أخبار تركيا

ما سر المشاجرات سريعة الاشتعال بين السوريين والأتراك في أورفا؟

بعد أسبوع من التوتر الذي أعقب شجاراً مسلحاً بين عائلتين سورية وتركية من أصول عربية خلف قتلى، يعود الهدوء تدريجياً إلى ولاية شانلي أورفا جنوب تركيا، ويعود مصعب محمود (اسم مستعار) لافتتاح محله للمرة الأولى منذ أيام في حي العثمانية في منطقة الأيوبية، بعد التزام آلاف اللاجئين السوريين منازلهم استجابة لدعوات التهدئة الحكومية.

يتفقد “محمود” بعض الأضرار ويكنس الزجاج المتكسر أمام واجهة محل الألبسة الذي يستأجره، يقبل بصعوبة التحدث للإعلام لكن بدون تصوير يقول “إن خسائري بسيطة مقارنة بغيري لدي بعض الزجاج المكسر والألبسة المتضررة، لم أتمكن بعد من حصر خسائري ولكنها بسيطة مقارنة بالمطاعم التي تضررت معداتها وفسدت موادها”.

مصعب محمود واحد من عشرات التجار السوريين الذين كانت محالهم التجارية هدفاً لاعتداءات المتظاهرين الغاضبين في منطقة الأيوبية وسط أورفا والتي كانت مسرحا لمظاهرات احتجاجية دعت لترحيل السوريين خارج الحدود عقب الشجار الأخير.

وأظهرت الأشرطة المصورة التي بثتها وسائل الإعلام المحلية التركية تواجدا أمنياً مكثفاً وحضورا لعناصر الشرطة ورجال الأمن الذين فرقوا المحتجين واعتقلوا خمسة عشر من المحرضين والمنفذين لأعمال الاعتداء.

دعوات حكومية وعشائرية للتهدئة

صدرت دعوات للتهدئة حكومية وأخرى مدنية عبر بيان مكتوب عن عشيرة بني عجل التركية من أصول عربية تترحم فيه على اثنين من قتلاها في الشجار المسلح وتطالب أبناءها بالاحتكام للعقل وضبط النفس والاستجابة لدعوات الحكومة بالتهدئة، ولاحقا تحدث رئيس العشيرة إلى الإعلام التركي مكرراً المطالب ذاتها، دون أن تلقى دعوته أذناً صاغية من المحتجين الغاضبين.

فالمشهد في أورفا مألوفا  بل و قابلاً للتنبؤ،  فعقب أي  شجار يحدث، سرعان ما يتطور إلى مظاهرات احتجاجية تنادي بترحيل السوريين، إضافة للاعتداء على ممتلكاتهم، ما يستدعي في كل مرة تدخلا أمنيا، ففي العام الماضي و تحديدا في آذار عمت موجة احتجاج مركز المدينة في أورفا مطالبة بترحيل السوريين والاعتداء على ممتلكاتهم وذلك عقب شجار بين رجل تركي و زوجته في مكان عام ولأنهم يتكلمون العربية لكونهم مما يعرف بعرب أورفا اعتقد أحد المارة أنهم سوريون و من ثم أُشيعَ خبرٌ أن سورياً يعتدي على تركية بالضرب ليتحول إلى موجة احتجاج مماثلة لتلك التي حدثت قبل أيام ليُعاد السناريو ذاته في كثير من الحوادث المشابهة تماما.

ما سر المشاجرات السريعة الاشتعال

السؤال لماذا تكون المشاجرات في أورفا دائما سريعة الاشتعال وقابلة للتطور إلى ردة فعل جماعية تطالب بترحيل السوريين والاعتداء على ممتلكاتهم واستدعاء التدخل الأمني لحماية اللاجئين السوريين.

يقول عبد العزيز خليفة وهو كاتب وصحفي سوري من الحسكة “إن التركيبة الديمغرافية الخاصة بولاية أورفا تجعل من التكوين الاجتماعي فيها جاهزا لتبني ردة فعل جماعية دائما تظهر على شكل مظاهرات واحتجاجات تدعو لرحيل السوريين”

ويضيف “أن هذه التركيبة الديمغرافية معقدة للغاية وهي أشبه ما تكون بتجمع عشائر من أعراق مختلفة. فهناك عشائر كردية وتركية وأخرى تركية من أصول عربية ولاحقا العشائر السورية، وعقلية المجتمع هناك تمنح سلطة واسعة للعشيرة هذا ما من شأنه أن يجعل المجتمع في أورفا جاهزاً لتبني ردة فعل جماعية حتى لو كانت أخطاء السوريين فردية وناجمة عن أشخاص محددين بعينهم”.

وتشير الإحصاءات الحكومية الرسمية إلى أن عدد سكان ولاية أورفا بلغ في العام الحالي مليونين وثلاثين ألفا تقريباً، فيما تقول أرقام دائرة الهجرة في الولاية إنّ عدد الضيوف السوريين بلغ قرابة ثلاثمئة ألف لاجئ مسجل ومثلهم غير مسجل. أي بمعنى آخر هناك سوري من بين كل أربعة أشخاص في أورفا وبهذا تكون أورفا الولاية التركية الأولى لجهة عدد السوريين فيها.

يقول مضر حماد الأسعد وهو صحفي سوري مقيم في أورفا: “إن هذه الكتلة الكبيرة للسوريين في أورفا تزيد من فرص الاحتكاك بين الطرفين وبالتالي فرص حدوث مشكلات سيما وأن تواجد مئات آلاف السوريين قد يثير مخاوف من تغيير التركيبة المجتمعية للولاية فضلاً عن تنوع الأعراق في المدينة بالأصل وخاصة من الأطراف المعارضة لسياسة الحكومة في استضافة اللاجئين السوريين والتي تستثمر أي خلاف فردي بين السوريين والأتراك لتأكيد رفضهم للوجود السوري في المدينة وتبرير قيامهم بأعمال عدائية تجاه ممتلكات السوريين”.

من هم السوريون المطلوب إخراجهم في أورفا؟

ومنذ عام 2011 وحتى اليوم نزح إلى أورفا قرابة سبعمئة ألف لاجئ غالبيتهم الساحقة من الحسكة ودير الزور والرقة، وقسم كبير من اللاجئين السوريين في أورفا هجروا من مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” وأجبروا على ترك منازلهم في الجزيرة السورية كتل تمر وتل أبيض وغيرها وهو ما يرجح احتمالية وجود عناصر تتبع لـ “قسد” تستثمر هذه الخلافات في الولاية.

يقول الصحفي عبو الحسو المتخصص في الشأن التركي وشؤون اللاجئين السوريين “إن بصمات عناصر تنظيم بي كي كي (حزب العمال الكردستاني) واضحة من خلال الاعتماد على الأطفال المراهقين من القُصَر ممن هم دون الثمانية عشر عاماً واستغلالهم كأدوات لتنفيذ اعتداءات على ممتلكات السوريين لسهولة إطلاق سراحهم فيما بعد وهو أسلوب قديم ينتهجه بي كي كي”.

وهو ما ظهر فعلاً في عدد من الأشرطة التي صورت قاصرين يهاجمون محال السوريين ويعتدون عليها سيما وأنها سهلة التمييز من خلال اللافتات المكتوبة باللغة العربية.

استياء مسبق من طريقة عيش السوريين

وبالعودة لتركيبة المجتمع الأورفلي نجد أن معظمه يتحدث العربية سواء أكانوا أكراداً أو ما يعرف بعرب أورفا وهم الأتراك من أصول عربية ورغم ذوبان فرق اللغة والاشتراك في الكثير من العادات الاجتماعية إلا أن ثمة استياء واحتقان لدى الأورفليين من نمط حياة السوريين في المدينة بشكل عام.

ظهر هذا واضحاً خلال اللقاء الذي جمع والي أورفا مع أكثر من ثلاثين منظمة مجتمع مدني ووجهاء عشائر، وحقوقيين

لم يكن سرا إبداء بعض المواطنين الأتراك استياءهم من نمط حياة السوريين في الولاية، كانتقادهم لتدخين السوريين الأركيلة أمام واجهات محالهم، فضلاً عن سهرهم لأوقات متأخرة بما يتنافى مع عادات المدينة المجتمعية التي تنام وتصحو باكرا فضلا عن الاحتقان المرتبط بفكرة أن السوري هرب وتخلى عن بلاده.

إذا فالتوتر السريع الاشتعال في أورفا له أسبابه القديمة، والمتراكمة بحيث يكون أي شجار مهما كان بسيطاً يتحول إلى شرارة تشعل الشارع التركي في أورفا.

وبالفعل فقد جاءت تعليمات الولاية للسوريين بالتزام منازلهم في الفترة التالية للشجار وعدم ركن سياراتهم في الشوارع الفرعية وعدم التجمع في الساحات العامة وإظهار مزيد من الاندماج مع عادات المجتمع المضيف كالهدوء وإغلاق المحال التجارية مبكرا وافتتاحها مبكراً.

وسبق أن تناولت وسائل إعلام تركية محلية التأثير والتغيير المجتمعي الذي أحدثه تواجد السوريين في أورفا من حيث تشجيع السوريات للتركيات على ارتياد المقاهي بكثرة وتدخين الأركيلة أو لجهة تعدد الزوجات التي تعتبر مسألة متاحة في سوريا ولكن القانون التركي لا يسمح بالتعدد ما أثار حفيظة كثيرين من أهل أورفا وفقاً لبحث تركي تداولته مواقع تركية

وتعتبر أورفا مدينة محافظة وتشتهر بكونها معلما للساحة الدينية بوجود مقام النبي إبراهيم فيها ومقام النبي أيوب حتى أنها تسمى مدينة الأنبياء.

وهو ما يجعل ساكنيها وفقا لعلم النفس الاجتماعي أكثر تخوفا من كل تغيير وأكثر حساسية تجاه الغرباء إن صح التعبير ونستطيع تفهم هذه الحالة الخاصة بأورفا إذا ما قارناها بمدينة كلس التي يتوفق عدد السوريين فيها على الأتراك ونادرا أن تسمع عن حوادث شجار بين السوريين والأتراك هناك.

السوري هو الضحية وهو الجاني

وبشكل عام ماتزال هناك حلقات مفقودة في كيفية تبصير السوريين بحقوقهم في تركيا وكيفية تحصيلها والاستفادة من القانون في حال التعرض.

 يقول عبد العزيز خليفة “نحتاج لورش عمل جادة تبين للسوريين كيفية تحصيل حقوقهم في تركيا كثيرا ما نسمع عن عمال سوريين تم استغلالهم وتشغيلهم ومن ثم عن دفع مستحقاتهم من قبل أرباب العمل الأتراك ما يدفع بعض اللاجئين لتحصيل حقوقهم بأنفسهم وبطرق عدوانية غير مشروعة لجهلهم بآلية الشكوى والطرق القانونية”.

ورغم حقيقة وجود مثل هذه القضايا ولكن لا يمكن تسويق اللاجئ السوري باعتباره ضحية ففي كثير من الأحيان يكون السوري هو الجاني وليس الضحية كما حدث عام 2015 عقب سرقة سوري لجوال مواطن تركي، والتي تحولت فورا لقضية رأي عام واحتجاجات تنادي بإخراج السوريين.

يطالب المضيفون الأتراك ضيوفهم السوريين بمزيد من الحذر والتدقيق في تصرفاتهم وسلوكياتهم اليومية. يبقون ضيوفاً أو هاربين من الموت ولا يمكنهم التصرف في البلدات والمدن المضيفة كما لو كانت أوطانهم الأصلية والسوريون مطالبون بمزيد من الاندماج في المجتمع التركي والتماهي مع عاداته وتقاليده وحتى لغته، فالمجتمع التركي في أورفا جاهز لتبني ردة فعل عامة وقوية حتى لو كان الخطأ فردياً من سوري هنا أو هناك. فهو خارج بلاده الحلقة الأضعف أينما كان.

المصدر
مواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: