أراء

محمد الأطرش: الولايات المتحدة … كشف الأقنعة

بقلم: محمد الأطرش

لقد كانت ليلة السابع من شباط 2018 هي الحد الفاصل ما بين مرحلتين مفصليتين من مراحل التدخل الأمريكي المعقد في سوريا إبان الحرب الضروس التي تدور فيها. المرحلة السابقة كانت مرحلة الوجود المغطى المتلون والزئبقي في آن معاً! الوجود الذي لا تستطيع الإمساك به ولا تأكيده ولا إثباته … الوجود الغامض المعقد المغطى بالعديد من الأسباب والمبررات، والذي يلتف على كل المعطيات المعقدة المتشابكة التي تشكل مفردات الحرب السورية. ذاك الوجود الذي بدأ بشكل ضعيف وتدريجي منذ إعلان التحالف الدولي للقضاء على تنظيم الدولة في أوائل العام 2015، والي تزايد تدريجياً بدعم الميليشيات الكردية وإنشاء بعض القواعد والمطارات في شمال شرق سوريا، إلى أن آل إلى سيطرة كاملة على الجزيرة السورية وشرق سوريا بكل ما تحويه تلك المناطق من ثروات طبيعية هائلة … سيطرة خبيثة وغير مباشرة باستخدام عملائهم على الأرض مما يسمى بـــ (قوات ســوريا الديمقراطية) التي تشكل الميليشيات الكردية عمودها الفقري.

وكما أسلفنا، كانت السيطرة الأمريكية والتواجد الأمريكي حتى تلك المرحلة وجوداً متخفياً غير مباشر، مبرر بقتال تنظيم الدولة والحرب على الإرهاب، وممثلاً بدعم لفئات معينة على الأرض بحجة هذه الحرب. أما المرحلة اللاحقة – تلك المرحلة التي كشفت عن الوجه الحقيقي للتواجد الأمريكي في سوريا وأهدافه الحقيقية – فقد بدأت بأوضح صورها وأشدها صدمة في ليلة السابع من شباط الجاري.

تباينت الروايات حول حقيقة ما جرى في تلك الليلة، فالروس – بأسلوبهم الملتف والمتفنن في إخفاء الحقائق وتمييعها – قالوا بأن طيران التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وتشكل عماده الأساسي قد قصف وحدات لــ (جيش الحكومة السورية) الذي كان في مهمة لتتبع بعض الخلايا (الإرهابية) بالقرب من حقل (كونيكو) للغاز الطبيعي بالقرب من مدينة دير الزور، والذي تسيطر عليه ما يسمى بـ (قوات سوريا الديمقراطية)، مما أسفر عن جرح 23 عنصراً دون خسائر أخرى ودون أي ضحايا من القوات الروسية المرافقة دائماً لجيش النظام السوري. وطبعاً أسهب التقرير الذي صرحت به وزارة الدفاع الروسية في ذات الأسطوانة المشروخة التي تتحدث دائماً عن الوجود (غير الشرعي) للقوات الأمريكية في سوريا، وأن تلك القوات لا تقاتل فعلياً ضد تنظيم الدولة وإنما تعمل فقط على ترسيخ وجودها في سوريا للسيطرة على ثرواتها الاقتصادية بحد زعمهم… وكأن القوات الروسية نفسها تمتلك وجوداً شرعياً في سوريا، وأنها تقاتل منذ اليوم الأول ضد تنظيم الدولة حتى هذه اللحظة، وأنها أتت محملة بالزهور والرياحين لتلقيها طائراتها على المدنيين السوريين!

أما الرواية الأمريكية فقد كانت أكثر مباشرة ووضوحاً، فقد أكدت قيادة قوات التحالف أن القوات الموالية لنظام الأسد قامت بشن هجوم (غير مبرر) على قوات سوريا الديمقراطية المتمركزة في المنطقة المذكورة، وان قوات سوريا الديمقراطية هي قوات (حليفة) للقوات الأمريكية، وأن تلك القوات قد قامت بالرد على هذا الاعتداء بمساعدة مروحيات تابعة لقوات التحالف. وأكد البيان بأن قوات التحالف لا زالت ملتزمة بقتال تنظيم الدولة في سوريا، مؤكداً في الوقت ذاته حقه غير القابل للتفاوض في (الدفاع عن النفس)! وبينما لم يذكر بيان التحالف أي شيء عن عدد ضحايا هجومه على قوات النظام، إلا أن بعض المصادر المحلية والميدانية أفادت بأن هناك ما يقارب 100 قتيل سقطوا في هذا الهجوم، وأن بينهم جنوداً روس أيضاً، وهذا ما أنكرته روسيا بشدة كعادتها.

فما هي حقيقة هذا الهجوم … وما هي الدوافع الحقيقية ورائه؟
من الطبيعي جداً في إطار المعمعة السورية أن تحاول قوات النظام وميليشياتها أن تتقدم في كل مكان من بؤر الصراع على امتداد الأرض السورية، سواءاً ضد تنظيم الدولة أو قوات المعارضة أو ما يسمى بقوات سوريا الديمقراطية، على اعتبار أنهم (قوات نظامية حكومية) بحد زعمهم وعلى أساس تأييد الكثير من الدول – وعلى رأسها روسيا – لشرعية وجودهم وحكمهم سواءاً أكان هذا الحكم شرعياً أم لا. وسواءاً أكان تقدم قوات النظام نحو مناطق سيطرة القوات الأمريكية وحلفائها في ليلة السابع من شباط عملاً مدروساً منسقاً أم لم يكن، فقد قرر نظام الأسد التقدم نحو تلك المناطق، علماً أن هذا لم يكن أول صدام بينه وبين الميليشيات الكردية، إنما كان هذا أول تقدم له على حساب القوات المدعومة أمريكياً نحو موقع استراتيجي مهم كحقل كونيكو هذا. كل هذا كان طبيعياً ومعتاداً في دوامات الحرب السورية اللانهائية وتبعاتها… أما المفاجئة في الموضوع، فقد كانت هذا الرد الأمريكي الحازم الصارم الحاسم ضد هذا التقدم لقوات النظام، هذا الرد الذي كشف أخيراً الوجه الحقيقي للوجود الأمريكي في سوريا بشكل لم تعد تجدي معه التكهنات والتحليلات والحجج الواهية بما يسمى (الحرب على الإرهاب)، ذلك الإرهاب المزعوم الذي لم يعد له وجود أصلاً في سوريا مع تداعي بؤر السيطرة الرئيسية لتنظيم الدولة في المدن الكبرى، وانحصاره في جيوب صغيرة ضيقة على الحدود العراقية السورية فقط.

فبعد أن سيطرت الولايات المتحدة – ممثلة بميليشيات قوات سوريا الديمقراطية – على شرقي سوريا بالكامل بكل ما يحويه من حقول نفط وغاز طبيعي بحجة أنها كانت مناطق تم استعادتها من قبضة تنظيم الدولة، أتت تلك الضربة الأمريكية العنيفة ضد قوات النظام وحلفائها لتؤكد هذه المرة بما لا يدع مجالاً للشك بأن أمريكا لا تريد من سوريا إلا ثروتها الضخمة البكر من نفط والغاز! وأن كل من سيحاول منازعتها على هذه الثروات سوف يتم الرد عليه بقسوة حتى ولو كان (ممثل الحكم الشرعي) كما يزعم، ودون أي اعتبار للزوابع الإعلامية والسياسية الفارغة التي تثيرها دول أخرى داعمة للنظام تزعم أنها (دول كبرى)!
إن هذا التحول المفاجئ في الموقف الأمريكي يأتي في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على ما يبدو بوضوح أنه مشروع (تقسيم) لسوريا يجري حالياً على قدم وساق بين كل الأطراف الدولية التي تتحمل المسؤولية الأولى في كل مآلات الحرب المأساوية السورية التي كان الشعب السوري هو الخاسر الوحيد فيها. وبينما ستأخذ كل دولة حصتها من التقدم داخل الحدود السورية، أو السيطرة على بعض المناطق الاستراتيجية، أو إقامة قواعد عسكرية، أو السيطرة على احتياطي الذهب، أو احتكار عقود الإعمار… يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية قد قررت أخذ الحصة التي أهملها الجميع في البداية على اعتبار أنها (سوريا الغير مفيدة)، قبل أن يفاجئوا بأن الفائدة كلها تكمن في تلك المناطق التي أهملوها في بادئ الأمر، ولم يدركوا مدى أهميتها إلا والقوات الأمريكية تحكم عليها قبضة من حديد، بل وتضرب بتلك القبضة كل من يحاول التقدم إليها.

بواسطة
محمد الأطرش
المصدر
نيوز سنتر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: