أراءمقالات رأي

عندما يلعب الصبيان بالنار

بقلم: ياسر عبد العزيز

الصورة الأشهر في قمة العشرين التي عقدت في بوينس أيرس، عاصمة الأرجنتين، هي تلك التي ظهر فيها الأمير الصغير منزويا، ولسان حاله يقول: “يا أرض ابتلعيني”. عند مرور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وقت أن اصطف الرؤساء ليشاركوا صورة جماعية توثق حضورهم القمة..

هذه الصورة تلخص موقف الأمير الصغير الذي طالما عبث في مربعات المحرم السياسي بغير إدراك، وهو ما يعكس أيضا سبب تصريحات الإدارة الأمريكية الأخيرة بخصوص أزمة الصحفي السعودي المغدور جمال خاشقجي، بعيدا عن النهج الذي اتبعه الرئيس الأمريكي في التعامل مع السعودية منذ أن تصدر ولي العهد المشهد السياسي في المملكة، بعد أن تجاوز الكل إلا خطوة لحكم المملكة، وإن كان هو الفاعل الحقيقي في السياسة السعودية. فالتصريحات الأمريكية التي حاولت باستماتة تبرئة الفاعل الأصلي في الجريمة التي هزت العالم، ليس فقط لبشاعتها، ولكن أيضا لاختراقها كل الأعراف الدولية والدبلوماسية المستقرة في العالم منذ زمن بعيد. فترامب الذي صرح بأنه لم يستطع سماع اللحظات الأخيرة من حياة المغدور وهو يعاني قبل أن يتم قتله، استطاع أن يسمع الوعود بمزيد من المليارات من ولي العهد، أسالت لعابه وأغرته بتقديم مزيد من الاستثمارات تتيح مزيدا من فرص العمل التي تجلب مزيدا من الأصوات لتعويض الخسارة المروعة التي مني به حزبه في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس. وبالإضافة إلى المليارات، أُرسلت وعود بمزيد من السمع والطاعة لسيد البيت الأبيض، في عرض لم تأت به أشهر المحلات التجارية في أمريكا في “الجمعة السوداء”.

ولا يخفى الدور الصهيوني الداعم للرياض وأبو ظبي بشكل كبير في الفترة الأخيرة؛ في تنسيق هذا العرض من جهة، والضغط على الإدارة الأمريكية من جهة أخرى، مع محاولات لتهدئة المعارضين من الحزب الجمهوري لإنقاذ الفاعل الأصلي في تلك الجريمة.

وبعقلية الصبي الذي ضرب في الشارع أثناء لعبه، يريد الصبيان رد الصفعة بصفعة محتمين بولي أمرهم، وهم في ذلك ظاهرين بمظهر المطيع لولي الأمر. فالضغط الرهيب الذي تمارسه تركيا على المستوى الرسمي بتصريحات المسؤولين، وعلى المستوى الإعلامي من خلال كل الوسائل المتاحة، والمتوافقين مع الحالة الشعبية المستنكرة للجريمة والمطالبة بمعاقبة الفاعل الأصلي في تلك الجريمة الشنيعة، جعل صبيي الخليج (ابن سلمان وابن زايد) يتخذان القرار بمواجهة شبه مباشرة مع تركيا، بعد فشل محاولات لاستمالة إدارتها، أو تأليب المعارضة.

فالأنباء التي تناقلتها وسائل إعلام روسية، والتي تتحدث عن تحركات لأرتال عسكرية تتبع دولة خليجية بريف دير الزور الجنوبي الشرقي شرق الفرات في سوريا، أصبحت حقيقة منظورة تحدثت عنه صحيفة يني شفق التركية، المقربة من الحزب الحاكم، وهو ما يعني أن الرياض وأبو ظبي قررتا دخول مواجهة، حتى الآن، غير مباشرة مع تركيا في محاولة تعطيل المشروع الأمني التركي لحماية أمنها القومي بضرب معاقل المليشيات المتمثلة في قوات سوريا الديمقراطية، الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني الإرهابي، ومن ثم فالصبيان قررا تهديد أمن تركيا من خلال خطوة غير محسوبة العواقب.. فأولا لو فهم الصبيان المغزى من غمسهما في هذا المستنقع لتراجعا، فالقوات السعودية الإماراتية الغارقة في مستنقع اليمن منذ ثلاث سنوات، والتي أهدرت فيه مليارات الدولارات دون تحقيق نتيجة حقيقية، يتم استنفاد مواردها مجددا في بقعة جغرافية لا ناقة لها فيها ولا جمل. فالصهاينة والأمريكان يهمهما استنفاد القوى العربية الإسلامية من خلال ضرب هذه الدول بعضها ببعض.. فبهذا الذكاء تتعامل تلك الإدارات، وعلى الطرف الآخر تتعامل أنظمة الصبيان في الخليج بعقلية داحس والغبراء.

الدعم السعودي الإماراتي لم ينقطع عن قوات سوريا الديمقراطية منذ ما يزيد عن السنتين، وقد سبقت به الإمارات لمناكفة تركيا، وجرّت إليه السعودية بعد أن تصدر الأمير الصغير المشهد السياسي في بلاده.

لكن السؤال الذي يجب أن يجيب عليه قادة أبو ظبي والرياض: كيف دخلت قواتهما إلى شرق الفرات من ريف دير الزور الجنوبي، إلا أن تكون قد دخلت من معبر عرعر الحدودي مع العراق، والذي تسيطر عليه حكومة موالية لإيران (عدوة السعودية الأولى) إلى معبر البوكمال الذي يسيطر عليه النظام السوري والمليشيات الموالية لإيران؟

خط سير القوات السعودية الإماراتية يؤكد الدور الوظيفي الذي تلعبه تلك القوات لضرب الثورة السورية كهدف مرحلي، وضرب تركيا كهدف أساسي. فأمريكا التي لا ترغب في مواجهة مباشرة مع تركيا؛ تستخدم الصبيان لفعل ذلك، مستغلة جريمة القنصلية البشعة، والتي يريد الصبيان التغطية عليها من خلال الإمساك بأي ورقة ضغط على تركيا وتكبيدها خسائر تحرك الشارع على حكومته، وهي رؤية قاصرة لمن يعرف الأتراك، ويقرأ مؤشرات قياس الوطنية لدى شعبها.

إن الجريمة دخلت مرحلة عض الأصابع منذ الخطاب الأول للرئيس أردوغان، وأكدنا في مقالنا (تركيا اختارت الحل الاستراتيجي على التكتيكي في أزمة خاشقجي) على أن تركيا قررت دخول معركة طويلة لقطع يد الشيطان في المنطقة، وفي المقابل، استقرأنا رد الفعل الأمريكي على الإرادة التركية في مقال (سيناريو سوريا ينتظر ولي العهد)، والذي أكدنا فيه أن أمريكا ستستغل هذا السيناريو لإطالة أمد الأزمة؛ ليس لمحاولة الإبقاء على الأمير الصغير، بل لإنهاكه، وهو ما يكشف قدرنا كشعوب في أن ندفع ثمن حكم حدثاء الأسنان التي تلقيهم علينا الممالك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: