ثقافة وفن

عبق التراث السوري ينبعث من المتحف الإسلامي بالدوحة

ربما تكون لوحة الفنان الفرنسي لويس فرانسوا كاساس “الكرفان الكبير في تدمر”، التي رسمها قبل نحو 230 عاما هي ما تبقى من هذه المدينة السورية التي دمر تنظيم الدولة الإسلامية معظم آثارها قبل ثلاثة أعوام.

تصور تلك اللوحة ما تتميز به مدينة تدمر (وسط سوريا) من تماثيل وشرفات وأعمدة وزخارف، كما حاول الفنان الفرنسي تخيل ما كان مدمرا –آنذاك- بلون وردي فاقع لتمييزها عن الواقع؛ مما أعطى اللوحة المرسومة على الورق الأسمر انطباعا بالجمال والرهبة في آن واحد.

لقيت تلك اللوحة مع أخواتها احتفاء خاصا في متحف الفن الإسلامي بالدوحة ضمن معرض “سوريا سلاما”، الذي يتزامن مع احتفالات المتحف بالذكرى السنوية العاشرة لتأسيسه.

المعرض -الذي افتتح مساء الأربعاء- يحتوي على العديد من أعمال الفنان الفرنسي الذي استقر في تدمر لمدة شهرين عام 1789، ورسم 41 لوحة للآثار في تلك المدينة بالقلم الرصاص وباستخدام أقل ما يمكن من ألوان.

لم تكن لوحة “كرفان تدمر” هي من خطفت الأضواء بمفردها في المعرض، فلوحة “دمشق 1861” للشاعر والفنان إدورد لير كان لها أيضا نصيب كبير من الإعجاب؛ فاللوحة التي كانت بين اللوحات المقتناة من قبل أفراد، وغابت عن المشهد الفني طويلا في بريطانيا؛ استطاع متحف قطر اقتناءها، ووضعت ضمن نوادر الحضارة السورية في معرض “سوريا سلاما”.

ويسلط المعرض الضوء على التاريخ الثقافي السوري، الذي يضرب بجذوره في القدم، مبرزا الدور الرئيسي الذي اضطلعت به سوريا في إثراء تاريخ الحركة الفنية والثقافية في العالم، ومسلطا الضوء على الإسهامات العديدة التي قدمتها سوريا للحضارة البشرية عبر التاريخ.

أحد كتب المستشرقين القدماء عن سوريا

 

ويلفت المعرض انتباه العالم للتراث السوري النفيس، الذي تضرر بشدة جراء الدمار الذي لحق بمواقع تاريخية عدة، لا سيما حلب وتدمر، بسبب ما تشهده سوريا من حرب مستمرة منذ أكثر من سبع سنوات.

ويضم المعرض أكثر من مئة قطعة فنية سورية، تعود لفترة ما قبل الإسلام، إلى جانب لوحات لمستشرقين، وصور فوتوغرافية، ومقتنيات إسلامية سورية نفيسة، منها نسخ قرآنية قديمة، ومخطوطات تعود للقرون الوسطى، وأعمال زجاجية وخزفية ومنسوجات، وبلاط ملون.

كما يقدم المعرض أعمالا خشبية تم ترميمها في الآونة الأخيرة، كانت تزين أحد البيوت الدمشقية، لتشعر داخله بأن حضارات سوريا عبر التاريخ حاضرة في ذلك المكان.

أحد معروضات معرض “سوريا سلاما”

 

الأجواء البصرية الرائعة التي حرص القائمون على المعرض على إيصالها للزائر ترافقت مع عزف لأهم المقطوعات الموسيقية السورية، مما أضفى على أجواء المتحف الإسلامي طابعا حيا لتاريخ سوريا وحضاراتها القديمة.

ويبحر الزائر للمعرض في رحلة ينتقل خلالها عبر أزمنة وأماكن مختلفة، مستمتعا بتجربة تفاعلية مدعومة بوسائل تقنية مبتكرة يعيش معها الزائر أجواء المدن السورية التراثية التي طال الدمار معظم معالمها.

وقالت مديرة متحف الفن الإسلامي جوليا غونيلا: “إن المعرض ينقل ملامح سوريا الفنية والحضارية، ويمكن الزائر التعرف على هذا التاريخ الغني من الحضارة الإسلامية”، موضحة أنه سيقام على هامش المعرض العديد من العروض والمحاضرات وورش العمل على مدى الأشهر القليلة المقبلة، بهدف تثقيف أفراد المجتمع حول سوريا.

زوار معرض “سوريا سلاما” في يوم الافتتاح

 

واعتبرت رانيا عبد اللطيف -إحدى المشرفات على المعرض- أن المعرض يمثل صرخة للعالم بضرورة التكاتف للحفاظ على ما تبقى من تراث وتاريخ سوريا، مؤكدة أن الحضور الكثيف في افتتاح المعرض يدل على شغف المجتمعات العربية بالحضارات السورية القديمة.

وتزامنا مع المعرض، تستضيف حديقة متحف الفن الإسلامي نسختها الشهيرة من “سوق الحميدية” حتى 23 ديسمبر/كانون الأول المقبل، حيث يمنح الزائرون لمحة عن هذا السوق الذي تشتهر به دمشق، وسيضم السوق العديد من الأكشاك السورية التي تبيع منتجات متنوعة، مثل: الملابس والمطرزات والمشغولات اليدوية والتحف القديمة والفنون والأطعمة والحلويات والألعاب.

بواسطة
عماد مراد
المصدر
الجزيرة نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: