شباب

من الفرات إلى بابا عمرو.. الطبيب “أحمد الفتيح” حياة مليئة بالشجاعة والتضحية

اعتاد رفاقه منذ الصغر على تلقيبه بـ”الدكتور” وذلك لذكائه وتميّزه واجتهاده، وبقي اللقب ملازماً للشهيد الشاب “أحمد الفتيح” لتضاف إليه مع الزمن صفة الشجاعة والتضحية بأسمى معانيهما، وكان لأكثر من مرة قاب قوسين أو أدنى من الموت المحتّم، لكن ذلك لم ينقص من عزيمته في الاستمرار بمهمته النبيلة التي نذر نفسه لها حتى استشهاده أثناء محاولة إسعاف أحد المصابين في ريف دمشق.

وشارك الطبيب الفراتي في إغاثة أهالي حي “بابا عمرو” الحمصي أثناء تعرضه لهجمة شرسة من قبل قوات النظام في شباط فبراير/2012، وأجرى عدداً من العمليات الجراحية داخل الحي المحاصر بما أتيح له من إمكانيات طبية بسيطة -كما يروي شقيقه أنس الفتيح- مضيفاً أن الشهيد الشاب اضطر بعدها للخروج منه بعد سيطرة قوات النظام والمليشيات المقاتلة إلى جانبه، كما ساهم في علاج عدد كبير من الجرحى في عدة مناطق من ريف دمشق، متنقلاً بين “الحجر الأسود” و”يلدا” ومناطق أخرى، وشاءت إرادة الله أن يستشهد أثناء محاولة إسعاف أحد المصابين في مدينة المعضمية بتاريخ 28 – 11- 2012.

ولد الطبيب “أحمد الفتيح” بمدينة دير الزور في تموز يوليو/1985 ودرس في مدرسة الشهيد “محمد الملا عيسى” للمتفوقين وأنهى دراسته الثانوية فيها، وكان من الأوائل في دراسته، ونال الدرجة الثانية على مستوى المحافظة ليلتحق بعدها بكلية الطب البشري بدمشق ويحقق تفوقاً فيها أيضاً بدرجة ممتاز عامي 2008-2009 ودرس اختصاص الجراحة العصبية.

وروى أنس أن الشهيد كان من مؤسسي “جمعية شباب الفرات” التي تم رفض ترخيصها من قبل الأمن السوري وحاول بعدها إنشاء جمعية ثانية باسم “رؤية” مع عدد من أصدقائه الناشطين، لكنها قوبلت بالرفض ثانية من قبل اللواء “جامع جامع” رئيس فرع الأمن العسكري في دير الزور الذي قُتل فيما بعد، فعمل كمتطوع في جمعية تنظيم الأسرة التي كانت تضم عيادة ومركزاً شبابياً كما عمل مع جمعية بيئية لحماية نهر الفرات.

التحق “الفتيح” بالثورة مع بداية انطلاقها ولصعوبة الحراك السلمي في العاصمة كان يذهب إلى مدينته دير الزور للمشاركة في المظاهرات السلمية، حيث شارك في أول مظاهرة خرجت من “جامع الصفا” بتاريخ 25 /3/ 2011 وتم قمعها مباشرة، وتم اعتقال مجموعة من الشبان المشاركين فيها، ولكنه تمكن من الهرب وكان الشهيد “الفتيح” -كما يؤكد شقيقه- أول من تواصل مع قناة “الجزيرة” لنقل المظاهرات السلمية من خلال جواله قبل أن تكون هناك كاميرات تنقل ما يجري، وشارك في اعتصام الأطباء الذي نُظم في مشفى “المواساة” بدمشق بعد الاعتداء على أحد زملائه الأطباء وكذلك في المظاهرة التي خرجت من جامع “الحسن” بحي “الميدان”.

بعد محاصرة حي “باباعمرو” تمكن الشهيد الشاب من دخول الحي خلسة وبعيداً عن أعين النظام لتقديم الخدمات الطبية اللازمة ضمن الإمكانيات البسيطة التي كانت متوفرة في المشافي الميدانية مع الأطباء الذين دخلوا الحي، وأنقذ حياة كثيرين في الحي الذي كان من أسخن المناطق الثائرة في سوريا آنذاك، وكان “الفتيح” من المشاركين في “تجمع الأطباء الأحرار”، وهو أول تشكيل طبي حر في سوريا، ومن خلال هذا التجمع تم تشكيل ما يسمى بالمشافي الميدانية في دمشق.

ولفت إلى أن شقيقه “كان يجري عمليات جراحية بالخفاء للمصابين والجرحى في بعض المشافي الخاصة، وساهم مع زملاء له في إنشاء العديد من المشافي الميدانية في منطقة “قدسيا” وفي يلدا وببيلا ( جنوب دمشق) ومنطقة “المعضمية” التي شهدت آخر لحظات حياته.

ويقول أن الشهيد كان لازال يدرس في جامعة دمشق الدراسات العليا عندما تم استدعاؤه وإدخاله الى ريف دمشق المحرر الذي كان مغلقاً عبر منافذ وطرق خاصة للجيش الحر لمعالجة مصاب في الرأس في مدينة “المعضمية”، وكان “الفتيح” في سيارة مع ممرض يدعى “برجس عثمان” من حمص ودخلا المدينة في طريق كان مرصوداً نارياً من قبل “الفرقة الرابعة”، وحينها أسقطت طائرة للنظام صاروخاً بالقرب من السيارة التي كانت تقلهما فأصيبا بشظاياه واستشهدا على الفور.

 

وعلى سبيل المفارقة يروي أنه التقى أثناء عمله في مركز استشفاء بمدينة “أوروفا” عام 2015 بالشخص الذي كان مصاباً وكان الشهيد في طريق الذهاب لعلاجه، وبدا سليماً معافى بعد أن تم إسعافه من قبل أحد الأطباء الأحرار.

بواسطة
فارس الرفاعي
المصدر
زمان الوصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: