بورتريه

صلاح الدين الأيوبي أعظم السياسيين أطفئ نار المذهبية والطائفية وحولها ساحة فكر

من رئيس للشرطة لفاتح القدس

ما أحوجنا إلى الأبطال في وقت الأزمات، ونتكبد في كثير من الأحيان العناء للبحث عنهم،  ولكن إذا نظرنا إلى ما حولنا جيداً قد نجدهم، وإذا تمعنا في ذاتنا قد يجد كل امرئ في نفسه مشروع بطل قد يضع بصمة صغيرة قد تؤثر في الآخرين نماءً..وبالرجوع إلى التاريخ نجد أن الأبطال ليسوا أناساً خارقين بل هم نساء ورجال من لحم ودم ولكنهم عرفوا ماذا يريدون.

موقع نيوز سنتر ينشر قصة هذا الإنسان المفكر والسياسي والقائد صلاح الدين الأيوبي:
مثال للرجل الشرقي الطموح، الذي استطاع أن يحقق أهدافا عالية جعلت منه شخصية تصنع التاريخ. فهو لم يرث ملكا، وإنما تدرج من رئيس للشرطة بدمشق إلى قائد في حملة عمه شيركوه إلى وزير لخليفة مصر إلى نائب لسلطان الشام، ثم إلى سلطان يحكم إمبراطورية واسعة في الشام ومصر والجزيرة والحجاز واليمن وبرقة وطرابلس والنوبة، وقد كون لنفسه فيها أسرة حاكمة عرفت باسمه أو لقبه أو اسم أبيه أو أصله: الصلاحية أو الناصرية أو الأيوبية أو الأكراد.

وقد شعر صلاح الدين بالمذلة بسبب مجيء الأوروبيين، الفرنجة يستعمرون في الشرق باسم الدين، فوضع نصب عينيه أن يكون الشرق لأهله. لكن لما كانت دول الشرق متنازعة متنافرة، وجه همه الأول إلى تكوين جبهة متحدة تجمعهم ليجابهوا عدوهم القوي الذي استفاد من تشتتهم، فكان يكتب إلى ملوك الإسلام وبخاصة إلى خليفة المسلمين في العراق. ولم يكن وراء دعوته تعصب ديني كما كان الحال بالنسبة إلى الفرنجة، وإنما كان قصده أن يتجمع سكان الشرق، وأغلبيتهم من المسلمين لطرد الغزاة الأجانب.
ولما اطمأن إلى تضامن الشرقيين عمل على بث روح النضال بينهم، وقد هجر في سبيل الجهاد أهله وأولاده ووطنه وراحته ليقنع بالعيش في ظل خيمة، وكان شجاعا قوي النفس، عظيم الثبات، يطوف بين العسكر، ويدخل صفوف العدو، وفي فترة حكمه التي استمرت أربعا وعشرين سنة أمضى منها ستة عشرة سنة في الحملات. وبذلك أعاد للشرقيين ذكرى قوادهم العظام الذين يعيشون على رأس جنودهم في الميدان، يشاركونهم الأخطار.

**صفاته:

وكان صلاح الدين يتميز بالبساطة بين ملوك عصره، ولم يكن يحب سكن القصور، وملابسه كانت من الكتان والقطن والصوف، وكان يعتبر نفسه وأسرته خزنة المسلمين وحراسا لأموالهم. وعند وفاته لم يترك دارا ولا عقارا ولا مزرعة.. ولم يبق في خزانته إلا سبعة وأربعون درهما…
كان متدينا، وكان يصلي غالبا في جماعة ويصوم كثيرا مع ضعف بنيته… ويسمي نفسه خادم الحرمين…
وبقيادة صلاح الدين تمكن أهل الشرق من تخليص الأراضي المقدسة من أيدي الجيوش الصليبية بما فيها الألمانية والإنكليزية والفرنسية. وقيل أن من خرج من الفرنجة في البحر كانوا ستمائة ألف رجل، لم يعد منهم إلى بلادهم إلا واحد من كل عشرة.

وقد تسلم القدس في 2 ديسمبر 1187 بعد أن بقيت في أيدي الفرنجة إحدى وتسعين سنة، وأعاد لمساجد القدس طابعها الإسلامي وأزال التماثيل والصور ووضع فيها القناديل وفرشها بالبسط، ولم يوافق على هدم كنيسة القيامة انتقاما لما فعله الصليبيون في مسجدي الصخرة والأقصى. وجدد سور القدس وعمره بالأبراج واشترك هو وأبناءه والأمراء والقضاة والصوفية في حمل الحجار بالقفاف على الخيول.
وقد قام صلاح الدين بسياسة إنشائية إصلاحية خاصة بالقاهرة ومصر، فأقام مستشفى ” بيمارستان” بقصر من قصور القاهرة لعلاج المرضى من الرجال والنساء وزوده بخزائن الأدوية، وعين فيها من يشرف على المرضى من الجنسين، واتخذ “محابس للمجانين” وعمر المدارس والجوامع الكثيرة، وأولى الفقراء والأيتام عناية خاصة، كما هدم في مصر حبسا كان أشبه بجهنم الحمراء، وأنشأ مكانه مدرسة، وأسقط عن المصريين ضريبة المكوس البغيضة، التي كانت قد فرضت على كل شيء إلا الهواء الذي بقي حرا.
لقد لقيت شخصية صلاح الدين الإعجاب الشديد على مر الزمان، كما لقيت مآثره الاحترام لدى أعدائه، فوصفوه بأنه سلطان عظيم، وملك كريم وملك رحيم. وقد شاع عدله وذاع فضله وظهر إحسانه. واعتبره تشرشل من أعظم ملوك الأرض سياسة…

نيوز سنتر**الولادة والمنشأ:
ولد صلاح الدين في تكريت بالعراق عام 532 هـ/1138م في ليلة مغادرة والده نجم الدين أيوب قلعة تكريت حينما كان واليًا عليها، ويرجع نسب الأيوبيين إلى أيوب بن شاذي بن مروان من أهل مدينة دوين في أرمينيا،ويرجع ابن الأثير نسب أيوب بن شاذي بن مروان إلى الأكراد الروادية وهم فخذ من الهذبانية
وكان نجم الدين والد صلاح الدين قد انتقل إلى بعلبك حيث أصبح واليًا عليها مدة سبع سنوات وانتقل إلى دمشق، وقضى صلاح الدين طفولته في دمشق حيث أمضى فترة شبابه في بلاط الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي أمير دمشق

والمعروف أنه عشق دمشق عشقًا شديدًا، وتلقى علومه فيها، وبرع في دراساته، حتى قال عنه بعض معاصريه أنه كان عالمًا بالهندسة الإقليدية والرياضيات المجسطية وعلوم الحساب والشريعة الإسلامية، وتنص بعض المصادر أن صلاح الدين كان أكثر شغفًا بالعلوم الدينية والفقه الإسلامي من العلوم العسكرية خلال أيام دراسته.
وبالإضافة إلى ذلك، كان صلاح الدين ملمًا بعلم الأنساب والسير الذاتية وتاريخ العرب والشعر، حيث حفظ ديوان الحماسة لأبي تمام عن ظهر قلب، أيضًا أحب الخيول العربية المطهمة، وعرف أنقى سلالاتها دمًا.

نيوز سنتر **فض الخلافات وجمع الأمة كان سلم الأولويات:
في الاختلاف والصراع الطائفي الدائر رحاه اليوم في المنطقة يتم استدعاء التاريخ بطريقة انتقائية عرجاء، فيتخذ منه الأكراد والعرب والطائفيون والمذهبيون والقوميون على حد السواء حطبا لإلهاب المعركة، ووصم الطرف الآخر بوصمة الشر، تبريرا لارتكاب أفعال ضده لا يسوغها عقل ولا شرع.
وفي هذا الجو المشحون بالتعبئة والكراهية العمياء، نسي جميع الأطراف أن التاريخ الإسلامي والعربي ليس تاريخ صراع بين كما نسوا أن الأطراف – اصطفوا في خندق واحد أكثر من مرة حين جد الجد، وتعرضت الأمة للاستباحة من طرف أعدائها.

كما غابت عن بال هؤلاء مظاهر الحكمة والرحمة في تعامل المسلم مع أخيه المسلم المخالف له.
وفي هذا المقال نذكر الطرفين بسابقة تاريخية من القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي، الذي يستوطن في العقل الجمعي الإسلامي مكانة خاصة.
والسابقة التاريخية المقصودة هنا هي تعامل صلاح الدين الأيوبي مع حكام الدولة العلوية الفاطمية في مصر الذين أعلنوا أنفسهم خلفاء مجانبةً للخلافة العامة في بغداد، وخرجوا على جمهور الأمة .
ومع كل ذلك فإن تعامل صلاح الدين الأيوبي مع هذه الدولة كان محكوما بمنطق غير طائفي، وكان مبنياً على إدراك عميق لظروف الطوارئ التي تعيشها الأمة وهي محاصرة بين فكَّيْ الخطر الصليبي القادم من الشمال، والزحف المغولي الداهم من الشرق.

نيوز سنتر **منهج الحكمة والرحمة والوفاء
أول ما يلفت النظر هنا استنجاد الخليفة الشيعي الفاطمي في مصر بحاكم الشام السني نور الدين زنكي، وهو ما فتح الباب لقدوم صلاح الدين “الكردي العربي المسلم” إلى مصر وعمله وزيرا للدولة الفاطمية، وقتاله الصليبيين تحت رايتها سنين عديدة، دون اعتبار للخلاف المذهبي بين الطرفين.
كما يلفت النظر أيضا أسلوب الحكمة والرحمة والوفاء الذي تعامل به صلاح الدين مع القيادة الفاطمية، حينما مال ميزان القوة لصالحه، وأصبح قائدا عسكريا مسيطرا، ثم أخيرا ملكا لمصر والشام، بعد وفاة الخليفة الفاطمي العاضد.
يروي ابن شداد -وهو كاتب صلاح الدين الخاص ومؤرخ سيرته- في كتابه “النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية” (ص 280-281) وأبو شامة في “كتاب الروضتين في تاريخ الدولتين” (ص 362-363)، بعض الأمور التي تعكس حكمة صلاح الدين وبعد نظره وفهمه لأخوة الإسلام التي لا تسقط إلا بسقوط أصل الإسلام.
يروي ابن شداد أن نور الدين زنكي لما أرسل إلى صلاح الدين من الشام يأمره بالدعاء لخلفاء بني العباس على المنابر، وهي الإشارة الرمزية إلى البيعة لهم والتخلص من منافسيهم الفاطميين، “راجعه صلاح الدين في ذلك خوف الفتنة”.
وزاد أبو شامة الأمر توضيحا بالقول: “فاعتذر صلاح الدين بالخوف من وثوب أهل مصر وامتناعهم عن الإجابة إلى ذلك، لميلهم إلى العلويين”.
فصلاح الدين كان حريصا على توحيد الكلمة بترفق وتلطف، ودون استعجال أو قفز على الوقائع الاجتماعية والثقافية المتراكمة على مر الزمان.
وبعد إصرار نور الدين على أن ينفذ صلاح الدين أمره، انتظر صلاح الدين حتى مرض الخليفة الفاطمي العاضد، فأقعده المرض عن حضور الصلوات وتسيير الشأن العام، فبدأ صلاح الدين في التنفيذ، ولو أراد تنفيذ الأمر في صحة الخليفة الفاطمي وقوته لفتح الباب أمام اقتتال داخلي بين المسلمين في مصر.
ثم لما مات العاضد بُعيد ذلك بمدة وجيزة ندم صلاح الدين على استعجاله في تحويل الخطبة، وعدم التروي أكثر في الأمر. قال أبو شامة: “وأما ندمُ صلاح الدين، فبلغني أنه كان على استعجال بقطع خطبته وهو مريض، وقال: لو علمت أنه يموت من هذا المرض ما قطعتها إلى أن يموت”.
وقبل أن يموت العاضد لم يجد أكثر رحمة وثقة من صلاح الدين ليستودعه أبناءه ويوصيه بإكرامهم، رغم بعد الشقة المذهبية بين الطرفين.
يذكر أبو شامة أن أبا الفتوح بن العاضد أخبره “أن أباه في مرضه استدعى صلاح الدين فحضر، قال وأحضرَنا، يعني أولاده وهم جماعة صغار، فأوصاه بنا، فالتزم إكرامنا واحترامنا، رحمه الله”.
وبناء على وصية العاضد هذه “نقل صلاح الدين أهل العاضد إلى موضع من القصر ووكل بهم من يحفظهم”، كما يروي ابن شداد. وقد أكد أبو شامة حسن معاملة صلاح الدين لأفراد أسرة الخليفة الفاطمي فكتب: “ونقل أهل العاضد إلى مكان منفرد، ووكل لحفظهم، وجعل أولاده وعمومته وأبناءهم في الإيوان في القصر، وجعل عندهم من يحفظهم”.
ونقل أبو شامة عن أبي الفتوح بن الخليفة العاضد أن صلاح الدين “جعلهم في دار برجوان في الحارة المنسوبة إليه بالقاهرة، وهي دار كبيرة واسعة، كان عيشهم فيها طيبا”. وكذلك فليكن الوفاء والمشاعر الإنسانية التي تتجاوز الخلافات المذهبية والطائفية وتتعالى عليها.
ولما مات الخليفة الفاطمي لم يظهر صلاح الدين شماتة ولا غبطة برحيل عدوه المذهبي، كما يشمت حملة الفكر الطائفي اليوم بعضهم ببعض، بل “جلس السلطان للعزاء، وأغرب في الحزن والبكاء، وبلغ الغاية في إجمال أمره؛ والتوديع له إلى قبره” كما يقول ابن شداد.
فلم ينس صلاح الدين للعاضد أنه عينه وزيرا لمصر، واستودعه ثقته، وحمَّله لواء الدفاع عن مصر ضد الصليبيين.

نيوز سنتر **ساحة فكر لا ساحة معركة
كان صلاح الدين متحيزا للمذهب الشافعي الذي يدين به على حساب المذاهب السنية الأخرى. وكان إلى ذلك مؤمنا بوحدة الأمة، حريصا على الارتباط بالخلافة العباسية في بغداد التي هي رمز الوحدة الإسلامية رغم ضعفها وخورها.
لكن صلاح الدين كان يدرك أن الخلاف بين أهل الملة الواحدة يجب أن يتم حسمه في ساحة الفكر، لا في ساحة المعركة، وأن هذا الخلاف مهما تعاظم وتراكم على مر القرون، ومهما تجاوز الفروع إلى الأصول، يظل خلافا داخل البيت الواحد، لا يصلح التعامل معه بغير الحوار المتأسس على الحجة والبرهان.
وبهذه الرؤية الحكيمة الرحيمة غير صلاح الدين وجه مصر دون أن يجر المجتمع المسلمين إلى حرب استنزاف.

وكانت منهجية صلاح الدين هي تغيير المناخ الفكري السائد بطريقة مترفقة هادئة دون مواجهة أو ضوضاء، فأسس صلاح الدين مدارس كثيرة في مصر والشام وفلسطين تحمل الفكر، منها المدرسة الناصرية والمدرسة القمحية والمدرسة السيفية في مصر، ومنها المدرسة الصلاحية في دمشق، ومدرسة بنفس الاسم في القدس.
ولما كان الجامع الأزهر يومها غرة الدولة الفاطمية ومركز أيديولوجيتها وأهم إنجازاتها العلمية، لم يسع صلاح الدين إلى هدمه أو انتزاع قيادته من الفاطميين وأشياعهم من الفقهاء، وإنما انتهج إستراتيجية التفاف حكيمة للتعاطي مع هذه المؤسسة العظيمة.

فنقل صلاح الدين خطبة الجمعة -وهي يومئذ رمز سيادة الحاكم وتأكيد شرعيته- من الجامع الأزهر إلى الجامع الحاكمي بالقاهرة، فهمش المؤسسة التي يسطير عليها الفكر الفاطمي، والتف عليها بحكمة وروية، دون أن يدخل في مواجهة مفتوحة مع القوى الدينية المرتبطة بالنظام القديم.

نيوز سنتر **مؤاخذة بالفعل لا بالمذهب:
وحينما ثار ثوار على صلاح الدين، وحاولوا اغتياله واستعادة السلطة الفاطمية، وبدؤوا الاتصال بالصليبيين، عاملهم صلاح الدين بحزم، طبقا لفعلهم لا طبقا لفكرهم.
وكان من بين الثوار على صلاح الدين السني المتعصب لتسننه والشيعي المتعصب لتشيعه، خلافا لما يقدمه البعض اليوم من قراءة طائفية صرفة لتلك الحقبة التاريخية.
يروي ابن العماد الحنبلي في “شذور الذهب” أن من الثوار على صلاح الدين الذين أرادوا استرداد النظام الفاطمي المنهار الفقيه عُمارة بن علي المذحجي “وكان شديد التعصب للسنة، أديبا ماهرا.

نيوز سنتر **الحروب ضد الصليبيين:

بعد أن نجح صلاح الدين في أن يجمع مصر وسوريا وغربي شبه الجزيرة العربية والعراق في دولة إسلامية موحدة قوية تحيط بمملكة بيت المقدس والإمارات الصليبية من الشمال والشرق والجنوب، واطمأن إلى وحدتها وتماسكها، انتقل إلى تحقيق القسم الثاني من مخططه السياسي، وهو محاربة الصليبيين وطردهم من البلاد، وجاءَته الفرصة حين تعرّض أرناط آل شاتيون صاحب الكرك لقافلة غزيرة الأموال كثيرة الرجال فأخذهم عن آخرهم ونهب أموالهم ودوابهم وسلاحهم، فأرسل إليه صلاح الدين يلومه ويُقبح فعله وغدره ويتوعده إن لم يطلق الأسرى والأموال، فلما رفض أرسل صلاح الدين، الذي كان آنئذ في دمشق، إلى جميع الأطراف باستدعاء العساكر لحرب أرناط، وتوجه بنفسه إلى بصرى، ومنها إلى الأردن ونزل بثغر الأقحوان.
في 9 جمادى الآخرة سنة 579هـ، الموافق فيه 29 سبتمبر سنة 1183م، عبر صلاح الدين نهر الأردن لمهاجمة بيسان التي وجدها خاوية. وفي اليوم التالي، أضرمت قواته النار في البلدة، وساروا غربًا، ليعترضوا تعزيزات الصليبيين من حصني الكرك والشوبك على طول طريق نابلس وأسروا عددًا منهم. وفي تلك الأثناء، كانت قوة الصليبيين الرئيسية بقيادة غي آل لوزنيان، قرين ملكة القدس سيبيلا أخت بلدوين، قد تحركت من صفورية إلى العفولة.

أرسل صلاح الدين الأيوبي 500 مقاتل لمناوشة قوات الصليبيين، وسار بنفسه إلى عين جالوت. وعندما تقدمت القوات الصليبية، والتي كانت أكبر قوة جمعتها المملكة من مواردها الخاصة، ولكنها كانت لا تزال أقل من قوات المسلمين، تراجع الأيوبيون بشكل غير متوقع إلى عين جالوت. رغم وجود بضع الغارات الأيوبية، بما في ذلك الهجمات على زرعين والطيبة وجبل طابور، لم يشارك الصليبيون بكامل قواتهم في معركة العفولة، التي قاد فيها صلاح الدين رجاله عبر النهر منسحبًا ببطء.
ومع ذلك، أثارت المزيد من الهجمات الصليبية غضب صلاح الدين الأيوبي. فقد استمر أرناط آل شاتيون يهاجم القوافل التجارية العائدة للمسلمين وطرق الحج بأسطول في البحر الأحمر، وهو الممر المائي الذي كان من اللازم لصلاح الدين بقائه مفتوحًا. وردًا على ذلك، بنى صلاح الدين أسطولاً من 30 سفينة لمهاجمة بيروت في عام 1182م. هدد رينالد بمهاجمة مدن المسلمين المقدسة مكة والمدينة المنورة، وهو ما رد عليه صلاح الدين بمحاصرة الكرك قلعة أرناط الحصينة مرتين، عامي 1183 و1184، فردّ رينالد بنهب قافلة حجيج عام 1185، ووفقًا لمؤرخ القرن الثالث عشر الإفرنجي وليم الصوري، فقد قبض أرناط على أخت صلاح الدين في تلك الغارة على القافلة، وهو ما لم تثبته المصادر المعاصرة، سواءً الإسلامية أو الأوروبية، وذكرت بدلاً من ذلك أن أرناط هاجم القافلة، وأن جند صلاح الدين حموا شقيقته وابنها حتى وصلوا دون أي ضرر.

بعد أن استعصى حصن الكرك المنيع على صلاح الدين أدار وجهه وجهة أخرى وعاود مهاجمة عز الدين مسعود بن مودود الزنكي في نواحي الموصل التي كان قد بدأت جهوده في ضمها سنة 1182م، إلا أن تحالف عز الدين مع حاكم أذربيجان ومملكة جبال، والذي أرسل جنوده عبر جبال زاغروس عام 1185م، جعل صلاح الدين يتردد في هجومه. وحينما علم المدافعون عن الموصل، بأن تعزيزات في طريقها إليهم، ارتفعت معنوياتهم وزادوا من جهودهم، وقد تزامن ذلك مع مرض صلاح الدين، لذا ففي شهر مارس من سنة 1186م، تم التوقيع على معاهدة سلام.

نيوز سنتر **معركة حطين:
كان المرض قد اشتد على ملك بيت المقدس بلدوين الرابع، في سنة 1185م وما لبث أن توفي في ذلك العام بعد أن سمّى ابن شقيقته بلدوين الخامس خلفًا له، لكن الأخير ما لبث أن توفي خلال سنة، فتولّت العرش والدته سيبيلا، التي ما لبثت أن توّجت زوجها الثاني غي آل لوزينيان ملكًا، وكان الأخير قد خُطط له أن يكون وصي العرش بعد بلدوين الرابع، لكن تحالفه مع أرناط وخرقهما للهدنة مع صلاح الدين ومهاجمتهما لقوافل المسلمين التجارية وقوافل الحجاج، الأمر الذي جعل صلاح الدين يُحاصر الكرك، جعلت بلدوين الرابع يعدل عن تسميته خلفًا له بعد مماته. وعندما تولّى غي عرش بيت المقدس ظهرت الانشقاقات بين الصليبين وتوسعت، فلم يكن عدد من الأمراء راضيًا عن توليه، ومن هؤلاء ريموند الثالث “القمص” صاحب طرابلس، الذي دفعه غيظه إلى مراسلة صلاح الدين ومصادقته واتفق معه ألا يحاربه ولا يرفع عليه سيف، فقال له: «أنني أملك طبريا أنزل عليها وأستولي عليها وأنا أتركها لك فتقوى بها على الفرنجة وتضعف قلوبهم».
فذهب صلاح الدين ونزل قريبًا من طبريا فسلمها له صاحب طرابلس، وسمع ملك الفرنجة المتوج حديثًا ما حدث، فحشد العامة في البلاد مع عساكر الساحل وسار للقاء صلاح الدين، وانضم إليه صاحب طرابلس ليتستر على فعله.
في يوم السبت 25 ربيع الآخر سنة 583هـ، الموافق فيه 5 يوليو سنة 1187م، نزل الصليبيون قرون حطين، وكان صلاح الدين قد سبقهم إلى هناك وتمركز جيشه في المنطقة العليا منها حيث نبع المياه، وكانت تجهيزات الفرنجة الحربية الثقيلة هي سبب تأخرهم في الوصول، ولمّا حصل ووصلوا إلى الموقع كانوا هالكين من العطش لدرجة أنهم شربوا الخمر بدلاً من الماء فسكر منهم الكثير، وهاجموا جيش صلاح الدين فقُتل من الفريقين عدد من الجنود، وكان الصليبيون متحمسين في البداية للحصول على الماء فهزموا المسلمين في أول النهار ولكن دارت الدوائر في آخر النهار، فإنقض الأيوبيون على الجيش الصليبي ومزقوا صفوفه، واستمرت المعركة ساعات طويلة، وما أن انقشع غبارها حتى تبيّن مدى الكارثة التي لحقت بالصليبيين، فقد خسروا زهرة شباب جنودهم، وقُتل العديد من الفرسان والضبّاط المخضرمين، ووقع الملك غي آل لوزينيان وأخوه وأرناط صاحب الكرك وغيرهم من كبار الصليبيين بالأسر. أما ريموند الثالث صاحب طرابلس، فقد تظاهر بالهجوم على المسلمين، فمر بين صفوفهم وذهب ولم يرجع كأنه أنهزم، واتجه إلى مدينة صور ومكث بها.
بعد هذا النصر جلس صلاح الدين في خيمته، وأمر بإحضار الملك غي وأخوه وأرناط، فلمّا مثلوا أمامه قدّم للملك شربة من جلاّب وثلج، فشربها وكان على أشد حال من العطش، ثم ناولها لأرناط، فقال صلاح الدين للترجمان: «إنما ناولتك، ولم آذن لك أن تسقيه، هذا لا عهد له عندي»، وذلك كون العادة السائدة كانت أنه لو شرب الأسير أو أكل من مال من أسره أمن، وكان صلاح الدين قد نذر أنه لو ظفر بأرناط قتله بعد أن قتل من المسلمين خلقًا كثيرًا. بعد ذلك أمر صلاح الدين بإحضار بعض الطعام للملك غي، وما أن انتهى حتى أمر بإحضار أرناط، وأوقفه بين يديه ثم قال له: «نعم أنا أنوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الانتصار لأمته»، ودعاه إلى اعتناق الإسلام، فرفض وقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي محمد، فسلّ صلاح الدين سيفه ودق عنق أرناط، وأمسكه الجنود وأخرجوا جثته ورموها على باب الخيمة، ورآه الملك غي يتخبط في دمائه ويلفظ أنفاسه الأخيرة فخاف وشحب لونه معتقدًا أنه لاحق به، فاستحضره صلاح الدين وطيّب قلبه وقال له:
أنا أحدثك حديث الأمراء، لا تخاف يا ملك فلن تموت اليوم، بل تحيا ولو بقي في قومك بقية كنت أملكك عليهم وأساعدك بمالي ورجالي طول أيام حياتك.

إن سبب ما فعلته به أن الكرك كانت طريق التجار والمسافرين فكان يعتدى على القوافل بظلم وعنف، وكان ملوك المسلمين نور الدين وغيره يطلبون الصلح معه ليخففوا ضرره على المسلمين، فكان يوافقهم مرة ولا يعتدي على التجار وألف مرة يعتدي. فلما تملّكت وحكمت البلاد أرسلت له وهاديته بمال كثير وخلع.. فحلف لرسولي أنه لن يؤذي المسلمين وسيترك التجار بلا ضرر ويمهد لهم الطريق ولن يعتدي أي واحد من أصحابه عليهم، وبعد الصلح بثلاثة أيام عبرت قافلة قاصدة دمشق فساقها بجمالها ورجالها وأموالها وذهب بها إلى الكرك فأسر رجالها وأخذ الأموال فلما عرفت بأمر نقوضه العهد كتمت الغيظ ونذرت لله أنني متى ظفرت به أذبحه واقطع رقبته، فلا تلومني يا ملك.
ثم استدعى خادمه وسأله أن يحضر شراب فجاء به فأخذه بيده وشرب منه وناوله للملك فشربه وأعطى له ولأصحابه خيمة وجعل عليها حراسًا لحراسته واحتفظ به، وأرسله إلى دمشق أسيرًا، يرافقه القاضي ابن أبي عصرون، حتى تنتهي الحرب وتُفتتح القدس، وأرسل معه أيضًا صليب الصلبوت، وهو الصليب الأعظم عند الصليبيين والذي قيل بأن فيه قطعة من الخشبة التي صُلب عليها المسيح، وكان يُغلّف بالذهب واللآلئ والجواهر النفسية، وكان يتقدم الجيش الصليبي على الدوام، وحملوه معهم يوم حطين، وأودع في قلعة دمشق عند وصوله.

نيوز سنتر **فتح القدس:
ظل صلاح الدين في عسقلان حتى نظم إدارتها وسلمها إلى أحد مماليكه واسمه علم الدين قيصر، وأعطاه ولاية عسقلان والقطاع الذي حولها ورحل منها وتوجه إلى القدس لفتحها، ووصلها يوم الخميس في 11 رجب سنة 583هـ، الموافق فيه 20 سبتمبر سنة 1187م، من جهة عين سلوان حتى يكون الماء قريب من جيشه وأمر جنده بمحاصرة المدينة في هيئة دائرية، وصلى المسلمين على الجبل الذي حولها يوم الجمعة، وزحفوا للقتال بعد الصلاة، ولم يكن في المدينة المقدسة قوة كبيرة لحمايتها من الهجوم الأيوبي، حيث لم يزيد عدد الجنود عن 1400 جندي، أما الباقون فكانوا من الفقراء والأهالي الذين لا خبرة لديهم في القتال وكان باليان بن بارزان فارس من فرسان الفرنجة الكبار يسكن مدينة القدس ويتولى شؤونها منذ أن غادرها الملك غي، وكان باليان هذا هو صاحب مدينة الرملة، وقاد القتال في ذلك اليوم وإنضم إليه الكهنة والشمامسة، وكان ماهرًا في إدارة القتال وتوجيه المقاتلين أمام قوات صلاح الدين، وكان خوفه الأكبر أن يقتل المسلمين كل مسيحيي القدس عند دخولهم كما فعل الصليبيون عندما فتحوا المدينة قبل ما يزيد عن قرن من الزمن، فحث السكان أن يدافعوا عن حياتهم ومقدساتهم حتى الرمق الأخير، وعندما أرسل له صلاح الدين أن يسلم المدينة ويطلب الأمان لم يفعل، وأصر على القتال واستمر في الحرب لمدة 14 يومًا.

ولما رأى صلاح الدين أن الحرب ستكون شديدة ولم يقدر على احتلال مدينة القدس، أحضر يوسف البطيط، وهو رجل مسيحي أرثوذكسي مقدسي، انتقل إلى مدينة دمشق وسكن فيها وكان له معرفة بأمراء مسلمين وفرنجة، وكان ممن يعرفهم صلاح الدين، وكان يعرف كذلك أبوه وعمه أسد الدين شيركوه وهم بدمشق في خدمة نور الدين زنكي قبل أن يحكموا مصر، ولما ملك صلاح الدين مصر وحكمها، جاء إليهم ليعمل معهم فاستخدمه الملك العادل أبو بكر أخو صلاح الدين وأعطاه عطايا، وسكنًا في قصر الخليفة في قاعة باب الذهب في القصر الشرقي بالقاهرة، واستخدمه صلاح الدين لمراسلة الفرنجة، وكان يعرف أحوال البلاد وأهلها كما كان يعرف كبار فرسان تلك البلاد، فطلب منه أن يتفق مع المسيحيين الأرثوذكس من عرب وروم يوعدهم بالخير والعفو عنهم إذا لم يساعدوا الفرنجة في القتال وأن يسلموا المدينة لصلاح الدين من الجهة التي يسكنون بها في القدس فيُهلكوا الفرنجة، الذين رفض صلاح الدين أن يعفي عنهم بحال فتح المدينة، حتى هدد باليان بقتل الرهائن المسلمين، والذين يُقدّر عددهم بأربعة الآف مسلم، وتدمير الأماكن الإسلامية المقدسة، أي قبة الصخرة والمسجد القبلي، الذان يُشكلان المسجد الأقصى، إذا لم يعف صلاح الدين عنهم.

نيوز سنتر **لم يطلب صلاح الدين مالاً أو جاهاً انما كان تحرير الأرض وصون العرض ولم الشمل
استشار صلاح الدين الأيوبي مجلسه وقبل هذه الشروط، على أن يتم دفع فدية على كل من فيها مقدارها عشرة دنانير من كل رجل وخمسه دنانير من كل امرأة ودينارين عن كل صبي وكل صبية لم يبلغ سن الرشد، فمن أدى ما عليه في المهلة التي قدرها أربعين يومًا، صار حرًا. ثم سمح صلاح الدين بعد أن انقضت المهلة لمن لم يستطع الدفع منهم بالمغادرة دون فدية، ولكن تم بيع معظم المقاتلة منهم عبيدًا.

نيوز سنتر **الدخول لبيت المقدس..التسامح الديني:
دخل صلاح الدين المدينة في ليلة المعراج يوم 27 رجب سنة 583هـ، الموافق فيه 2 أكتوبر سنة 1187م، وسمح لليهود بالعودة للمدينة، وهو ما دفع سكان عسقلان من اليهود لاستيطان القدس. وأغلق صلاح الدين كنيسة القيامة بوجه الفرنجة بعد فتح المدينة، وأمر بترميم المحراب العمري القديم وحمل منبر مليح من حلب كان الملك نور الدين محمود بن زنكي قد أمر بصنعه ليوضع في المسجد الأقصى متى فُتح بيت المقدس، فأمر صلاح الدين بحمله من حلب ونُصب بالمسجد الأقصى، وأزيل ما هناك من آثار مسيحية منها الصليب الذي رفعه الإفرنج على قبة المسجد، وغُسلت الصخرة المقدسة بعدة أحمال ماء ورد وبُخّرت وفُرشت ورُتّب في المسجد من يقوم بوظائفه وجُعلت به مدرسة للفقهاء الشافعية، ثم أعاد صلاح الدين فتح الكنيسة وقرر على من يرد إليها من الفرنج ضريبة يؤديها.

نيوز سنتر ***وفاته:
كانت المواجهة مع الملك ريتشارد ومعاهدة الرملة آخر أعمال صلاح الدين، إذ أنه بعد وقت قصير من رحيل ريتشارد، مرض صلاح الدين بالحمى الصفراوية يوم السبت في 20 فبراير سنة 1193م، الموافق فيه 16 صفر سنة 589هـ، وأصابه أرق فلم ينم الليل إلا قليلاً، وأخذ المرض يشتد ويزيد، حتى قال طبيبه الخاص، أن أجل السلطان أصبح قاب قوسين أو أدنى، واستمر المرض يشتد حتى انتهى إلى غاية الضعف، وبعد تسعة أيام حدثت له غشية وامتنع من تناول المشروب، ولمّا كان اليوم العاشر حُقن دفعتين، وحصل له من الحقن بعض الراحة، لكنه عاد واشتد عليه المرض حتى يأس الأطباء من حاله.

توفي صلاح الدين فجر يوم الأربعاء في 3 مارس سنة 1193م، الموافق فيه 27 صفر سنة 589هـ، فأفجع موته المسلمين عمومًا والدمشقيين خصوصًا، وبكاه الكثيرون عند تشييعه وقيل إن العاقل حتى كان ليُخيل له أن الدنيا كلها تصيح صوتًا واحدًا من شدة البكاء، وغشي الناس ما شغلهم عن الصلاة عليه، وتأسف الناس عليه حتى الفرنج لما كان من صدق وفائه، ودُفن بعد صلاة عصر ذلك اليوم في المدرسة العزيزية قرب المسجد الأموي في دمشق، إلى جوار الملك نور الدين زنكي، وعندما فُتحت خزانته الشخصية لم يكن فيها ما يكفي من المال لجنازته، فلم يكن فيها سوى سبعة وأربعين درهمًا ناصريًا ودينارًا واحدًا ذهبًا، ولم يخلف ملكًا ولا دارًا، إذ كان قد أنفق معظم ماله في الصدقات.
في ساعة موته، كتب القاضي الفاضل، قاضي دمشق، إلى ولده الملك الظاهر صاحب حلب رسالة قال فيها: «﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾۞﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ كتبت إلى مولانا الملك الظاهر أحسن الله عزاءه، وجبر مصابه، وجعل فيه الخلف من السلف في الساعة المذكورة وقد زلزل المسلمون زلزالاً شديدًا، وقد حضرت الدموع المحاجر، وبلغت القلوب الحناجر، وقد ودعت أباك ومخدومي وداعًا لا تلاقي بعده وقبلت وجهه عني وعنك، وأسلمته إلى الله وحده مغلوب الحيلة، ضعيف القوة، راضيًا عن الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وبالباب من الجنود المجندة، والأسلحة المعمدة ما لم يدفع البلاء، ولا ما يرد القضاء، تدمع العين، ويخشع القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وأنا بك يا يوسف لمحزونون. وأما الوصايا، فما تحتاج إليها، والأراء، فقد شغلني المصاب عنها، وأما لائح الأمر، فإنه إن وقع اتفاق، فما عدمتم إلا شخصه الكريم، وإن كان غير ذلك، فالمصائب المستقبلة أهونها موته، وهو الهول العظيم والسلام».

وكان غايلهلم الثاني إمبراطور ألمانيا عندما زار دمشق توجه إلى مدفن صلاح الدين ووضع باقة زهور جنائزية على قبره عليها نقش معناه “ملك بلا خوف ولا ملامة، علّم خصومه الفروسية الحقيقية”،كما أهدى نعشًا رخاميًا للضريح إلا أن جثمان صلاح الدين لم يُنقل إليه، وبقي في النعش الخشبي، وذلك لأن الإسلام يُحّرم نبش القبور وإخراج الأموات لأغراض غير شرعيّة ويُصنّف ذلك انتهاكًا لحرمة القبر، لهذا بقي النعش الهدية في الضريح خاويًا إلى اليوم.

نيوز سنتر ** صلاح الدين في الوعي الأوروبي:
بالرغم من كون صلاح الدين خصمًا للأوروبيين، فإنه ظل في الوعي الأوروبي نموذجًا للفارس الشهم الذي تتجسد فيه أخلاق الفروسية بالمفهوم الأوروبي، حتى أنه توجد ملحمة شعبية شعرية من القرن الرابع عشر تصف أعماله البطولية. فعلى الرغم من المذبحة التي قام بها الصليبيون عندما احتلوا القدس في عام 1099م، فقد عفى صلاح الدين وسمح للمسيحيين الغربيين بالمغادرة مع بقايا الجيش المسيحي المنهزم، طالما أنهم كانوا قادرين على دفع الفدية التي فرضها عليهم. كما عومل الأرثوذكس (ومنهم مسيحيون عرب) معاملة أفضل لأنهم عادة ما كانوا يعارضون الغزو الأوروبي الصليبي. بالرغم من الاختلاف في العقيدة فإن القُواد المسيحيين امتدحوا صلاح الدين، خصوصًا ريتشارد قلب الأسد، الذي قال عنه أنه أمير عظيم وأنه بلا شك أعظم وأقوى قائد في العالم الإسلامي؛ كما رد صلاح الدين بأنه لم يكن هناك قائد مسيحي أشرف من ريتشارد. وبعد معاهدة الرملة، تبادل صلاح الدين وريتشارد الهدايا كرمز للاحترام المتبادل، ولكنهما لم يلتقيا قط وجهًا لوجه. وقد ذكر بهاء الدين الأصفهاني، أنه في شهر أبريل من سنة 1191م، كانت امرأة من الفرنجة قد سرق منها طفلها الذي يبلغ من العمر ثلاث شهور، وبيع في السوق، فنصحها الفرنجة بالتظلم لصلاح الدين الأيوبي نفسه، فأمر صلاح الدين باستعادة الطفل من ماله الخاص لأمه، وأعادها إلى مخيمها. قال عنه المؤرخون الأوروبيون أنه “من الحق أن كرمه وورعه وبعده عن التعصب؛ تلك الليبرالية والنزاهة التي كانت النموذج الذي ألهم مؤرخينا القدماء؛ هي ما أكسبه احترامًا في سوريا الإفرنجية لا يقل عن الذي له في أرض الإسلام.”.

إدموند ألنبي النقيض لصلاح الدين
وعلى النقيض، ووفقًا لبعض المصادر، فخلال الحرب العالمية الأولى، أعلن القائد البريطاني إدموند ألنبي بفخر أن “اليوم انتهت الحروب الصليبية” رافعًا سيفه نحو تمثال لصلاح الدين الأيوبي بعد الاستيلاء على دمشق، وهي العبارة التي لازمت ألنبي طوال حياته، وهو ما احتج عليه بشدة ضد من يصفون غزوه لفلسطين عام 1917م بالحملة الصليبية. وفي عام 1933م، ذكر ألنبي أن أهمية القدس تكمن في أهميتها الاستراتيجية، ولم يكن هناك دوافع دينية لتلك الحملة. كما احتفلت الصحافة البريطانية أيضًا باحتلال الشام برسم هزلي لريتشارد قلب الأسد وهو ينظر إلى القدس وكتب تحتها عبارة “أخيرًا، تحقق حلمي”.[165] وبعد أن دخل الفريق أول الفرنسي هنري غورو المدينة في شهر يوليو من عام 1920م، ركل قبر صلاح الدين الأيوبي وهو يصيح “استيقظ يا صلاح الدين، قد عدنا تواجدي هنا يكرس انتصار الصليب على الهلال”.

نيوز سنتر







المركز السوري للأخبار والدراسات

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: