أراء

يارا جلال الدين: التأطير الإعلامي في زمن الحرب

بقلم: يارا جلال الدين

 

من المعروف ومنذ زمن بعيد أهمية وسائل الإعلام في صياغة الرأي العام وتسليط الضوء على بعض الاحداث اكثر من سواها، وفي هذا السياق لجأت الكثير من وسائل الإعلام على اختلاف تصنيفاتها للتأطير، طريقة ليست بالحديثة فهي بتاريخها تعود لغوبلز (وزير الدعاية الألماني إبان حكم هتلر) في السيطرة على العقول ، والتي أصبحت وسيلة مهمة في تمرير السياسات، و تعد استراتيجية جديدة في التعامل السياسي، فحتى بعد رحيل “غوبلز” وبعد أن كانت مدارس الاعلام تسخر منها على اعتبارها من مدرسة هتلر. باتت هذه النظرية هي المسيطرة بشكل أو بآخر على الإعلام العالمي.

وفي سياق التأطير الإعلامي أمثلة عديدة تعود لأذهاننا في إطار الأزمة السورية، فمنذ انطلاقتها راح الإعلام العربي والعالمي العمل على تأطير المعلومات وتقديمها للمتلقي كل حسب مصلحته، ولجأت السياسات المتبعة لاعتناق المذهب القائل بأن “الحقائق لا تؤثر على المتلقي بقدر الطريقة التي يتم النشر عن طريقها”. وهذا للأسف ماتم اتباعه في الاعلام إبان الثورة السورية، وسياسة التأطير تلك لم تختصر على الإعلام فحسب بل حتى على خطابات الساسة.

وإن عدنا لإعلام نظام الأسد ومنذ انطلاقة الثورة بسلميتها، تأطر الحديث عن المتظاهرين على أنهم مندسين أو إرهابيين بأجندات خارجية، وهنا وضع إعلام الأسد جمهوره أمام خيارين لا ثالث لهما إما “مندسين” أو “إرهابيين”، ولم يكن التأطير هو الأسلوب الغير مهني الوحيد الذي اعتنقه إعلام الاسد، بل إلى جانب التأطير كان هناك أسلوب ممنهج حول التضليل الإعلامي الذي كان من شأنه أن يجيش مؤيدين للنظام باقناعهم أن قوات الاسد تبذل كل جهدها للقضاء على المنظومة الإرهابية، وهنا لعب الإعلام دورا كبيرا فمن يمتلك وسائل إعلام يمتلك لجانيه قوة الفصل في الحرب، حيث تعد حرب الإعلام من أشد الحروب التي تكون نتائجها شبه مضمونة، وهذا فعلا ما حدث حين روج الإعلام الزائف لفكر الأسد ولقي رواجاً لدى المؤيدين.

 

وهنا قضية التعتيم والتلفيق والتزويرايضا التأطير ، تتجلى في هجمات الكيماوي على مناطق عدة في أرجاء سوريا أكثر من 140 هجمة خلفت مئات القتلى والجرحى، باستخدام اسلحة محرمة دولياً، تنفذ بدم بارد، لم يخفي اعلام الأسد تلك الهجمات بل صرح بها عبر منابره التلفزيونية والإذاعية وحتى في الصحف المكتوبة، وتناولها رواد المواقع الإجتماعي، ولجأوا كما العادة لتزوير الوقائع والحقائق، وتأطير ماحدث بأنها هجمات من المعارضة “الإرهابيين” وضربات من المسلحين المدعومين من قبل بعض الدول المعارضة لنظام الأسد، سياسة تتكرر بسيناريوهات عدة، وكلها تعود لتصب في “التأطير الإعلامي” الذي من شأنه أن يضيق أفق الجمهور المؤيد، ليعود ويدور في دائرة ضيقة كمن لا يبصر.

هذه النظرية لم تكن نظرية الاعلام فحسب بل كانت من رأس النظام الذي امتهن الكذب الممنهج ، أمر ليس بالغريب عن الأسد الابن الذي ورث سياسية التضليل الإعلامي عن الأسد الأب، في حال عدنا بذاكرتنا المنسية او المتناسية و استرجعنا أحداث حماة في عام “1982” نجد كيف انتهج نظام حافظ الأسد سياسة التعتيم حيال المجزرة التي نفذها جيشه في مدينة حماة، عاملا على كسر معارضة الإخوان المسلمين، هنا لم يكن الإخوان فقط هم المستهدفون من قبل نظام حافظ الأسد بل انه وخلال الحملة العسكرية قام بتطويق المدينة، وتجويع سكانها، وقصف البلدة القديمة فيها، وتدمير معالمها حتى المساجد والكنائس. وبقي ذاك التعتيم معمما حتى إن أجيالا عربية كثيرة نشأت دون العلم بوقوع مجزرة نفذها نظام عربي ضد شعبه بأقسى الوسائل.

فمن ولد بعد أحداث مجزرة حماه لا يعي ما حصل، ولا يذكر أن أحدا تجرأ وحدثه عما فعله الأسد الأب بأهل حماه، وحتى من شهد الأحداث حاول مرارا وتكرارا فرمتة ذاكرته وحذف 27 يوماً، وإلغاء أسماء كثيرة من أرشيف معارفه خوفا من بطش النظام العسكري البعثي المهيمن على البلد.

وإن رجعنا في ذاكرتنا لحرب العراق لنجد إن السياسة ذاتها كانت تدور في ذات الحلقة “حلقة التأطير الإعلامي” وبالتحديد معركة المطار” لعلها أكثر الأمثلة الحية التي شاهدناه بأم أعيننا” حيث قاﻣﺖ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻹﻋﻼﻡ ﺑﺘﻌﺒﺌﺔ ﺍﻟﻄﺮﻓﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﺃنها ﺍﻟﻤﻌﺮﻛﺔ ﺍﻟﺤﺎﺳﻤﺔ ، وهنا باتت ﺟﻤﻴﻊ ﻭﺣﺪﺍﺕ ﺍﻟﻘﻮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔ ﺍﻟﻌﺮﺍﻗﻴﺔ ﺗﺘﺮﻗﺐ تلك المعركة ، وبقي ذاك التأطير قائما إلى أن ﺳﻘﻂ ﺍﻟﻤﻄﺎﺭ فانتاب ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ شعور بأن ﺍﻟﻌﺮﺍﻕ كله قد ﺳﻘﻂ ، فماتت ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ على الرغم من ﺃﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﺴﻘﻂ ﺳﻮﻯ ﺍﻟﻤﻄﺎﺭ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻮﻗﺖ.

وإلى جانب هذا التأطير لم ينفك إعلام الأسد على تزييف الوقائع ونقلها بصورة مشوشة للمتلقي، برواية لا يتقبلها عقل واعي، وهذا بالفعل ما صدقه مؤيدو الأسد، فلعل الأمثلة عديدة جدا في هذا السياق، وأشهرها تلك الصورة التي ﺗﻈﻬﺮ ﺟﺜﺜﺎً ﻟﻌﺸﺮﺍﺕ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻬﺎ ﻓﻲ ﻗﺮﻳﺔ ﺍﻟﺰﺍﺭﺓ، ﻓﻲ ﺣﻴﻦ ﺗﻌﻮﺩ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺇﻟﻰ ﻋﺎﻡ 2013 ، ﻭﻫﻲ ﻷﻃﻔﺎﻝ ﺍﺳﺘﺸﻬﺪﻭﺍ ﻧﺘﻴﺠﺔ ﻗﺼﻒ ﺑﺎﻷﺳﻠﺤﺔ ﺍﻟﻜﻴﻤﻴﺎﺋﻴﺔ ﻧﻔﺬﺗﻪ ﻗﻮﺍﺕ ﺍﻟأسد ﻓﻲ ﺍﻟﻐﻮﻃﺔ ﺍﻟﺸﺮﻗﻴﺔ ﺑﺮﻳﻒ ﺩﻣﺸﻖ.

وقضية الشهداء الأحياء في غياهب أقبية الأسد، التي شهدت على قتل الآلاف تحت التعذيب، وآلاف أخرى مازالوا يقاومون ذاك البطش البعثي بآهات تتعالى ولكن لا تخترق جدار الظلم المحيط باسوار تلك الأقبية الملعونة، عالم كفيف عما يحدث أصوات قليلة تنادي بحريتهم، ونظام أسدي جائر مازال يفرض هيمنته الغير شرعية بطرق وحشية استفزازية غير إنسانية.
ومازال إعلام الأسد الرسمي، إلى جانب الإعلام المؤيد لسياسة الأسد، تعتم الكثير من الحقائق، وتضلل أخرى، وتعتنق التأطير مذهباً واضحاً في سياستها، وما زال يحاول جاهدا في كل مرحلة جديدة تسيير المواطن إلى أفكار ليست بالصحيحة بفرض خيارات وهمية تقيد فكر الطرف الآخر من وجهة نظر مسيسة وحتى في أغلب الأوقات تكون مأجورة. تتبع كوسيلة ذات نتائج شبه مضمونة مع مجتمعات تطوف بالجهل والتبعية وحتى انعدام الوعي.

بواسطة
يارا جلال الدين
المصدر
نيوز سنتر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: