بورتريه

كفتارو الذي شرع حكم الأسد وشق صف علماء الشام

اشترك في نسج علاقات أسرية سرقت مقدرات الشعب ونهبت خيراته

نيوز سنتر

على الرغم من اعتماد نظام  البعث في سورية على صيغة عَلمانية، بحسب زعمه، لإدارة بلاد تتكون من نسيج مذهبي وطائفي وديني، فإن ممارسات النظام السوري وتعامله مع الأديان ورجالاته لا يوفر أي فرصة لاغتنام الرصيد المعنوي لأيّ رجل دين، ومهما كان مذهبه، أو فكره، أو طائفته، لدعم حكمه وترسيخ هيبته ومرجعيته السياسية الأحادية.
المشهد الديني في سورية على تنوعه إلى درجة التعقيد، لا تكاد تخفي وجه النظام وممارساته المتطرفة، التي توجت حافظ الأسد حاكماً أبدياً للشعب السوري، وصولاً إلى ابنه الغريب عن تعاليم الدِّين، والدائم التساؤل عن تفاصيله، بحسب ما نقل عن كثير من الشيوخ الذين التقوا بشار الأسد.

من مفتي الجمهورية السابق الكردي الأصل، الشيخ أحمد كفتارو، الذي بسط مؤسسة دعوية دينية على امتداد البلاد وخارجها، واستقبلت مؤسسته، نظير الدعم الرسمي المعلن لنظام الحكم، آلاف الطلاب الأجانب لتعليمهم اللغة العربية وتعاليم الدين، مخالفين بذلك أنظمة التعليم الرسمية وقوانينها، ومكرسين الفكر الصوفي الزاهد في السلطة، والناظر إلى من يخوض فيها نظرة (المتنجس) و(غير الطاهر) تبدأ أحد أهم مقومات الخطوط التي حاكها حافظ الأسد الذي ينتمي للنصيرية لتوطيد أركان حكمه.

ومع وصول البعث إلى السلطة انتخب كفتارو مفتياً عاماً للجمهورية عام 1964، وترأس مجلس الإفتاء الأعلى في سورية منذ عام 1964م.

** شق صفوف المسلمين وعلماء الشام

وحاول حافظ الأسد منذ وصوله إلى السلطة التقرب من التيارات الدينية، واستخدم سلطته السياسية ليؤمم السلطة الدينية، كما فعل عبد الناصر مع الأزهر أو البشير مع حسن الترابي.
ونجح الاسد في استخدام أحمد كفتارو مفتي سورية والإسلام الرسمي لتثبيت شرعية دينية على حكمه، بعد أن اتهمه الاخوان المسلمون في السبيعنات بأنه غير مسلم.
ولم يكن يخطر ببال اي من زعماء سورية قبل وصول حافظ الاسد الى الحكم ان يدخل إلى المسجد الأموي متأبطاً ذراع المفتي أحمد كفتارو. بعد أن فشلت محاولاته من التقرب بالشيخ حسن حبنكة الميداني وأخوه الأصغر الشيخ صادق وشيوخ دمشق الذين رفضوا أن يتعاملوا مع حافظ الأسد لما عرفوا عنه واختبروا مكائده.
أسس كفتارو في حقبة حافظ الأسد مجمع أبي النور الإسلامي عام 1974م عرف بنزعته الصوفية، أوكل إلى نفسه مهمة الدفاع عن نظام السلطان، ولم يجد كفتارو حرجاً من الشهادة أمام الناس بضرورة الانصياع لحافظ الأسد.
ونجح الاسد في استخدام أحمد كفتارو مفتي سورية و الإسلام الرسمي لتثبيت شرعية دينية على حكمه بعد أن أصبح الحكم عسكرياً استفرد به حافظ الأسد ومَنْ حوله من الضباط الكبار في الجيش والأمن السياسي، وكان الأسد يعلم أن وضعه غير طبيعي؛ إذ كيف يحكم الأكثرية وهو من طائفة قليلة؟ لذلك استعان بالمشايخ الذين ينافقون له ويجمِّلون صورته بأنه يميل إلى رأي الأكثرية مثل المفتي أحمد كفتارو.

ولكن الأسد لم يستطع إلا أن يُظهِر ما يخبئه للشعب السوري، فحاول تغيير مادة في الدستور تنص على أن رئيس الجمهورية يجب أن يكون مسلماً فقامت الاعتراضات الكبيرة تواجه هذا التصرف فسكت عن الموضوع، ثم جاءت الخطوة الثانية حين أبعد كل المدرسين المتديِّنين عن التدريس في الثانويات – سواء كان مدرساً للمواد الدينية أو للمواد الأخرى – وإحالة هؤلاء المدرسين للعمل في الوزارات الخدمية مثل وزارة الصحة أو المواصلات أو الزراعة. في الوقت ذاته عمل كفتارو ليكون خريجو معهده أحد المستفيدين من الفراغ الحاصل.

لقد أزعج هذا التصرف المسلمين في هذا البلد الذي تبلغ نسبة أهل السُّنة فيه 80 ٪، وشعر المسلمون أن هذا جزءٌ من مخطط وسيتلوه أشياء أخرى، ثم جاء اعتقال الشيخ مروان حديد ثم وفاته في السجن تحت التعذيب ليكون ردُّ الفعل أن يحمل السلاحَ تلامذةُ الشيخ مروان ردّاً على الظلم ودفعاً للضيم، وجر الأسد سورية إلى المجازر بحق الأكثرية وخسرت سورية خيرة شبابها في سجون تدمر؛ حيث أُعدِم آلاف منهم أيضاً. لقد كان ردُّ فعل الدولة ظالماً قاسياً بل متوحشاً، والذي يقرأ كتاب (تدمر شاهد ومشهود) وغيره من الكتب التي تتحدث عن مآسي الشعب السوري مع هذا النظام يدرك ذلك، وقُصفَت مدينة حماة وهُدمَت بعض أحيائها، وقتل الآلاف، وأبيدت بعض الأسر ولم يبقَ منها أحد. كل ذلك حدث بوجود المفتي أحمد كفتارو الذي عمل جاهداً مع رئيس غرفة تجارة دمشق بدر الدين الشلاح لعدم دخول دمشق في عصيان مدني احتجاجاً على مجازر حماه وتهيئة الأمور لتوطيد حكم الأسد الأب، ومساهماً في شق عصى المسلمين بتسليم حافظ الأسد النصيري السلطة وإضعاف موقف علماء الشام كون كفتارو مسلم سني.

وبذلك يشترك كفتارو مع الأسد في نسج حكاية علاقات أسرية جرت البلاد والعباد من دولة مدنية مؤسساتية ديمقراطية في خمسينات القرن الماضي الى كتلة هلامية من العلاقات الاسرية والفئوية والطائفية تحكم بأسلوب امني مع غياب كلي للمجتمع والدولة وللإنسان بخصوصيته الفردية وسرقة مقدرات الشعب ونهب خيراته.

** مؤسسة دينية ناطقة بفكر حزب البعث

أتى دور كفتارو ليقوم باستيعاب رجال الدين وخطباء المساجد،وتم تعيين العديد من وزارء الأوقاف اللذين يدينون بالولاء لكفتارو ((أمثال الأيوبي))، وأفرزت هذه الصيغة جوقة من رجال الدين يسيطرون على الساحة الدينية ولا ينطقون سوى بتعظيم القائد وتأليه كل حرف يقوله، لدرجة تصويره أنه معصوم عن الخطأ والدعوة بتثبيت حكمه في كل صلاة.
ورغم تحذيره لمريديه بعدم الدخول للساحة السياسية إلا أن كفتارو سعى عبر القاعدة الشعبية العريضة البسيطة لدعم مرشحين لمجلس الشعب من أتباع البعث و الاقتصاديين الداعمين لنظام الأسد أمثال محمد حمشو والدبس ودمج كفتارو في كل مرة مع القائمة أحداً من دكاترة المجمع أمثال عبد السلام الراجح ومحمد حبش الذي تزوج ابنة كفتارو وانشق بعدها عن مجمعه بعد وفاته ليكون فكرا جديدا نمى برعاية بشار الأسد.
بالمحصلة تم احتواء القطاع الديني واستحوذ كفتارو على حصة الأسد من تعيين الخطباء في المساجد بحيث لا ترى إلا من يهتف بحياة القائد ويتشدق بأفكار حزب البعث، وخفت الصوت الاخر بل صمت وغيّب من تجرأ على التلفظ، إما بالسجن او الابعاد او القتل وهذا ما حصل مع العديد من الشيوخ والدعاة مثال الشيخ صادق حبنكة والشيخ محمد عوض وغيرهم الكثير..ويذكر قله أن كفتارو أفتى بقتل الشيخ حسن حبنكة الميداني إلا أن القرار لم يصدر وتم التراجع عنه رغم نية النظام المبيته لقتل الشيخ حسن.

**الدين والسلطة 
ومع سقوط الاتحاد السوفيتي بدأت مظاهر الصحوة الإسلامية الصاعدة شعبيّاً وشكلت رصيداً للحركة الإسلامية عموماً والتي كان النظام يناصبها العداء المطلق، قام بتشجيع إسلام آخر هو الإسلام الصوفي، الذي قاده أحمد كفتارو المعروف بعدائه للإخوان المسلمين ليسيطر على توجهات المتدينين ويضمن انحصارها في التدين الشعائري وعدم انزلاقها نحو الاهتمام بالمجال العام أو الأهداف السياسية.

** التصوف وسيلة لجذب المريدين
ربط كفتارو تلامذته به فهو المعبر للتقرب إلى الله وأطلق على نفسه “ولي هذا الزمان” وابتدع جلسات الذكر التي ابتدع فيها طريقة صوفيه جديدة كانت بمثابة اختبار ولاء للشيوخ الذين خّرجهم أمثال الشيخ رجب ديب.
وكان أصل كفتارو الكردي مفتاحاً له -حيث كان المحور الكردي أحد خيوط حافظ الأسد الذي ربطته علاقه مع أوجلان – وتنظيمه السري في الحزب البارتي الذي منحه حظوة ومكانه في الاتحاد السوفيتي والمحفل الماسوني.
وفي عام 1981م التقى معمر القذافي وتوج كفتارو علاقة الأسد بالقذافي بتمكنه من عقد اتفاق مع جمعية الدعوة الإسلامية بشأن إحداث فرع لكلية الدعوة الإسلامية بدمشق، وقد وجه القذافي معاونيه بتقديم كل ما يلزم لنجاح عمل هذا الفرع تقديراً منه لزيارة الشيخ ومنزلته في الوسط العربي الإسلامي.
وكان مما قال القذافي للشيخ: يا شيخ أحمد إني أعرفك قبل أن ألقاك!..لقد حدثني الرئيس حافظ الأسد مراراً عن فهمك المستنير للإسلام، وأسلوبك الحكيم في الدعوة إليه.! وأعطى حافظ الأسد توجيهاته بالموافقة والدعم لهذا المشروع الذي آوى كافة طلاب العلم الشرعي، والذين أصبحوا بلا رعاية ولا تعليم نتيجة للقطيعة مع مصر في أعقاب اتفاق كامب ديفيد كما ذكرنا سابقاً.

** حوار الأديان المصيدة والقناع:
بينما اشتغل كفتارو بفكرة حوار الحضارات كان الأسد يقوم باستهداف التعليم الشرعي لصالح التشيع! ويقول الأستاذ مروان كجك عن كفتارو : الشيخ أحمد كفتارو سلخ شطراً من حياته وأوقفه في سبيل دعوة « الحوار بين الأديان » مستجيباً وداعياً، وكم حملته الطائرات شرقاً وغرباً إلى تلك المؤتمرات الزائفة لكنه لم يَعُدْ من ذلك كله حتى بخفي حُنَيْن ) . مجلة البيان ، العدد 164

وكان كفتارو الأب ومن بعده الابن صلاح كفتارو غطاءاً دينياً يبعد عن الأنظار ما يقوم به اللواء هشام بختيار (الذي قضى في تفجير خلية الأزمة) في استهداف التعليم الشرعي فقد عين بختيار الدكتور علي سعد (من الطائفة المرشدية) وزيرا للتربية فحارب التعليم الشرعي، وطالب بتأليف كتاب تربيـة دينية لكل طائفة (دروز ، علوية ، إسماعيلية ، شيعة ، ســـنة).

وتابع وزيرا للأوقاف، المهمة، فمنع قبول الطلاب الأجانب والعرب في أي مؤسسة تعليمية سورية، ومنع منحهم إقامات، ومنع التمويل الخارجي لهذه المؤسسات، وأعفى كبار القائمين على التعليم الديني من عملهم مثل (عبد الرزاق الحلبي، سارية الرفاعي).
فضلاً عن قيام وزير الأوقاف محمد عبد الستار السيد، في عهد بشار الأسد -الذي عينه بختيار- بدعم المؤسسات التعليمية الشيعية ومنحهم عشر ثانويات شرعية، تتبع الأوقاف، وتعترف بها وزارة التربية، وهي حوزات حولها إلى ثانويات شرعية. وأوكل هشام بختيار إلى (عبد الله نظام) الذي يعرف بقربه الشديد من السفارة الإيرانية، بتدقيق وتغيير مناهج الثانويات الشرعية (السنية) من الأمور التي لا يرضى عنها الشيعة.

** وفاة حافظ الأسد وتهاوي كفتارو
كان لوفاة حافظ الأسد الأثر الكبير في تهاوي أحلام كفتارو الذي فقد بريقه بعد أن استعمله الأب ورماه الابن الذي اتجه لتشييع سوريا إلا أن كفتارو لم يكن يستطيع إلا أن ينهي ما بدأه فلطالما نهى كفتارو تلامذته ومريديه – علناً – عن الانشغال بالشأن السياسي، وأبدى الاحترام والتقدير لشخص الأسد الأب، ونصَّ في وصيته لأتباعه حرفياً على «الالتزام التام بمنهج سيادة الرئيس بشار الأسد وحكومتنا الوطنية».

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: