دولي

القوات الأميركية في سوريا.. انسحاب أم إعادة تموضع؟

باشرت القوات الأميركية العاملة ضمن التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، انسحابها من شمال شرقي البلاد بعد إعلان وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون) سحب أول قافلة قبل يومين، ضمن القرار الذي أصدره الرئيسي دونالد ترامب.

ورغم إعلان وزير الخارجية مايك بومبيو أن الانسحاب “تكتيكي”، فإن القوات الأميركية بدأت التحرك والتموقع خارج الحدود السورية وتحديدا على الحدود العراقية من جهة كردستان العراق والقواعد التي باشرت بناءها قرب مدينة القائم العراقية.

وقالت مصادر إعلامية إن أولى قوافل القوات الأميركية انسحبت من قاعدة رميلان (120 كلم شرق محافظة الحسكة) التي تعتبر القاعدة الرئيسية لقوات التحالف والقوات الأميركية خصوصا لقربها من الحدود العراقية.

وتضمنت القافلة نحو أربعين آلية دفع رباعي من طراز هامفي، وشاحنات تحمل معدات لوجستية، إضافة إلى نحو مئة عنصر من القوات الخاصة الأميركية، ثم توجهت إلى كردستان العراق عبر معبر “سيمالكا” الحدودي قبل يومين.


قوات أميركية في مناطق قرب الحدود التركية شمال سوريا (الأوروبية-أرشيف)

كما انسحبت قافلة عسكرية كبيرة للقوات الأميركية من قاعدة “خراب عشق” الواقعة شرق عين العرب (كوباني) في ريف حلب الشرقي، باتجاه الحسكة ومنها كذلك إلى العراق. وضم الرتل عربات مصفحة وبعض المعدات العسكرية والأسلحة الثقيلة ونحو سبعين عنصرا من القوات البرية الأميركية.

وفي اليوم ذاته، انسحبت قافلة أخرى من قاعدة “صوامع العالية” في ريف مدينة رأس العين بريف الحسكة، وهي القاعدة التي أنشئت منذ شهر تقريبا نتيجة تصاعد التوتر على الحدود السورية التركية. وتوجهت القافلة التي ضمت عددا من الآليات والعناصر إلى قاعدة رميلان في ريف الحسكة، ومنها إلى كردستان العراق.

إعادة تموقع
وبدا واضحا أن القوات الأميركية بدأت تتجمع في منطقتين تشكلان عمقا إستراتيجيا في الداخل السوري شرق الفرات، وهما قاعدتا رميلان وعين عيسى بريف الرقة، كون الانسحاب الحالي ينطلق باتجاه القاعدتين الأكبر للقوات الأميركية في سوريا.

وفي هذا السياق، يقول الباحث والكاتب السوري أحمد طلب الناصر إن القوات الأميركية ستنسحب من معظم قواعدها العسكرية وستحتفظ بقاعدتين مركزيتين أو ثلاث في سوريا (رميلان والتنف في البادية السورية)، وهو ما يسمى إعادة تموقع وليس انسحابا كاملا.

ويضيف الناصر أن الإبقاء على تلك القواعد سيمهد الطريق للتحالف الجديد التركي-الأميركي شرق الفرات، وستكون بمثابة بوابة التنسيق بين الطرفين لوجستيا وعسكريا. كما ستكون أشبه بالسد في مواجهة النفوذ الإيراني في سوريا.


آليات عسكرية أميركية أثناء عمليات مشتركة مع قوات كردية شمالي سوريا (الأوروبية-أرشيف)

خلط للأوراق
من جهته يؤكد الضابط الأسبق والخبير العسكري حاتم الراوي أن القوات الأميركية لديها قواعد قريبة من الحدود السورية، ومزوّدة بتقنيات تجعلها قادرة على تدمير أي هدف في الداخل السوري.

ويقول الراوي إن القوات الأميركية أعلنت مؤخّرا عن إنشاء قاعدتين على الحدود السورية العراقية، وإن إعلانها عن سحب قواتها من سوريا ما هو إلا خلط للأوراق وتحريك للمياه الراكدة، لأنها قررت الدخول بشكل مباشر لترتيب البيت السوري والبيت العراقي.

ويرى أنه لا انسحاب حقيقيا في الوقت الحالي للقوات الأميركية من شرق الفرات، بل سيقتصر على أعداد قليلة لا تتجاوز العُشر.

وستكون مهمة القوات المتبقية التنسيق مع الجانب التركي، حسب الراوي الذي أوضح أن “التفاهم الأميركي التركي قائم وبقوة.. صحيح أنه يمرض أحيانا، لكنه لا يموت”.

ويبدو أن الولايات المتحدة باتت تربط انسحابها من شرق سوريا بشروط واضحة، خاصة بعد التصريحات التي صدرت اليوم الأحد عن بومبيو وتحدث فيها عن إعادة التموضع والانسحاب التكتيكي، وهذا يعني -حسب مراقبين- أن هناك إعادة تموقع وتغييرا لسياسات أميركا في المنطقة، لكن بما لا يتعارض مع إستراتيجيتها.


آليات عسكرية تركية قرب منبج شمال شرق سوريا (الأناضول-أرشيف)

يقتضي شروطا
من جانبه، يقول الباحث في مركز “جسور” للدراسات عبد الوهاب عاصي إن تغيير أميركا لسياستها في المنطقة يقتضي وجود شروط لانسحابها من سوريا، أبرزها أن يكون الانسحاب تدريجيا، لكن لا يُعرف على وجه الدقة إن كان مؤقتا أم دائما، كما لا يُعرف إن كان جزئيا أم كاملا، خصوصا مع التلميحات ببقاء قوات أميركية في منطقة التنف عند المثلث الحدودي بين الأردن وسوريا والعراق.

ومن هذه الشروط أيضا أن لا يعيق الانسحاب إستراتيجية أميركا في محاربة أنشطة إيران في المنطقة وتقويض نفوذها العسكري والسياسي والأمني، وأن لا يؤدي الانسحاب إلى الإضرار بحلفاء الولايات المتحدة المحليين والإقليميين، أي ألا يؤدي إلى القضاء على وحدات حماية الشعب الكردية وفي الوقت نفسه لا يلحق الضرر بأمن تركيا، بل إن واشنطن تريد استرضاء الطرفين، حسب عاصي.

ويشير عاصي إلى أن أولويات أميركا تكمن في ألا يؤدي الانسحاب إلى فتح المجال أمام النظام السوري لاستخدام أسلحة كيميائية، ولا إلى الإضرار بالأمن القومي لكل من إسرائيل والأردن. وبمعنى آخر فإن الانسحاب من سوريا ليس انسحابا من الشرق الأوسط عسكريا وسياسيا، كما تعتقد دول المنطقة.

المصدر
الجزيرة نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: