أراء

يارا جلال الدين: في منفاي الأول

بقلم: يارا جلال الدين

كل مرة أقرر فيها أن اكتب عن شيئ داخلي، عن مشاعر باتت لا تفهم على خلاف ما كانت، أشعر بضياع لا حد له، فأبحث عن السبب، وأحاول مرارا أن أدركه، أن أجد سبباً مقنعاً لكل ذاك الضياع اللامتناهي، فجاءَ قراري أن أكتب كما أشتهي، أن أصف كل الحروف التي تجتاحني دفعة واحدة دون تنميق أو ترتيب أو حذف، أن أجعلها لمرة واحدة تأتي كما تريد لعها تكون كما رغبت أن تكون.


باختصار شديد شابة تبني مستقبلها بعيداً عن بلدها بعد أن هجرت قسراً، أدركت حقيقة الخوف من الديكتاتوية الغير معلنة.


.قبل أربع سنوات نفت نفسها خارج بلدها خوفاً من كلمة تأبى أن تصمت، أصرت بكل قوة حالها حال شباب جيلها أن تنتفض في وجه ذاك الديكتاتور، هنا تحديداً ينبغي أن أشتت متابعتكم واسأل كما العادة عن اصل كلمة ديكتاتور؟ تعودنا أن ننعت كل من يتسلط بالحكم على الشعب أن نصفه بالديكتاتور، لغة إن عدنا لنبحث عن أصل الكلمة نجد تلافيف كثيرة حول أصلها، ولكن كلها تصب في معنى واحد وباختصار شديد هو المتحكم بالقرار الذي يقوم بمحابرة المنطق ويستغل الدين ليثبت حكمه ويعمد على تفكيك المجتمع ويخترق الشعب بمنظومة استخابراتية ولكل ماسبق آنفاً يصب في مصلحته الشخصية، ولكن المعنى ليس بالشيئ المهم، لأننا سنجد ذاك المعنى داخلنا نحن. وإن كانت بدرجات متفاوتة.


اليوم، لم تعد تلك الشابة طفلة أصبحت تدرك بأن الحياة قائمة على الديكتاتورية بكافة المعايير على نحو لا يدرك العقل كيف وأين ولماذا؟ فمن الأجدر أن لا نبحث عن الأجوبة لأننا ببساطة نحكم على ذواتنا بالدخول في دوامة لن نخرج منها إلا خاسرين على أقل تقدير.


حين خرجتُ أول مظاهرة ونادت حنجرتي بحرية، في تلك اللحظة أدركت أشد الادراك بأنني ارسم نهاية ما أمامي، لم تكن النهاية جلية ولكن كانت بلاشك محددة بخيارات كل سوري يدرك ماهيتها إما اعتقال أو استشهاد أو تهجير، كنت أدعي أنه لا يهمني بالرغم من الخوف الذي كان يعتريني كل مرة أفكر فيها بالاعتقال، وماذا سيحل بفتاة في عمري إن آل القدر بها الى مصير كهذا، في ذاك الوقت كنا نسمع يوميا عنهم وعن التعذيب الذي يلقونه في غياهب المعتقلات، كانت يوميا نشرات الأخبار تتحدث عن أعداد هائلة وعن احصائيات لمن قتلوا تحت وطأة التعذيب، ونقرأ أسماء تربطنا بهم معرفة شكلية إن لم تكن معرفة عميقة وقديمة، وكان أمراً طبيعياً أن نتلقى خبر موتهم في تلك الأقبية بعد أيام أو شهور أو أن يندثروا فجأة من دون اي اثر يذكر.


التفكير لوحده لا يجدي والتجربة قاسية على من ذاقها ، ولكن نحن اليوم بعد مرور ثمان سنوات مازلنا أمام آلاف المعتقلين والمغييبن لا ندرك ماحدث معهم إلا بما وصل لمسامعنا عن قصص رويت من أصحابها أو قيل عن قال، ولكن هل يمكن لعقل بشري أن يفهم ماهية التعذيب؟ سأدعي اليوم أيضاً عدم المنطقية واللاعقلانية بما أكتب أدرك ذلك على نحو جيد لأن ليس من حق اي شخص أن يكتب عن التعذيب وهو لم يعايشه واقعا ، كمن يكتب عن جهنم، الأمران سيان في نظري لا أعتقد هناك وصف دقيق لعذاب جهنم ولا وصف دقيق للناس الذين سيؤول مصيرهم إليها ، هذه جهنم نعم حق قال عنه الرب ولكن إلى أي مدى ومن هؤلاء الذين سيحرقون مراراً وتكراراً كعقاب أزلي لذنوب هم اقترفوها.


فكرة الاعتقال كانت أشدها رعباً في نفسي، حيث لم أكن أخشى الموت برصاصة قناص او ذبحة سكين أو حتى بطعنة غادرة، كانت دائما مقولة مارك توين ترن في أذني “أنا لا أخاف من الموت، لقد كنت ميتا لمليارات المليارات من السنين قبل أن أولد، ولم أعاني بسبب ذلك من أدنى إزعاج” كان الأمر المخيف هو الاعتقال كنت أخاف حقا ذاك العذاب الذي لن تنجو منه إلا ممزقا بأجزاء من روحك، مع كل صرخة ألم ستتلقاها من يد جلادك، الذي لن يترجم تلك الصرخات إلا قوة له وإصرارا لإتمام مهمته على أعلى مستوى وبأفضل النتائج التي حتما ستظهر على مشارف جسدك، وستحفر في صميم وجدانك. تلك الفكرة كانت مخيفة لدرجة لا توصف وتجعل الرجفة في قلبي تتضاعف عشرات المرات وفي بعض الأوقات تجعل الحربة تتلعثم على شفاهي ولساني.


بعد ثلاثة أعوام أادركت قطعا بأن الاعتقال والموت لم يكونا المصير الذي ينتظرني في ظلام المجهول إنما التهجير قسراً، هنا لابد مني أن أقدم اعتذاراً واضحاَ لكل شخص هٌجر من الغوطة الشرقية أو من جنوب دمشق أو من حلب وحمص، من كل شخص فعلياً هُجر قسراً حين فرض عليهم الأسد خيارين لا ثالث لهما إما الاستمرار بذاك الموت أو أن يبقوا على إنسانيتهم بصعودهم تلك الحافلات التي ستقلهم قسرا إلى أرض محررة من سوريا باتت حاضنة لكل وجع.


إلا أني أنا أيضا هُجرت قسراً ليس بتلك الحافلة إنما بالطريقة المعتادة لأي شخص يصل في قرارة نفسه أن ينفي نفسه خارجا، فكانت تلك النكبة قاسية بحجم كل الألم الذي ذقته في أرض جديدة والأقسى من كل ذاك ، أن الحرية التي طالبت بها هي التي نفتني إلى أرض بت لاجئة أحمل فيها رقماً، كحال أولئك الذين اعتقلوا أرقاما بلا أسماء ، في رحلة جديدة في منفاي الأول مع أناس يشبهوني إلى حد مخيف منفيون مثلي “بلا وطن، بلا أرض، يحملون رقما مثلي، يحملون داخلهم ديكتاتوراً صغيراً يفرض هيمنته على الآخرين”.


هنا في الأرض الجديدة وفي البلد الجديد في منفاي الأول أدركت بأن في داخل كل منا ديكتاتور على مقاسه، هنا أدركت بان الشعب تمزق على خلاف ما كنت اعتقد بأن الحرية ستجمعنا لحد ما، كل ما كنا نرفضه من “رشاوي وفساد ومحسوبيات، ومناطقية، وتعامل عنصري عرقي، كله نفي معنا الى هنا”، غريبة هي النفس البشرية التي تعطي لنفسها كل المبررات الممكنة لسلسلة من الأخطاء التي ما أن تبدأ حتى لا يمكن إيقافها.


تلك النفس المغمورة بحب الأنا وبتسويغ كل ما بالمحيط لتحقيق ماتراه أنه فقط عين الصواب والحق.
هنا في منفاي الأول لم يغب الديكتاتور بل نفي معنا، بكل ديمقراطيته المزيفة الخادعة، المدير الديكتاتور الذي يتمسك بكرسيه أكثر من مبادئه، وبالصديق الديكتاتور الذي يرى في صداقتك مصلحة ما، وان غابت تلك المصلحة فمصيرك سيكون ذاته نفي جديد، هنا في هذا المنفى المشترك لمن يدعي الديمقراطية تجد الزوج الديكتاتور الذي نادى بالديمقراطية في تناقض مقيت، وتجد الشابة الحالمة الطموحة تردد “أعيش أنا ويموت ضحاياي” هنا تحديدا في منفاي الأول عاد السؤال الاساسي لذهني “من هو الديكتاتور؟ وماذا تعنيه هذه الكلمة؟”.

بواسطة
يارا جلال الدين
المصدر
نيوز سنتر

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: