أراءمقالات رأي

القس الأمريكي والثمن الذي دفعته تركيا

بقلم: ياسر عبد العزيز

هبة حجازي ناشطة أمريكية من أصول مصرية تم القبض عليها في 2014 ووجهت لها النيابة المصرية تهم إدارة وتأسيس جماعة بغرض الإتجار بالبشر، والاستغلال الجنسي للأطفال، وهتك العرض والخطف بالتحايل والإكراه للأطفال، وهي التهم الكفيلة بإبقاء آية مدة ليست بالقصيرة في سجون النظام المصري.

وكانت قضية آية حجازي أثارت اهتمام إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وإدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب، حيث دعا البيت الأبيض النظام المصري لإسقاط جميع التهم المنسوبة لحجازي وإطلاق سراحها، وهو ما قابله المتحدث باسم خارجية النظام المصري أحمد أبو زيد باستنكار واصفا إصرار الإدارة الأميركية بأنها مصرة على الاستهانة بمبدأ سيادة القانون.

لكن وعلى الرغم من تصريحات أبوزيد، فإن النظام المصري أطلق سراح آية ومن معها في القضية مسقطا بذلك سيادة القانون الذي تحدث عنه ممثل خارجيته، ففي حوار أدلى به ترامب لصحيفة واشنطن إكزامينر نشر في 30 أبريل 2017 أعرب ترامب عن فخره بما أنجز بعدما التقى رأس النظام في مصر في البيت الأبيض، إذ نقلت الصحيفة عن ترامب قوله: “كما تعرف، فإن الرئيس أوباما حاول الإفراج عن آية على مدى ثلاث سنوات ونصف العام، لكنني في جلسة مع السيسي، لم تتجاوز 10 دقائق، أنهيت الموضوع.

على الطرف الاخر من المتوسط نشبت أزمة بين تركيا وأمريكا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016 حيث اتهمت تركيا القس أندرو برونسون بالتعاون مع المتهم الرئيس في محاولة الانقلاب الفاشلة فتح الله جولن، وهي التهمة التي على إثرها تم القبض على برونسون وتقديمه للمحاكة، وعلى الرغم من مطالبات ترامب إطلاق سراحه إلا أن الرد التركي المتمثل في رفض الرئيس أردوغان كان قاسيا على الرئيس الأمريكي الذي اعتاد أن يأمر فيطاع عالقا في ذاكرته قضية آية حجازي.

بعد إطلاق المحكمة سراح القس الأمريكي بعد الحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات مع إيقاف التنفيذ، انبرى البعض في جلد تركيا والتهكم على الرئيس اردوغان والتقليل من السيادة التركية وجمعها في سلة مع ما ينعم به النظام المصري من انبطاح فطري أمام الغرب كافة وأمريكا خاصة، في مقارنة صغيرة بين القضيتين، تقف دولة المؤسسات حائلا بين جمع الإدارة المصرية مع التركية في مقارنة، فالقياس فاسد كما يقول الأصوليون، فالقضاء التركي مستقل بشهادة المجتمع الدولي لالتزامه بمعايير العدالة الدولية الواردة بالمواثيق الأممية على عكس القضاء المصري المشهور بأحكامه المسيسة، كما أن القيادة السياسية في تركيا على خلاف النظام في مصر منتخبة وبالتالي تعمل بشكل لامجال للشك لصالح بلدها وشعبها الذي يستطيع محاسبتها عقابيا بإسقاطها في الانتخابات القادمة المنتظرة في مارس القادم.

وقد زاد المشككون من غلوائهم وربطوا قضية القس الأمريكي مع أزمة اختفاء الكاتب السعودي جمال خاشقجي، وهو أبعد ما يكون عن المسار الصحيح للتحليل حيث أن تاريخ محاكمة القس الأمريكي كان محدداً سلفاً منذ شهور، والنتيجة التي وصل إليها (إطلاق سراحه) كانت متوقعة إلى حد كبير، ويعرف ذلك المتابع للقضية من خلال الإعلام التركي، المهتم بشكل كبير بقضية القس لدرجة فرد مساحات كبيرة وتغطيات إخبارية وتحليلية للقضية، حيث تمس السياسة الخارجية التركية بشكل مباشر، كما أنها أثرت بشكل لا يمكن أن ينكره أحد على الحياة اليومية للمواطن التركي بعد العقوبات الأمريكية على  الاقتصاد التركي، وهو ما جعل القضية تتصدر في الأهمية ما يهتم به الشارع العربي (قضية خاشقجي).

لذا فإن الثمن الذي دفعته تركيا باهظ جدا في قضية القس، فلقد نزف الاقتصاد التركي وعانى المواطن التركي بشكل حقيقي دفاعا عن المؤسساتية وسيادة دولتها وخروجها من تحت عباءة التبعية الغربية، وحفاظا على مكانتها التي تسعى لتثبيتها في المجتمع الدولي، ومحو الصورة النمطية المنبطحة لتركيا ما قبل العدالة والتنمية، في المقابل لم يدفع النظام المصري بل جنى وراء انبطاحه، رفع الحظر عن الدعم الأمريكي المتحفظ عليه منذ إدارة أوباما على خلفية الانقلاب العسكري وما تبعه من حالة حقوقية متردية تعيشها مصر منذ ذلك الوقت.

بون كبير بين أن تبذل من أجل كرامتك وسيادة وطنك، وأن تبذل لتوثق صك عبوديتك.

بواسطة
ياسر عبد العزيز
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: