دولي

التسول باسم السوريين.. تجارة رابحة متعددة الجنسيات في عاصمة النور

لا يكاد يخلو شارع مشهور أو محطة “مترو” رئيسية في العاصمة الفرنسية باريس، من وجود متسولين يحملون لافتات كتب عليها “عائلة سورية بحاجة للمساعدة”، مستغلين استعطاف الشعب الفرنسي مع المأساة السورية، ولهذا نذروا أنفسهم فرادى وجماعات في سبيل حلمهم الذي يهدف إلى جني مبالغ كبيرة من الأموال.

قد تكثر حالات التسول في مجتمعات فقيرة، ودول لا تقدم لمواطنيها أي مساعدة، وهذا امر طبيعي، لكن العجيب أن يقدم الآلاف على التسول في أوروبا المعروفة بغناها وخدماتها الكثيرة المقدمة لكل من تطأ قدماه أرضها، وهو ما أثار جملة كبيرة من علامات الاستفهام حول كل من يقوم بهذه الأعمال.

قبل أيام نشرت نجمة السينما الأميركية “ليندسي لوهان” على حسابها في “إنستغرام” تجربتها مع هؤلاء الأشخاص، بعد أن قابلت أسرة قالت إنها “سورية” في شوارع العاصمة الفرنسية باريس، وظهر في الفيديو محاولة “لوهان” إقناع الأم الذهاب معها لتوفير مبيت للأم والأولاد الصغار، لكن عرض “لوهان” قوبل بالرفض ما دفعها لاتهام الأم بالمتاجرة بالأطفال والتشكيك بأن الأطفال أولادها الحقيقيون.
محاولات “لوهان” باءت جميعها بالفشل ولم تأت بأي نتيجة، وعندما أصرت وألحت على الأم، قامت الأخيرة بصفعها والابتعاد عنها.

“السوريون ليسوا شحادين”
الناشط “أنس الأيوبي” أكد على أن هؤلاء الأشخاص يستغلون الحالة السورية من أجل تنفيذ أهدافهم بجمع الأموال، مشددا على أنهم يشوهون صورة الشعب السوري برفعهم لافتات باسمه، فالتسول كما يقول لا يحتاج إلى لافتات ولا إيقاف المارة بالطريق ولا النداء بالصوت العالي “عائلة سورية محتاجة” للفت الانتباه واستدرار العطف، لأنه في هذه الحالة يتحول إلى استهجان من قبل الجميع، وأخذ فكرة سلبية عن السوريين.

وأرجع “الأيوبي” سبب وقوفه بوجه هذه الظاهرة، لأمرين اثنين، أولهما لأن هذه الحالات تتم باسم سوريا والسوريين، وثانيهما لأن البلاد الأوروبية توفر للاجئ المسكن والطبابة المجانية ومساعدات مالية تؤمن له الطعام والمواصلات، وهو بالتالي ليس بحاجة للتسول، كما أن فرص العمل متوفرة لجميع الراغبين سواء كانوا ذكورا أو إناثا.

ولم يستبعد “الأيوبي” وقوف ما أسماها بـ”العصابات” وراء هؤلاء الأشخاص خصوصا وأنه هدد بالقتل بسبب ملاحقته لهم، كما هدد بطفلته، موضحا بأن كل من يحاول ثنيهم عن هذه الظاهرة وتوجيههم للجمعيات الخيرية يتعرض للضرب والإهانة.

وقال “الأيوبي”: “في البداية كنت أذهب إلى مناطق تواجدهم من أجل إرشادهم إلى الجمعيات والوسائل التي تضمن لهم العيش بكرامة كالتقدم إلى مؤسسات الدولة الفرنسية للحصول على اللجوء وهو ما سيمنحهم المساعدة الحكومية وتصاريح العمل، لكن تبين لاحقا أن غالبيتهم يملك أوراقا رسمية في فرنسا وبلجيكا وألمانيا وإيطاليا، وأن التسول هو مهنتهم الأساسية ووسيلتهم من أجل جمع الأموال”.

وأضاف: “يوجد قسم كبير منهم لا يعرف أين تقع سوريا، لكنه رأى في انتحال هذه الجنسية يخدمه في تسوله ويكسبه أمولا أكثر.. أما السوريون الذين يمارسون هذه التجارة الرخيصة، غالبيتهم العظمى لديهم سكن مريح ويملكون سيارات فخمة”.

وتابع: “حملت لافتة كتب عليها (السوريون ليسوا شحادين) ووقفت أمام المساجد وفي الأسواق ومحطات المترو لكي أخبر العالم أننا أهل الكرامة والعزة ولا نقبل أن يطلق علينا لقب (شحادين)..وجدت تجاوبا كبيرا من المجتمع الفرنسي والكثير منهم وقف إلى جانبي، وأصبح يشرح للمارة هدفي من الحملة ومن هم أصحاب اللافتات”.

وانتقد الناشط “الأيوبي” عدم اهتمام السوريين في فرنسا بمحاربة هذه الظاهرة، مطالبا بتشكيل جمعيات تقف في وجه كل من يحاول تشويه الصورة السورية، ومشددا على أهمية التكاتف والتعاون لاجتثاث كل العادات السيئة التي تؤثر على سمعة السوريين.

الجمعيات الخيرية لا تملك حلولا
مع مرور الأيام تفاقمت ظاهرة التسول في ظل عدم وجود قوانين فرنسية رادعة، ما أثقل كاهل السوري الذي يرى أمام أعينه من يشوه سمعته أمام المجتمعات الغربية، لدرجة أن كثرا غيروا طريقهم من أجل عدم مشاهدة المتسولين أو الاحتكاك معهم.

المساعد الاجتماعي “أمين العاسمي” الذي يعمل في إحدى جمعيات اللاجئين بباريس، أكد على أن غالبية المتسولين باسم السوريين يملكون أوراق إقامة رسمية ويأخذون مساعدات حكومية، نافيا كل ادعاءات المتسولين بالحاجة، لأن القوانين الفرنسية تضمن حقوق العاطل عن العمل قبل العامل، بما يكفل له حياة كريمة لا ينقصها شيء.

وأفاد “العاسمي” بأن غالبية الجمعيات الفرنسية توجهت للمتسولين وحاولت احتضانهم، لكنهم لم يتجاوبوا معها على الإطلاق، لدرجة أن الكثير من ممثلي الجمعيات تعرضوا للضرب والإهانة، وهذا ما يشير إلى أن قرار مزاولة التسول متخذ من قبل ولا يوجد سبب يمنع من هذه المزاولة مهما كثرت الإغراءات والعروض.

وقال “العاسمي”: “بدأت الظاهرة منتصف عام 2014 عندما استقر نحو 160 شخصا في منطقة (Saint-Ouen) شمال باريس، وبعدها بدؤوا يتزايدون وينتشرون في كل المناطق، مشيرا إلى أنهم يتناوبون في الجلوس بالمناطق الحيوية والسياحية مثل محطات المترو الرئيسية كـ(Saint-Lazare) وشارع الشانزليزية والأسواق المتواجدة في المناطق التي يكثر بها العرب.

وأضاف “العاسمي” أن هذه الظاهرة انحسرت قليلا بعد تهديد السلطات الفرنسية بأخذ الأطفال، في حال مشاهدتهم مع ذويهم يتسولون، متمنيا إحداث قوانين أشد صرامة لمواجهة هذه الظاهرة، لأن أكثر المتأثرين منها هم الأطفال.

وطالب “العاسمي” بضرورة تنظيم حملات توعية، مشيرا إلى أن حملة “السوريون ليسوا شحادين” ساهمت بتقليل أعداد المتسولين الذين كانوا منتشرين في غالبية الشوارع الباريسية.

 
الظاهرة في الإعلام الفرنسي
أفردت وسائل الإعلام الفرنسية مساحات من تغطيتها متناولة هذه الظاهرة، حيث عرضت “القناة الثالثة” تقريرا تحت عنوان “عندما يقوم السوريون المزيفون بجولة في باريس” قالت في مطلعه: “على بوابات العاصمة، تسعى النساء للحصول على مساعدة مالية متنكرات كاللاجئات السوريات”.

وظهر في التقرير حوار دار بين الصحفي وإحدى النساء المتسولات (من أين أنتي؟ من حلب) وواصل الصحفي الحديث معها باللغة العربية، لكن المرأة لم تفهم عليه شيئا، وطلبت منه التكلم بالفرنسية معترفة أخيرا بأنها رومانية!

ورصدت القناة النساء المتسولات بعضا من الوقت، وأظهرت الصور رجالا يترددون إلى المكان بين الفينة والأخرى من أجل أخذ “الغلة”، لافتة إلى أن هذه المشاهد تتكرر مع كل هؤلاء الأشخاص في كل مكان.

كما سلطت صحيفة “ليبراسيون” الضوء على الظاهرة ونشرت تقريرا حمل عنوان “مصيدة ضد اللاجئين السوريين المزيفين على أبواب العاصمة” وقالت: “نساء ورجال، محاطون بأطفال صغار يركضون بين السيارات. يحملون لافتات مكتوب عليها (أسرة سورية) على أبواب العاصمة، لا سيما في الشمال الشرقي، بهدف الحصول المال”.

وأضافت: “إذا كان بعضهم بالفعل لاجئين، فإن الغالبية العظمى منهم هم من دول الشرق ويغتصبون الجنسية السورية ليكسبوا تعاطف وسخاء السائقين. وأصبح هذا النوع الجديد من التسول مقلقا لأنه يستخدم الأطفال”.

ونشر موقع (Les inrockuptibles) تقريرا تحت عنوان “من هم هؤلاء السوريون الذين يتوسلون على أبواب باريس وفي مترو الأنفاق؟” قالت فيه: “منذ عامين تزدهر لافتات (العائلات السورية) في العاصمة، وخلافا للاعتقاد السائد فإنهم ليسوا جميعا غجرا (قوقازيين) وإنما أعدادا كبيرة من السوريين ذوي أصول (غجرية شرقية)”.

وأوضح أن نسبة كبيرة من المتسولين غجرا قدموا إلى أوروبا من أجل التسول، باسم السوريين، حيث قدرت نسبتهم بأكثر من 20 بالمائة، فيما قدرت أعدادهم بين 300 ألف ومليون شخص كانوا يعيشون في منطقة الشرق الأوسط خصوصا سوريا والدول المجاورة لها.

بواسطة
محمد الحمادي
المصدر
زمان الوصل
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: