أراء

رضوان زيادة: أصنام الأسد ووهم المصالحة الوطنيّة

بقلم: رضوان زيادة

 

تاريخ النظام السوري في «الشماتة» بالسوريين واستحقارهم يعود إلى وصول حافظ الأسد إلى السلطة في عام 1970، لكن مع الثورة السورية تضاعفت هذه الممارسة وتحولت إلى كونها سياسة في حد ذاتها.

آخر هذه الممارسات، جهود الأسد في إعادة تماثيل والده في كل المدن الثائرة التي خرجت وحطمت هذه التماثيل، حيث أعادها حتى الآن الى حمص «عاصمة الثورة» وحماة وحلب، طبعاً الرسالة التي يريد النظام إرسالها أن «النصر» الذي حققناه عليكم أيها السوريون وكلفكم دماء غالية ومعاناة لا توصف وتشرداً ولجوءاً وغربة ثمنه اليوم إعادة هذه الأصنام إلى ما كانت عليه.

كما أن لسان حاله يردد «بل نحن نقوم بذلك بكثيرٍ من الاحتفالات والبهرجة»، مع إجبار السوريين على بؤسهم على أن يفرحوا لا بسبب انتهاء الحرب أو «إعادة إعمار بيوتهم وإنما لأننا أعدنا صنماً حطمه السوريون إلى مكانه». ومن يرى الفيديوهات والتقارير التي تناقلتها وسائل الإعلام الرسمية الحكومية يدرك تماماً معنى ما أتحدث عنه، حيث يمتزج القهر بالذل على وجوه السوريين الذين خرجوا للاحتفال بعودة صنم القائد «المؤسس».

والطريف في الأمر، أن وسائل الإعلام السورية اعتادت وصف الديكتاتور الراحل حافظ الأسد بـ»القائد الخالد»، لكن التقارير التي أذيعت عن عودة كل هذه التماثيل والأصنام وصفته بأنه «القائد المؤسس»، لا نعرف بالضبط ما المقصود من وصفه بالمؤسس، فهو لم يؤسس سورية لا الحديثة ولا المعاصرة إلا إذا كان المقصود هو تأسيس ما يسميه البعض «المملكة الأسدية»، أي أن يخلف حافظ الابن أباه بشار الأسد، وهكذا يصبح الحكم وراثياً في سلالة الأسد وأبنائه من بعده.

قامت الدكتورة ليزا وادين في كتابها «السيطرة الغامضة: السياسة، الخطاب، والرموز في سورية المعاصرة» بدراسة الرسائل التي ترسلها سيميائياً هذه التماثيل أو الأصنام التي بناها حافظ الأسد في كل مدينة وقرية وحي، فهو «حاضر في كل مكان كما أنه عالم بكل شيء. يظهر الأسد من خلال الصور المنشورة في الصحف بصورة «الأب»، و»المناضل»،

و»المعلم الأول»، و»منقذ لبنان»، و»القائد للأبد»، في اجتماعات القمة الإقليمية، «يبدي تفهماً تاماً لكل القضايا». تشهد الأيقونات ذات الصبغة الدينية والشعارات التي تزين جدران الأبنية، ونوافذ السيارات، وأبواب المطاعم، كلها تشهد بخلوده. وبتأثير قوة التكرار، أصبح كل مواطن متمرساً على هذا الخطاب الرمزي في الدولة السورية، وتشكل هذه الحالة إحدى العلامات المميزة للنظام الأسدي».

وتضيف، وفي الحقيقة، فإن «النتيجة الرئيسة (لظاهرة) تقديس حافظ الأسد هي الجو العام من الغموض المتشكك الملازم للممارسة السياسية في سورية. فظاهرة تقديس الأسد هي استراتيجية للسيطرة قائمة على الطاعة بدلاً من الشرعية. وينتج النظام الطاعة من خلال المشاركة الإجبارية في أشكال الامتثال الزائفة الجلية كمسيرات التأييد التي يخرج الناس فيها مجبرين، سواء لأولئك الذين يخترعون هذه المظاهر أو لأولئك الذين يستهلكونها». وتعمل ظاهرة تقديس الأسد «كأداة ضبط، تفرز سياسة الخداع العام التي من خلالها يتصرف المواطنون كما لو أنهم يحترمون قائدهم. وسياسة «كما لو» هذه، بينما تظهر على أنها غير عقلانية للوهلة الأولى، فهي في الحقيقة فعالة سياسياً. إنها ترسم خطوطاً عريضة للحديث والسلوك المقبول، وتحدد وتضع قواعد أي نوع من العضوية الوطنية (أي من عنده من وجهة نظر النظام انتماء للوطن)، وتخصص كيفية فرض الامتثال، وتحرض على المشاركة من خلال اختراع ممارسات تحيل المواطن إلى مشارك في الطقوس، بما يدعم المعايير المشكلة لسيطرة الأسد، وتعزل السوريين عن بعضهم البعض، وتزحم الفضاء العام بشعارات وإيماءات زائفة ومتعبة لمن ينتجها ويستهلكها على حد سواء».

تاريخياً، لم يكن الأسد الأب أو الابن هو الأول في اختراع ظاهرة الأصنام بل إنها ظاهرة انتشرت في الأنظمة الشمولية، وقد استخدم الباحثون الفاشية كأهم الأمثلة دراماتية لتبيان قوة الرموز في توطيد العلاقة الوجدانية وتنميتها بين القادة وأتباعهم. لذا، فإن جاذبية الفاشية، يمكن أن يقال، تكمن في «شرعيتها» كما تشير وادين، في شعبيتها ذات النزعة العاطفية لدى الجماهير، وفي جاذبية المرجعية الخارجية لفكرة قدسية «الشعب» الذي يحكم القائد باسمه. ويتم تحويل هذه العلاقة العاطفية بين القائد وأتباعه في شكل مباشر وملموس من خلال الاستعراضات.

وتعتبر حالة ألمانيا النازية نموذجاً ناجحاً للرموز في تشجيع السياسة الفاشية. وحتى هنا، على كل حال، من الصعب المعرفة المؤكدة ما إذا كان الأفراد مرتبطين وجدانياً بالقائد، لأنه في ظل نظام الرعب الذي خلقته الفاشية يعني أن الجماهير ستظهر ولاءها، حتى ولو لم تكن تشعر بالولاء فعلاً.

فظاهرة تعظيم الأسد تركز على صفاته في صموده ونضاله، فقد مات و «لم يوقع»، لا يقال على سبيل المثال أنه «لم يحرر» الجولان، تلك التي جعلها قضية مركزية للسوريين على مدى عقود. ولذلك تنتشر تماثيل الأسد في كل مكان من شمال سورية إلى جنوبها، فهناك تمثال للأسد في الرقة (في شمال سورية)، كما تشير وادين في كتابها يمثل نصفه السفلي قاعدة مثلثة أحد أضلاعها على شكل فلاح، وآخر على شكل امرأة، والثالث محفور على شكل عامل. وفي التجمعات الحاشدة، يحمل الشباب السوري، مثل نظرائهم السوفيات، لوحات يتم ضمها لتظهر وجه القائد. ومثل ستالين، يُقدم الأسد على أنه الأب الأخير في السرد السياسي المستند إلى العائلة.

يشارك الأسد ساحات التماثيل والنصب مع أبطال آخرين. إذ يظهر أفراد عائلة الأسد، وفي شكل خاص أمه (التي تحاط بهالة من القداسة)، وابنه الفقيد باسل، وابنه بشار، والآن ابنه ماهر، يظهر هؤلاء في شكل دوري في العروض الرمزية. يمكن بكل تأكيد مقارنة ظاهرة تقديس الأسد في سورية بظاهرة تقديس صدام في العراق.

وعلى رغم أن كلاً من سورية والعراق حُكما إسمياً من حزب البعث (بجناحين متنافسين)، مع هذا فإن السلطة الإكراهية والرمزية أصبحت مركزة في شخصية القائد. وكلا النظامين جندا الأقارب إلى المواقع الأمنية والاستخباراتية الحساسة. كلا النظامين طور الهالة الشخصية، وادعاءات مبالغاً فيها حول قائديهما. مع ذلك، هناك اختلافات مهمة بين الظاهرتين.

أولاً، امتلك العراق عوائد نفطية مهمة مكّنته من الإنفاق على مؤسسات الدولة المرتبطة بالتحكم الرمزي. بينما لا تملك سورية إلا احتياطياً ضئيلاً، وبسبب الحرب تبدد هذا الاحتياطي نهائياً وتسيطر عليه الآن القوات الكردية بحماية من الولايات المتحدة، فسورية لم تكن تتوافر لديها في الماضي موارد كالعراق، تنفق منها على الاستراتيجيات الرمزية، وهذا سبب واحد يفسر كيف أن التماثيل والملصقات والعروض في سورية أقل إبهاراً من العراق. فليست في سورية، نصب تذكارية تقارن بـ «قوس النصر» في العراق، وهو الذي وصفه كنعان مكية في كتابه النصب التذكاري. إن قابلية النصب التذكارية في العراق على إثارة الإعجاب وإشعار المشاهدين بالتصغير (حرفياً تعلمهم يشعرون أنهم صغار) ليست له مقارنة في سورية، حيث تعتبر النصب التذكارية عادية وغير مبهرة.

ثانياً، حافظت العلاقات القبلية في العراق على استمرارها، كنتيجة مباشرة لسياسة فرق – تسد الاستعمارية البريطانية، كما أن هذه السياسة أضعفت المدن العراقية، في حين بقيت طبقة التجار في سورية قوية، ولم تفقد قوتها التجارية والسياسية أبداً. يوجد في المدن السورية ما يعتبره بعض الدارسين «المجتمع المدني». إن الاختلافات المجتمعية تنعكس في الطريقة التي يتم تركيب مكونات تقديس الحاكم وكيفية استقبالها من المتلقين. وغالباً ما يتم عرض صور لصدام باللباس العربي التقليدي، بينما يعرض الأسد دائماً في بدلة رسمية وربطة عنق.

ثالثاً، إن ظاهرة تقديس صدام حسين، كشخصية، فيها الكثير من المبالغة والجرأة. فعند صدام أكثر من 40 قصراً، وهو دائماً شاب وحيوي. بينما يفتقر منظر الأسد إلى الكارزماتية، ولا تبدو عليه مظاهر النشاط. فخطاباته محددة، وجسده واقف، وصوته فيه بحة، وحركاته بطيئة. الأسد حذر، وهو سياسي معروف بحذقه، بدلاً من جسارته. وهكذا، فإن صفاته الخارقة لا تثير الإلهام والخيال نفسيهما اللذين كانت تبعثهما صفات صدام حسين، كما تنتهي وادين في مقارنتها المثيرة.

هذه المقارنات تشير إلى أن نظام الأسد يطمح إلى مستوى أقل من التحكم مقارنة بالعراق تحت حكم صدام حسين في العراق أو الاتحاد السوفياتي في ظل حكم ستالين. وفي شكل مشابه لفريدريك العظيم (Fredrick the Great) الذي نقل عنه أنه قال إنه لم يكن يهتم لما كان يفكر فيه أفراد رعيته، طالما أنهم نفذوا ما أمرهم به، تنتهج القيادة السورية استراتيجيات في توظيف الرموز، لا بقصد إثارة الكاريزما أو التصديق، بقدر ما تريد انتزاع مظاهر الطاعة الخارجية، وبالتالي استعادة هذه التماثيل هي توقع من الأسد الابن أن يعيد السوريين إلى المربع الأول، وهو خانة الطاعة.

مئات الألوف من السوريين الشهداء لا معنى لهم، مئات الألوف من المعتقلين والذي قتلوا تحت التعذيب لا معنى لهم، والملايين من النازحين واللاجئين لا معنى لهم، إنها مفارقة الشماتة بذاتها، إنها عودة إلى سياسة الذل العاري الواضح حتى أنه ليس مغلفاً بعبارات كاذبة من مثل الإنجازات، إنها سياسة القول «نحكمكم بالقتل والتعذيب فقط»، هذه هي الشرعية التي نستمد منها حكمنا، وكل صراخكم ودموعكم وحتى توسلاتكم عن المصالحة ستنتهي عند صنم الأسد «القائد المؤسس» العائد إلى مكانه بعد ترميمه، فقد حطمتموه بأحذيتكم بل إن البعض تبول عليه كما تظهر الفيديوهات، لكنه اليوم يعود طاهراً معمداً بدمائكم، أي ذل بعد هذا؟

بواسطة
رضوان زيادة
المصدر
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: