أراء

محمد الأطرش: إلى أن تظهر الحقيقة..

بقلم: محمد الأطرش

بعد هذا السيل المحير والمربك والزاخر بالتناقضات من قبل جميع الأطراف المعنية بقضية اختفاء – او اغتيال – الإعلامي السعودي الحر ( جمال خاشقجي ) ، وبعد مرور أكثر من أسبوع على اختفائه المفاجئ وتسريب خبر اغتياله من قبل بعض الجهات الإعلامية والأمنية التركية تحديداً … أعتقد أنني بدأت أكون وجهة نظر لا بأس بها – ومؤسفة في آن ٍ معاً – حول حقيقة ما جرى لخاشقجي ! وحقيقة الأمر أنني ترددت كثيراً في إبداء وجهة النظر هذه لعدة أسباب … أهمها أنني لم أشأ أن أشارك في هذه الحفلة المفتوحة من التحليلات والتكهنات وتراشق الاتهامات وطرح الاحتمالات التي يحاول البعض فرضها على أنها حقائق مفروغ منها ! والسبب الآخر المهم هو أن وجهة نظري تلك لن تعدو كونها مجرد ( وجهة نظر ) لا أكثر ولا أقل ، ولن تختلف عن غيرها من سيول التكهنات والاحتمالات التي تفجرت منذ أسبوع تقريباً حتى يومنا هذا الذي لازال مصير خاشقجي مجهولاً لحينه . السبب الأخير – والذي أخجل من ذكره – هو أنني تعودت ان تكون توقعاتي وتكهناتي خاطئة في أغلب الأحيان بعد انجلاء الحقيقة ! وهو لعمري سبب كفيل بجعلي أترك عالم السياسة والصحافة إلى غير ما رجعة ، إلا أن إغراء القلم والسطور الفارغة والأفكار المصطرعة في الوجدان يبقى أقوى من أي إغراء آخر .

وقبل أن أبداً لا بد أن أبين موقفي حيال كل من جمال خاشقجي ، وآل سعود ، ومحمد بن سلمان بحد ذاته – كونه علامة فارقة في تاريخ آل سعود أنفسهم – وذلك لكي يبني القارئ كل ما سيأتي بناء على تصريح واضح تمام الوضوح من طرفي حيال اطراف هذه القضية التي هي مجرد إفراز لأحداث وتوجهات ومتغيرات بالغة العمق جرت في السنوات الأخيرة في منطقتنا العربية ككل.

بداية ً لا بد أن تعرفوا تمام المعرفة بأن عداوتي لدولة الكيان الفارسي المدعوة ( إيران ) لا تضاهيها عداوة ، وكراهيتي لهم لا تفوقها أي كراهية ! وهذه قضية مفروغ منها بالنسبة إلي ، وهي ذات القضية التي يزاود بها علينا كل الجيش الإعلامي الواقعي والافتراضي الذي جيشه آل سعود لقمع كل من يعارضهم او يناوئهم ، تماماً كما كان نظام الأسد يزاود علينا بالمقاومة والممانعة ضد دولة الكيان الصهيوني كلما ثرنا ضده منذ الثمانينات حتى يومنا هذا ! بيت القصيد ، ان كراهيتي المطلقة لإيران لا تعني إطلاقاً أن اصطف إلى جانب المسار المخزي والمخجل والمذري الذي باتت المملكة العربية السعودية تسير فيه منذ أيام الملك خالد بن عبد العزيز … وانحداراً بشكل كارثي حتى أيام محمد بن سلمان ! وفي الوقت ذاته لا أستطيع أن أنجرف في التيار الأحمق الآخر الذي يصف آل سعود بأنهم ( آل سلول ) وينسفهم نسفاً من الأساس … فالملك ( فيصل بن عبد العزيز ) رحمه الله كان زينة آل سعود ومفخرتهم وتاج رؤوسهم جميعاً ، وكذلك كان بالنسبة لكل العرب ولا يزال … وهذا ما لا يجرؤ عاقل ولا منصف ولا رزين على إنكاره وجحوده .

إذا اتفقنا على ذلك ، وعزلنا بشكل عاقل ومنطقي تاريخ المملكة بين ( قبل وبعد ) فترة تولي الملك فيصل رحمه الله ، عندها يمكن لنا أن نتحدث عن المآل المذل والمخجل الذي آلت إليه المملكة حتى وصلت إلى آخر ما وصلت في عهد محمد بن سلمان وسياسته الرعناء الحمقاء في الانبطاح للأمريكان والاستئساد على الأحرار والمنتقدين ليس من أبناء شعبه وعروبته فحسب ، بل ضد العالم كله … وما قضية الخلاف بين كندا والمملكة ببعيد عنا . لست واحداً – ولن أكون – من أولئك المصطفين المطبلين لطرف على حساب آخر … ولقد قلتها واضحة صريحة منذ البداية : انني العدو رقم واحد لإيران ، ولكنني ضد سياسة بن سلمان الحمقاء الرعناء المجنونة المخجلة .

وبناءاً على موقفي هذا ، نستطيع ان نتفهم موقف جمال خاشقجي المطابق تماماً لكل ما شرحته سابقاً ، وعلى ضوء ذلك يمكنني أن أقول بالتالي أنني لطالما كنت ولا زلت منحازاً ومؤيداً لكل مواقف السيد جمال خاشقجي في كل القضايا العربية الراهنة بلا أي استثناء ! مواقفه من ثورات الربيع العربي ، والثورات المضادة ، والنهضة التركية ، وجماعة الاخوان المسلمين ، وحصار قطر ، والاحتلال الإيراني ، والاحتلال الروسي ، والاحتلال الأمريكي ، وغير ذلك من كل الخطوط العريضة التي تعنون حلبة المسرح العربي الحافل الزاخر بالأحداث .

إذاً فتأييدي المطلق لكل مواقف جمال خاشقجي ، وحبي واحترامي له شخصياً بسبب هذه المواقف … كل ذلك جعلني واحداً من الجمهور العريض الذي تعاطف واشتعل بسبب قضية اختفائه التي تفوح بروائح قوية جداً من أحط وأسفل ما يمكن ان تصل إليه البشرية ! فمهما كان حقيقة الذي جرى له – الأمر الذي لا زال مجهولاً لنا نحن العامّة على الأقل – فهو أمر معيب ومخجل ويثير في النفس أعتى درجات الغضب والألم . فلطالما كان المواطنون يلجؤون إلى سفارات وقنصليات بلدانهم طلباً للغوث والنجدة والأمان ، ولم يحدث حتى الآن في التاريخ كله أن تأذى إنسان داخل سفارة بلاده حتى وإن كان معارضاً لنظامها الحاكم ، وهو أمر كان الأجدر ان تقوم به دولة الإجرام الفارسي ، او عصابة آل الأسد الحاكمة … لا بلد يعتبر نفسه حامي حمى الإسلام ورمزه الأعلى كالمملكة العربية السعودية !

أعتذر إذ أطلت في دخولي إلى صلب الموضوع ، إلا انها كانت مقدمة لا بد من الدخول فيها لتوضيح نقاط شائكة دقيقة لا بد أن يعرفها قارئي قبل أن يتناول تحليلي نفسه . وهكذا وبناءاً على كل ما سبق … سأحاول الآن أن أجْمل وجهة نظري التحليلية لقصية خاشقجي في مجموعة من النقاط المترابطة التي يؤدي كل واحد منها منطقياً إلى الآخر ، وهاكم هي :
أولاً : غالب الظن أن جمال خاشقجي قد قُتل ! وهو أمر يعلم الله كم يؤلمني أن أتوقعه – مجرد توقع – ولا زلت إلى الآن أدعو الله أن يكون توقعاً خاطئاً ، وأن يكون جمال خاشقجي حياً يرزق في أي مكان حتى ولو كان سجون محمد بن سلمان . إلا أن كل القرائن – ولا أقول الدلائل – تشير إلى الآن بأنه مقتول ، وهو الأمر الذي صرحت به بعد ثلاثة أيام من اختفاء جمال عدة جهات في تركيا ، أمنية وإعلامية وسياسية ، ولكن بشكل ليس رسمياً تماماً ، وإنما هو في مكان ما بين الرسمي واللارسمي ! وقد كانت اللهجة التي صُرح بها تقترب من الجزم والقطع ، والدليل أن جهات إعلامية موثوقة ومرموقة كوكالة رويترز وقناة الجزيرة قد تلقفت هذه التصريحات وأذاعتها كمسلمات مفروغ منها … وهي جهات – أكرر – لم نعتد منها بث الشائعات وإنما التثبت والتأكد من الخبر وصحته قبل نشره . وبالرغم من أن تلك التصريحات لم تكن رسمية ، إلا أن شيئاً غامضاً فيها جعلها تنتشر بسرعة مريبة ، سرعة صادقت شخصيات سياسية معروفة ولها وزنها في تركيا كالدكتور ( ياسين أقطاي ) مستشار رئيس الجمهورية والعضو البارز في الحزب الحاكم ، وثقوا أنه ما كان ليتحدث بثقة عن مقتل خاشقجي مالم يكن متأكداً من ذلك ، والأهم … مالم تكن جهة عليا في الدولة التركية قد دفعته للحديث أصلاً عن ذلك !

ونقطة اخرة بالغة الأهمية تجعلنا نجزم بمقتل خاشقجي … وهذه النقطة هي مصداق لشطر الشعر القائل : ( يكاد المريب ان يقول خذوني ) ! فكل تصرفات السلطات السعودية وتصريحاتها المتخبطة منذ أن ثارت عاصفة اختفاء خاشقجي حتى اليوم تكاد تشير بشكل او بآخر إلى أنهم يخفون امراً ما … أمراً شنيعاً بشعاً لا يريدون لأحد ان يعرف عنه ! وإلا فما معنى تلك التصريحات المضحكة الغبية عن كون كاميرات المراقبة ( لا تسجل ) ؟ لو فتح أحدنا محل فول وفلافل وركب فيه كاميرا واحدة لألحق بها فوراً جهاز DVR لتسجل كل شيء بالتفصيل ! فما بالكم بمكان فائق الأهمية الأمنية كقنصلية او سفارة … فيه عشر كاميرات مراقبة على الأقل ؟ وهذا للعلم مجرد تفصيل واحد من سيل التفاصيل التي تشير بإصبع الاتهام وبكل وضوح إلى حقيقة أن السلطات السعودية تخفي أمراً سيئاً عن العالم كله .

بالرغم من كل ما سبق … فوجئنا في اليومين الماضيين – وخاصة بعد خطاب الرئيس أردوغان يوم الأحد الماضي – بنبرة تنازلية متخامدة لحدة التصريحات التركية المؤلمة بشأن مقتل خاشقجي ، حيث اختفت كلمة (اغتيال) من كل المانشيتات وشرائط الأخبار ، لتعود محلها كلمة (اختفاء) من جديد ! وتتالت التصريحات بأن الأمن التركي يحقق بالأمر وأن السعي للحقيقة لا زال جارياً وأن السعودية سترسل فريقاً للتعاون والتحقيق وستفتح قنصليتها للتفتيش … إلخ . كل ذلك بعد أن سادت لعدة أيام قبل يوم الأحد موجة عارمة من التأكيدات بأن خاشقجي قد قتل حتمياً وبما لا يقبل الشك . فلماذا هذا المد والجزر ؟ ومن ورائه فعلياً ؟ وما هدف الدولة التركية – وهي لم تفعل ما فعلت عبثاً بالتأكيد – من هذا الأمر كله ؟ لا أحد يعلم ! ولكن هذا ما سيقودنا للنقطة الثانية .

ثانياً : السلطات التركية تعرف الحقيقة حتماً ! وليس مؤخراً … بل لدي شبه يقين بأن الأمن التركي قد توصل إلى حقيقة مصير خاشقجي منذ اليوم الأول لاختفائه ! والسيناريو الكامل لتفاصيل المأساة التي حصلت لخاشقجي كان موضوعاً على مكتب رئاسة الجمهورية في اليوم التالي مباشرة ! ولا أستغرب ان نسخة من هذا السيناريو قد تم إيصالها من قبل الجهات الرسمية التركية في اليوم الثالث لتوضع على مكتب محمد بن سلمان شخصياً !!! لدي شبه يقين بأن تركيا تعرف كل التفاصيل كاملة ، ومحمد بن سلمان وتياره الحاكم يعرف ان تركيا تعرف !

في دولة فائقة التنظيم والدقة مثل تركيا ، لا يمكن لمجرم ان يفر بجريمته بهذه البساطة . ولقد سبق لنا ان رأينا بأنفسنا كيف عثرت الشرطة التركية على قتلة ومجرمين بعد أيام قليلة فقط من ارتكاب جرائم بسيطة . فكيف بقضية اشتعل لها العالم كله وراح ضحيتها رجل شديد الأهمية الدبلوماسية والسياسية والإعلامية كجمال خاشقجي ؟ كيف سيكون الأمر لو استنفرت كل أجهزة الأمن التركي عن بكرة أبيها لمعرفة مصير هذا الشخص المهم ؟ هل تتوقعون ان يعجزوا عن الوصول إلى الحقيقة حتى اليوم … وقد مرت ثمانية أيام على اختفائه ؟ لا أعتقد هذا بتاتاً !

الأمن التركي بات يعلم الحقيقة الكاملة بكل تفاصيلها الشنيعة ، ومن بعده تم إعلام السلطة السياسية في تركيا على أعلى المستويات ، تلك السلطة التي فضلت التحفظ على الخبر … والاكتفاء بنشر تلميحات خاطفة ، وتصريحات غير رسمية هنا وهناك ، بشكل مدروس وبغاية الدقة والعناية بهدف إيصال رسائل مهمة للشارع المحلي والدولي . ولا استغرب مطلقاً ان يكونوا قد بلغوا السلطات السعودية بكل ما توصلوا إليه من تفاصيل دقيقة … وهو الأمر الذي أرجحه بشدة ، وخاصة بعد نغمة التراجع والتحفظ التي عادت إليها تركيا منذ يومين ، ريثما يتم التوصل إلى حل . ماهو هذا الحل ؟ ومن هو المعني به ؟ ومن هم أطرافه أساساً ؟ وما هدف تركيا من التحفظ على الحقيقة بعد ان كشفت طرفاً منها ؟ ولو كان لديهم نوع من المفاوضات الآن مع السلطات السعودية ، فما هي الغاية التي تريد تركيا ان تصل إليها من هذه المفاوضات بعد أن بات موضوع مقتل خاشقجي شبه مفروغ منه ؟ لا أحد يعلم …. ولكن ذلك سيقودنا حتماً إلى النقطة الثالثة .

ثالثاً : السعودية الآن أدركت تماماً انها في ورطة حقيقية ! ولكن عندما نقول كلمة ( السعودية ) لا بد لنا أن نميز يقيناً بين طرفين يميزان الساحة السعودية في الوقت الراهن بعد ان أحدث محمد بن سلمان شرخاً حقيقياً في العائلة الحاكمة نفسها برعونته وطيشه وتعجرفه الشديد . الطرف الأول هو تيار محمد بن سلمان طبعاً …. وهو التيار الذي يزداد قوة داخل المملكة بشكل مرعب لم يعد بعده أي شخص آخر قادر على إيقافه لا من داخل الأسرة الحاكمة ولا من قبل أجهزة الدولة ولا من قبل الملك سلمان نفسه ! هذا التيار الذي يفعل ما يحلو له في الداخل والخارج بكل وقاحة البلطجي الأزعر الذي لا يقيده ضابط ولا رابط … يقمع حرية الرأي ويبيح حرية الانفلات الأخلاقي والمجتمعي ، ينكل بالأحرار والعلماء ، يدخل حروباً دونكيشوتية لا قبل له بها بحجة محاربة إيران وهو لا يقوى على محاربتها أساساً ، ويعطي الجزية والإتاوات الضخمة للبلطجي الأكبر … الولايات المتحدة الأمريكية ، فقط … لكي تغض النظر عن طيشه وحمقه وإجرامه في الداخل والخارج .

التيار الآخر هو من النظام الحاكم أيضاً ، وهو من نفس مدرسة الانبطاح والطيش اللذان انحدرت إليهما المملكة بعد اغتيال الملك فيصل رحمه الله … إلا أن هذا التيار لا يزال يحتفظ على الأقل ببعض العقلانية السياسية البراغماتية بما كان يحفظ للممكلة ماء وجهها السياسي على الأقل في الأيام الماضيات ! هذا التيار اصطدم مراراً ببن سلمان الطائش المراهق المتهور … وربما علت نبرة هذا الصدام او انخفضت بين كل حين وحين ، إلا أنه لا يجد مؤخراً إلا الانصياع شيئاً فشيئاً لنفوذ بن سلمان الآخذ بالتزايد بشكل مرعب .

نقطة أخرى مهمة جداً … وهي أن علاقة المملكة مع تركيا كانت دائماً رهناً للتجاذبات بين هذين التيارين ، فالتيار الدبلوماسي البراغماتي كان يرغب دائماً بكسب حليف محلي قوي راسخ العلاقات التاريخية كتركيا ، بينما تيار محمد بن سلمان بغروره وعجرفته وتبعيته للغرب وللماسونية العالمية كان دائماً يحاول اختلاق المشاكل مع الدولة التركية الحديثة الناهضة بقيادة حزب العدالة والتنمية ، وهو الذي لطالما كان السبب في كل تنافر وتجاف ٍ يسود العلاقات السعودية التركية البالغة التشابك والتعقيد أساساً . وهذا سيقودنا بالتالي لقضية الثورة السورية ، التي لطالما حاول التيار السياسي المعتدل في السعودية أن يدعمها وبالتعاون مع تركيا ، بينما انقلب الأمر تماماً بعد أن استبد محمد بن سلمان بالسلطة ليسهم جلياً في وأد الثورة السورية … بل ودعم أعدائها وأعداء تركيا من الجماعات الانفصالية التابعة لحزب العمال الكردستاني ، بل وصل بهم الأمر إلى التلميح مراراً بعدم وجود مشكلة بينهم وبين الأسد نفسه ! ومحاولاتهم المتوارية دائماً لاستعادة أواصر العلاقات الحميمة معه ومع نظامه الفاشي المجرم .

المهم … ان حادثة جمال خاشقجي … ستكون منعطفاً مهماً في العلاقة بين هذين التيارين !
تحليلي الشخصي … أن محمد بن سلمان بثأره الشخصي مع خاشقجي ، وبكل ما يحمله من رعونة وعجرفة البلطجي المجرم الذي يفعل ما يحلو له دون أن يهاب أحداً ودون أن يوقفه أي شيء … قد قام فعلاً وبأوامر منه وتخطيط من عصاباته الأمنية الخاصة باستدراج خاشقجي وقتله داخل القنصلية ! كما لا أستبعد أن تكون إشاعة مقطع الفيديو الذي تم تصويره لخاشقجي وهو يتعرض للتعذيب داخل القنصلية ومن ثم يقتل بدم بارد لكي يتم إيصال كل هذا إلى محمد بن سلمان شخصياً … لا أستبعد أن يكون هذا الأمر حقيقة وقد تم بأوامر من ابن سلمان شخصياً ! فذلك يلائم طبيعة المراهق المنفلت المتعجرف التي تميزه … وذلك سيشبع حتماً حقده وسيشفي غليله من خاشقجي الذي كشف الكثير من المستور بعد انقلابه على آل سعود ومغادرته للمملكة ليقيم لاحقاً في تركيا التي احتضنته ودعمت كل توجهاته .

أقدمت عصابات محمد بن سلمان على قتل خاشقجي فعلاً ! وربما تم تقطيع جثته ورميها في مكان ما في إسطنبول … وربما تم إخفاء الجثة بطريقة ما … وربما تم نقلها بشكل أو بآخر إلى خارج تركيا وتم التخلص منها في مكان ما … المهم أن شيئاً بشعاً قد حصل لجمال خاشقجي … شيئاً تم بمعرفة بل وبتدبير أجهزة أمن محمد بن سلمان … إلا أنهم لم يدركوا عواقبه ، او بالأحرى لم يدركوا طبيعة البلد الذي يتعاملون معه هذه المرة … ولكن هذا لا ينفي أيضاً حماقتهم وغبائهم في تنفيذ جريمة كتلك بحيث كان موضوع انكشاف جريمتهم مسألة مفروغاً منها بالنسبة لأجهزة الأمن التركية !

ما حدث هو ان الجريمة تمت ، والقصة انكشفت فوراً على يد السلطات التركية ! تأتي الآن التبعات السياسية لهذه الجريمة ، تلك التبعات التي إما لم يجد محمد بن سلمان حسابها واستهان بها … او إما أنه أدركها منذ البداية ، ولكنه اندفع في تنفيذ جريمته بكل غباء وغطرسة الحقد الذي أعمى بصيرته ، فلم يدرك مدى هول ما صنع إلا بعد ان نفذ الجريمة ، وبدأت على اثرها تباشير العواصف تلوح ضده في الأفق … ليدرك أنه ارتكب جريمة تعد سابقة لا مثيل لها في التاريخ كله … جريمة لم يجرؤ حتى الآن أي نظام فاشي نازي مجرم على الإتيان بها ! ليتضح له شيئاً فشيئاً مدى هول ما فعل ، وأنه أمر سيؤدي إلى زلزال لن يطيح به فحسب ، وإنما سيطيح بالمملكة ومكانتها السياسية في العالم أجمع .

تركيا أيضاً ادركت ذلك ! وعرفت ان هذه الجريمة التي ارتكبها ذلك الصبي الأحمق ستدمر بلاده بأسرها ، لأنها سابقة خطيرة في كل الأعراف الدبلوماسية والإنسانية . وكما يتوجه الجار الذي كسر ابن الجيران زجاج بيته إلى أبيه لكي يشكوه إليه ويحسن تربيته بدلاً من أن يضربه هو بنفسه او يسلمه للشرطة … لملمت تركيا اطراف الزجاج المكسور بكل هدوء ، وتوجهت إلى من هو احكم وأقدر وأكثر عقلانية من هذا الصبي الأحمق المتهور المتعجرف لكي تتفاهم معه ، لأنها أدركت أن ضرب هذا الصبي أو تسليمه للمجتمع الدولي سيؤدي على فيضان عارم سيهدم المملكة في فترة فائقة الحساسية من التاريخ ! وهكذا كان أن تواصلت تركيا فوراً مع التيار المضاد داخل النظام السعودي الحاكم بغية التوصل إلى حل يحفظ المملكة من هذا التصرف البشع الذي أقدم عليه صبيها المدلل الأهوج .

وليس هذا فقط … أعتقد – والله أعلم – بأن بن سلمان نفسه قد هرع إلى التيار المضاد له داخل النظام لكي يبادر فوراً إلى إنقاذه من هذه الورطة الشنيعة بعد أن صحا من سكرة عجرفته وغروره وأدرك بشاعة ما ارتكب ! وبالفعل تحرك الجميع هذه المرة كيد واحدة داخل النظام السعودي الحاكم لأن كيانهم ووجودهم بحد ذاته بات مهدداً … وأسلموا الأمر هذه المرة لزمام التيار العقلاني السياسي البراغماتي الذي بادر فوراً للتواصل مع تركيا …. تركيا التي سارعت هي أساساً لطلب التواصل معه قبل أن يطلبوا هم ذلك ، لأن السلطة الحاكمة في تركيا – بحكمتها وغيرتها على العالم الإسلامي ككل – أدركت أن حماقة كالتي ارتكبها بن سلمان ستودي هذه المرة بالمنطقة كلها إلى هاوية لا قرار لها .

وهكذا ارتأت تركيا ان تمنح السعودية فرصة للخروج من هذه الورطة الشنيعة ، بعد ان أوحت بطرق غير مباشرة للعالم كله بأنها تمسك بزمام الحقيقة الكاملة لما جرى مع خاشقجي وقتلته . ولكن ما هي الحلول المطروحة الآن ؟ وكيف يمكن أن ينجو النظام الرسمي السعودي من هذه الجريمة الغير تقليدية ويخرج بماء وجهه من فضيحة كفيلة لا بالقضاء على المستقبل السياسي لولي عهده المدلل ، بل كفيلة بالقضاء على العائلة المالكة ونظامها كله ؟ كيف يمكن لتركيا أن تتعاون مع الطرف العقلاني في المملكة بعد أن بات كشف تفاصيل الجريمة قاب قوسين أو أدنى من الإعلان الرسمي المرفق بالأدلة القاطعة ؟ هذا ما سيقودنا للنقطة الرابعة .

رابعاً : بتحليلي الشخصي – القاصر جداً – أعتقد أن تركيا ستكتفي بإعلان مقتل خاشقجي فقط والعثور على جثته او أشلائه ، ولكنها لن تشير علانية إلى أطراف الجريمة في الوقت الراهن مع يقيني بمعرفتهم الكاملة لكل تفاصيل الجريمة ومنفذيها . ستبقي تركيا ملف القتلة مغلقاً حفظاً لعلاقتها مع التيار العقلاني في السعودية أولاً ، وخوفاً على المنطقة بأسرها من زلزال عارم – سيكون في مصلحة كل من إيران وإسرائيل بالدرجة الأولى – سيودي بالمملكة وجاراتها كلهن إلى مستقبل مجهول . السيناريوهات المتوقعة هي إما التأجيل والتسويف والمماطلة في التحقيقات الصورية الشكلية كما حدث طوال 13 عاماً في قضية اغتيال رفيق الحريري رحمه الله التي لم تغلق أو تحل حتى يومنا هذا ، أو اختلاق فبركة معينة تتعاون فيها كل من المخابرات التركية والسعودية لإقناع الرأي العام بأن هناك ( طرفاً ثالثاً ) يريد الأذى لتركيا او للسعودية ، وقد قام هذا الطرف بالتخطيط لهذه الجريمة وتنفيذها والإيحاء بأنها تمت بتآمر سعودي ! وطبعاً هذا الاتفاق لن يكون بلا ثمن … بل كما قلنا آنفاً ستستخدمه تركيا كورقة ضغط للجم مافيا ابن سلمان وتصرفاتها الطائشة في المنطقة ، وهي غاية مشروعة بحد ذاتها .
خلاصة الموضوع : الأيام القليلة القادمة ستحمل الكثير من المفاجآت ! قد يكون بعضها مطابقاً لتحليلي المتواضع هذا وقد لا يكون . الشيء الوحيد المسلم به في هذه القضية المؤلمة هو أن أحداً لم يعد في مأمن مهما كان مكانه في هذا العالم وأياً كان مكانه ! مادام الأمر قد وصل إلى التعذيب والقتل داخل السفارات والقنصليات ، ومن قبل دول لم نتخيل يوماً ان تقدم على ذلك … فعلى هذا العالم السلام ، أو … فلنجلس ونترقب النيزك الذي طال انتظاره … طال كثيراً جداً !

بواسطة
محمد الأطرش
المصدر
نيوز سنتر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: