أراءمقالات رأي

نحن واحتجاجات السترات الصفراء الفرنسية

 بقلم: عمر كوش

تذكّر احتجاجات أصحاب السترات الصفراء، في باريس ومدن فرنسية، على أسعار الديزل والبنزين، بتاريخ الحراك الاحتجاجي الطويل في فرنسا، الذي يرجع إلى عهود الملكية الفرنسية، ويمتد إلى ما بعدها، ليطاول الجمهوريات الفرنسية الخمسة، وصولاً إلى أيامنا هذه.

وإذا كان السبب المباشر لحركة الاحتجاج الحالية هو ارتفاع سعر الديزل خصوصا، بوصفه وقود أغلب وسائل النقل الخاصة التي يستخدمها عامة الفرنسيين، وخصوصاً الفئات الوسطى والفقيرة، فإن نطاق الحراك الاحتجاجي سرعان ما اتسع مجاله، كي يمثل احتجاجاً على النظام الضريبي العام، وعلى الغلاء المتزايد وارتفاع الضرائب، وتراجع الدخل والقدرة الشرائية وسواها، ليتحول إلى حركة احتجاج مطلبي عارمة، متباينة المطالب والتوجهات، لكنها لم تخرج عن تقاليد الحراك الاحتجاجي المطلبي الفرنسي، على الرغم من محاولات كل من قوى اليمين واليسار المتطرفين تسييسه.

واللافت أن حركة احتجاج أصحاب السترات الصفراء التي ارتداها المحتجون، واستمدوها رمزاً لهم من الستر التي على كل سائق ارتداءها، عندما يتعرّض لحادث سير ما، تحولت، خلال فترة قصيرة، إلى حركة تجمع جمهوراً واسعاً من المحتجين الفرنسيين، من مختلف المشارب السياسية والاجتماعية، القاسم المشترك بينهم هو الاحتجاج على السياسات الضريبية للرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته، وهي السياسات التي أفضت إلى زيادة تراجع الدخل السنوي للأسر الفرنسية، المتوسطة والفقيرة، في الأعوام القليلة الماضية، حسب تقارير مراكز دراسات فرنسية متخصصة.

 “75 % من الفرنسيين يؤيدون “السترات الصفراء”، حسب استطلاعات الرأي، ما يعني أنها حركة احتجاج شعبية حقيقية”

ومع تواصل المظاهرات الاحتجاجية للحركة، التي تشكلت مع نهاية أكتوبر/ تشرين الثاني الماضي، ونجاحها في تنظيم “المرحلة الثانية” من الاحتجاجات، وامتدادها إلى مختلف المدن الفرنسية، بدأت أوساط عديدة تشبيهها بحركات احتجاج أخرى جرت في فرنسا، حيث ذهب بعضهم إلى القول إن الحركة تشبه، في بعض جوانبها، انتفاضة الفلاحين على الزيادات الضريبية في عهد الملكية الفرنسية عام 1358، حين شكلت تلك الانتفاضة المعلم الأبرز على نهاية نظام سياسي واجتماعي واقتصادي بأكمله في ذلك الوقت، في حين أن حركة السترات الصفراء ما زالت في طور التعبير عن ضيق معاشي واجتماعي، لفئات اجتماعية واسعة، وتحمل طرقا ووسائل احتجاج جديدة، وأشكالاً جديدة للتعبير عن المطالب، خارج نطاق تلك الأشكال المعروفة في الحياة السياسية.

ولم تخرج الحركة بعد عن كونها تمردا عفويا، يمتلك جذوراً عميقة في المجتمع الفرنسي، لكنها بدأت تنظم نفسها مع امتداد تظاهراتها الاحتجاجية. وترافق ذلك مع طرح أسئلة حول ممكنات تطور الحراك المطلبي الحالي إلى حراك سياسي، خصوصا أن 75% من الفرنسيين يؤيدونها، حسب استطلاعات الرأي، ما يعني أنها حركة احتجاج شعبية حقيقية. وعليه، يبرز السؤال عن مستقبل حركة أصحاب السترات الصفراء، وعما إذا كانوا سينظمون أنفسهم، وقد يمتلكون مستقبلاً سياسيا وفق المثال الإيطالي الذي تحولت فيه “حركة الخمس نجوم” من حركة احتجاج غاضبة إلى حركةٍ نظمت نفسها، ثم وصلت إلى السلطة. وبالتالي، هل يمكن أن يكون لحركة أصحاب الستر الصفراء مستقبل سياسي على غرار “حركة الخمس نجوم” الإيطالية، التي انطلقت بعد يوم غضب، وباتت اليوم شخصياتٌ عديدةٌ منها في السلطة الإيطالية؟

وتقدّم حركة الاحتجاج العالمية المثال على حراك الجمهور العام، وعلى مدى الاختلاف والتباين في التعامل معها، والتعامل مع حركات الاحتجاج المطلبية السلمية في بلداننا العربية وسواها، وخصوصا التي انطلقت مع الثورات العربية التي بدأت حركات احتجاج مطلبية سلمية، قوبلت بوحشية مفرطة من الأنظمة العربية المستبدة، وخصوصا في سورية. ولم يمتلك الناشطون في بلدان العربية، وخصوصا السوريين، سوى اللجوء إلى التندر والسخرية المرّة، للمقارنة بين طرق تعامل السلطات الفرنسية مع الاحتجاجات، حتى في طورها العنيف، وتعامل أجهزة نظام الأسد مع الاحتجاجات السلمية في بداية الثورة السورية، ونشروا صوراً ومقاطع فيديو تظهر الفوارق الرهيبة. في المقابل، استغل أزلام الأنظمة العربية وأبواقها الإعلامية بعض مظاهر العنف التي جرت خلال الحراك الاحتجاجي الفرنسي، للدفاع عن عنف الأنظمة.

“هاشتاغات الناشطين السوريين قاربت ما يحدث في فرنسا فكتبوا “يلا ارحل يا ماكرون”

ولعل هاشتاغات الناشطين السوريين وتغريداتهم على “تويتر” تعبّر عن مكنونات ثقيلة، ما تزال جاثمة على صدور السوريين، فراحوا يطلقون هاشتاغات، تقارب حركة احتجاج أصحاب السترات الصفراء الفرنسية، من خلال تحوير شعارات الثورة السورية إلى تغريداتٍ ساخرة، مثل تغريدة “يلا ارحل يا ماكرون”، المستوحاة من شعار المحتجين السوريين، المطالب برحيل بشار الأسد. وذهب ناشطون آخرون إلى إسقاط ما قام به جيش النظام والمليشيات الإيرانية والمقاتلات الروسية من حرب إبادة ضد مدن سورية عديدة، مثل حلب، وتحوير هاشتاغ “#حلب تباد”، إلى هاشتاغ “باريس تباد”، وكذلك قاموا بالتذكير بما فعله النظام وحلفاؤه في درعا البلد، فكتبوا “دبابات تحاصر ليون البلد”. وكتب أحدهم “قوات النظام الماكرونية تقصف المدنيين بالكيماوي في شانزليزيه”، في مقاربة ساخرة لقصف نظام الأسد مناطق المدنيين السوريين بالأسلحة الكيميائية في غوطتي دمشق وفي خان شيخون وسواهما، فيما ذكّر ناشطون آخرون بمجازر غاز السارين العديدة التي ارتكبها نظام الأسد، إذ كتب أحدهم: “الثوار يطلقون حملة أنقذوا باريس، النظام الفرنسي يقصف الثوار بغاز السارين”.

في المقابل، لجأ مغرّدون مؤيدون للأنظمة إلى التقليل من شأن احتجاجات السترات الصفراء، فأطلقوا هاشتاغ “#ثورة الكرواسان”، للتقليل من شأنها، والانتقاص منها، وهو ما فعله مؤيدو نظام الأسد الذين لم يخفوا شماتتهم حيال ما جرى خلال تظاهرات الاحتجاج الفرنسية، فيما أهملت وسائل إعلام هذا النظام أحداث الحراك الاحتجاجي، وكذلك فعل مؤيدو نظام عبد الفتاح السيسي وإعلاميوه في مصر، وحاول بعضهم اتخاذ ما جرى في باريس ذريعة للدفاع عن ممارسات هذا النظام، حيث كتب عمرو أديب “اشمعنا ما حدش انتقد تعامل الشرطة الفرنسية مع المتظاهرين؟ الشرطة بتضرب وبتتعامل بقوة، لأن في حاجات مافيهاش هزار في أي دولة”.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: