقلبات الشارع السوري بمختلف المناطق والأزمنة، “بسبب التناقضات اليومية التي سببت لنا حالة من انفصام الشخصية الجماعي. نعم خلال السنوات التي مرت كنا جميعا جلادين وضحايا. كنا قتلة. حتى من لم يشارك منا في الجريمة فهو قد صفق لها في يوم من الأيام أو بررها على الأقل. حتى أنا شخصيا في البداية كنت من المصفقين ومن القتلة.. ربما كتبت الرواية كاعتراف أو بحثا عن صك غفران”.

أدب المحنة 
“أيام في بابا عمرو” لعبد الله مكسور، و”طبول الحرب” لمها حسن، و”لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة” لخالد خليفة، و”ليل العالم” لنبيل سليمان، و”جنة البرابرة” لخليل صويلح، وغيرها العشرات؛ نصوص باتت تشكل مع “شهد المقابر” مكتبة أدبية سردية حول تفاصيل المأساة السورية، وتجسد دور الأدب في الشهادة على العصر.

عن هذا التراكم الروائي المواكب ليوميات الحراك في سوريا كما في غيرها، يرى محمد المير غالب أن “الروايات تعرفك بالتاريخ الحقيقي لا بتاريخ الكتب المدرسية، تحدثك عن وجع الناس لا عن أهداف وطموحات ونكسات الملوك والقادة”.

يقول إن “هذا التراكم طبيعي وضروري، لأننا نملك إرثا عارما من الصمت. أحترم كل عمل من تلك الأعمال تحدث عن معاناة الإنسان السوري، لا أحبذ الأعمال التي تؤله أي شخص سواء بالمدح أو بالذم”.

بواسطة
نزار الفراوي
المصدر
الجزيرة نت

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: