بورتريه

فدوى سليمان:هدفنا إسقاط النظام وبناء دولة مدنية ديمقراطية تشبه جميع السوريين

لا أخشى من المد الإسلامي وليكن خيار الشعوب ما يكون الأكثر ضرورة لتطورها ولحاجتها

“يراودني الخوف من الموت لسبب واحد: أن أموت قبل أن تكون رسالتي قد وصلت كاملة”. بهذه الكلمات، تختمُ الممثلة والناشطة السوريّة فدوى سليمان لقاءها مع “شباب السفير”. ليس ثمّة خوف على حياة حين تكون الحياة نضالاً في سبيل الحريّة!

لا يبدو على الممثلة السوريّة التي باتت قائدة محترفة للتظاهرات في كافة أحياء مدينة حمص الثائرة أنّها معنيّة بـ”مصادفة ميلادها”. تقول: “لا يمكن أن أسمّي نفسي أو أعلّب نفسي أو أحصر نفسي بتسمية حتى أستطيع أن أقول لك ما هي علاقتي بما ذكرت (الطائفة العلويّة).. لأن علاقتي دائماً مع الإنسان غير المسمّى إلا بإنسانيته”.

بنت “صافيتا” التي غادرت العاصمة السوريّة لتكون “صوتاً صارخاً” في “عاصمة الثورة السوريّة” تعي تماماً معنى حضورها في المدينة التي تُسأل كثيراً عن السلم الأهلي. لكنّها في الوقت نفسه لا تتردّد في قول رأيّها الصريح بموقف الغالبيّة من أبناء الأقليات من الثورة: “إن كانت الأقليات تخاف من ثورة الأكثرية فعليها أن تكون في الشارع اليوم لتقول كلمتها وتعبر عن حلمها في سوريا الغد، وترى نتائج هذا بنفسها مع بقية السوريين المنتفضين على الأرض. أما أن يتذرعوا بأنهم خائفون من النظام فإن النظام، قبل الثورة وبعدها، يقمع الأقليات كما يقمع الأكثريّة”.

فدوى سليمان التي اختارت الدراسة في المعهد العالي للفنون المسرحيّة، “لأن المسرح بحد ذاته يفسح لك المجال بأن تثور على نفسك أولاً وأن تعري ذاتك أمام نفسها وتكشف عيوبها ومشاكلها”، لا تخشى أن يحمل الربيع العربي، بنسخته السوريّة، قوى إسلاميّة إلى سدّة الحكم، كما حصل حتى الآن في مصر وتونس. تقول: “عندما يكون خيار الشعوب أمام صناديق الاقتراع الحرّة والديموقراطية، فلتأت النتائج كما تأتي. لأنه سيكون الأصدق والأكثر ضرورة لتطورها وحاجتها. لا أخشى من المد الإسلامي فنحن شئنا أم أبينا ثقافتنا إسلاميّة ولسنا بعيدين عن الإسلام، لكن الإسلام لا يعني التطرّف”.

**ما هي رمزيّة الكوفيّة التي تضعينها، مع زميلك عبد الباسط ساروت، خلال التظاهرات. لا سيّما أن ثوّار سوريا ضد الاحتلال الفرنسي كانوا يرتدونها؟
كانت الكوفية رمزاً لكل الثوار العرب في صراعهم الطويل والمرير ضد الاستعمار، ولأننا في سوريا محتلون من قبل عصابة تقتحم المدن وتحاصرها، فنحن نعتبر أنفسنا كالثوار العرب. نلبس الكوفية التي كانت رمزهم، ورمز كفاحهم.

**كونك علويّة بالولادة، هل لنا أن نعرف شكل علاقتك بالطائفة؟
لم أقل يوماً إنني أنتمي إلى طائفة أو دين أو عرق. منذ لحظات وعي الأولى كطفلة كنت أحسّ أن انتمائي إلى هذا الكون الفسيح والكبير وأنّني جزء منه، وقد أكون خلية من خلاياه أو نواة لخلية من خلاياه، ولا يمكن أن أسمي نفسي أو أعلّب نفسي وأحصر نفسي بتسمية حتى أستطيع أن أقول لك ما هي علاقتي بما ذكرت.. لأن علاقتي دائماً مع الإنسان غير المسمى إلا بإنسانيته.

**لم تنخرط الأقليات بأغلبيتها في الحراك السوري، هل الخوف من قمع النظام كاف لعدم الخروج؟
لم يعد هناك أي مبرر للأقليات لعدم مشاركتها في الثورة، وإلا سنضطر حينها للقول إن الثورة لم تصلهم بعد. فالثورة كفيلة بدفعهم لفهم بنية النظام الذي لم يحمِهِم أصلاً وهم يعرفون ذلك. وإن كانت الأقليات تخاف من ثورة الأكثرية فعليها أن تكون في الشارع اليوم لتقول كلمتها وتعبّر عن حلمها في سوريا الغد وترى نتائج هذا بنفسها مع باقي إخوتهم السوريين المنتفضين على الأرض. أما أن يتذرعوا بأنهم خائفون من النظام، فإن النظام قبل الثورة وبعدها يقمع الأقليات كما يقمع الأكثرية، وإن كانت أخطاء المعارضة منعتهم من المشاركة فما الذي يمنعهم من سد ثغرات المعارضة بثورتهم وتواجدهم في الشارع، وتبادل الآراء السياسية حول سوريا الغد مع كل أطياف المجتمع السوري!

النظام أوهم الأقليات بحمايتهم من خطر المد الإسلامي
**بين الأقليات والنظام: من تعتقدين أنّه المستفيد من الآخر بشكل أكبر؟
النظام هو المستفيد، لأنه أوهم الأقليات بأنه حامي حماهم من خطر المد الإسلامي المزعوم الذي سيأتي ويقضي عليهم، وأن وجودهم مرتبط بوجوده وإلا جاء الإخوان المسلمون وذبحوهم عن بكرة أبيهم. ولأنه نجح في زراعة هذا الوهم منذ أربعين عاماً في الذهنيّة العامّة لدى الأقليات فقد كسب ودّهم ودعمهم، وقبلوا حتى إذلاله وإفقاره لهم ليضمنوا فقط حياتهم.

**لماذا اخترت الدراسة في المعهد العالي للفنون المسرحيّة؟
اخترت المسرح لأن المسرح بحد ذاته يفسح لك المجال بأن تثور على نفسك أولاً، وأن تعرّي ذاتك أمام نفسها، وتكشف عيوبها ومشكلاتها، وبعدها يصبح وسيلة من وسائل التعبير الحرّة ووسيلة من وسائل الإبداع، ولن يوجد إبداع إن لم تكن هناك حرية. كما اخترته لإيماني بأنني قادرة على تغيير المفاهيم المجتمعية والقيم الإنسانية والارتقاء إلى مستوى إنساني جديد، لأن المسرح قادر على كشف وتعرية بنى المجتمع الفكرية والإنسانية والثقافية والسياسية، وقادر على نقل رؤية جديدة للواقع إلى الجمهور، وبهذا يحدث التغيير، كما يخلق الفرح ويحرّض على الإبداع.

**بعد مصرع القذافي بالطريقة التي رأيناها على أيدي الثوار الليبيين..هل تظنين أن ثمة غريزة انتقام تحتقن في نفوس السوريين وربما تتجه لاحقاّ في اتجاهات لا تحمد عقباها؟
لا أعتقد أن تجربة ليبيا ستتكرر في سوريا. بالتأكيد ستظهر بعض الجماعات الحاقدة والانتقامية، ولكن غالبية الشعب السوري تريد أن تُحكم بواسطة القانون. ويجب أن تتمّ محاكمات عادلة لكل من تلطخت يداه بدماء السوريين. فالسوريون يطالبون بدولة مدنية قانونية يكون فيها جميع أبناء الشعب السوري سواسية أمام القانون.

**ما هي الأولويات التي تعتقدين أن على المعارضة العمل عليها في المرحلة التي تلي سقوط النظام؟
قبل سقوط النظام وبعده على المعارضة أن تنزع عنها عباءتها التي التصقت بها لسنين طويلة، لترميها جانباً اليوم، وتقف صفاً واحداً وقلباً واحداً خلف الشارع السوري، دعماً لثورة الشباب ومطالبهم المحقّة دون النظر إلى خلافاتهم الشخصية على حساب سوريا وشعب سوريا والوطن.

**ما هي أسباب تشتّت المعارضة السوريّة برأيك؟
لأنهم ما زالوا يعملون بمنطق سياسة المصالح، وعندما يبدؤون بالتخلي عن مصالحهم الذاتية ليفكروا بالمصلحة العليا، وهي مصلحة الوطن، سيجدون أنفسهم معاً على طريق واحدة، وهي إسقاط النظام أولاً ثم بناء دولة مدنية ديمقراطية تشبه كل السوريين وتحقق حلمهم ثانياً، ولأنهم ما زالوا يفكرون بعقلية الأحزاب التقليدية التي لم تنجب شيئاً في مرحلتهم على الأرض ويريدون تطبيقها اليوم، وكأن الزمن لم يمر عليهم ولم يروا التطورات التي دخلت كل بيت سوري وكل فكر سوري.

الحوادث الطائفية هي من فعل النظام..ومخطط الفتنة فشل على أيدي السوريين في حمص
**كيف تنظرين إلى حوادث العنف الطائفيّة التي جرت في حمص؟ من المسؤول؟ ومن الفاعل؟!
لقد اختار النظام حمص لأنه يعرف تماماً أنه قادر، بسبب طبيعة حمص المتنوّعة طائفيّاً واثنيّاً، على تنفيذ كل خططه الإجرامية على الشعب السوري، ومنها: بث الفتنة الطائفية بين أبناء الوطن الواحد، وبالأخص أن حمص تحوي أطيافاً متعددة من الشعب السوري، والحوادث الطائفية التي جرت في حمص هي من فعل النظام الذي شكّل فرقاً للموت من كل الطوائف، وقام بدفع المال لها لتقوم بعمليات الخطف والتنكيل والتعذيب والتقطيع والتشويه ورمي الجثث في أحياء بعضهم البعض؛ لتظن كل طائفة أن الطائفة الأخرى هي التي قامت بفعل القتل، ولكن أبشّر النظام وأبشّر العالم أن هذا المخطط فشل على أيدي السوريين في حمص، وأن الثوار هم من يحمون السلم الأهلي ويرفضون الانجرار وراء فتنة النظام.

**هل تعتقدين بوجود أخطاء في آلية عمل التنسيقيات والحراك الشعبي في الداخل؟ ماهي؟!
هناك أخطاء كثيرة، مردها إلى قلة الخبرة في العمل الميداني والعمل الجماعي. في البداية كانت الصعوبات أكبر والتنظيم كان فاشلاً أكثر، ولكن مع التقدم في الثورة وجدنا أننا نكتسب الخبرة شيئاً فشيئاً في تنظيم الحراك وتوحيد الشعارات والتواصل ما بين التنسيقيات جميعها، والاتفاق على تنفيذ الخطط التي يقوم بوضعها الجميع، وتوزيع المهام على بعضنا البعض.

**بعد التجارب الانتخابيّة الديمقراطيّة في تونس ومصر، وبالنظر إلى القيادات التي تحكم ليبيا اليوم. كيف تنظرين إلى نجاح القوى الإسلامية في البلدان التي صنعت الربيع العربي؟ هل تخشين من “المد الإسلامي”؟
عندما يكون خيار الشعوب أمام صناديق الاقتراع الحرة والديمقراطية، فليكن خيار الشعوب ما يكون، لأنه سيكون الأصدق والأكثر ضرورة لتطورها ولحاجتها.
لا أخشى من المد الإسلامي، فنحن شئنا أم أبينا ثقافتنا إسلامية ولسنا بعيدين عن الإسلام، ولكن الإسلام لا يعني التطرف، بل هو طريقة من طرق العبادة ولن تُفرض على أحد في سوريا، فلم يسبق للشعب السوري أن فرض أحد طريقة عبادته على الآخر. ولكن أن يكون الحكم إسلامياً، بمعنى أن يكون الدستور والقانون مستمدان من أحكام الشريعة الإسلامية، فهذا يمنعنا من بناء الدولة المدنية الديمقراطية التي يحلم بها السوريون، والتي تستمد قوانينها من ضرورات الحياة اليومية والمعاصرة وفق دستور يضعه الشعب حسب حاجاته ومتطلباته.

سؤال أخير: فدوى سليمان، هل يراودك شعور بالخوف من الموت أحيانا؟
يراودني الخوف من الموت لسبب واحد: أن أموت قبل أن تكون رسالتي قد وصلت كاملة!

نيوز سنتر-إعداد: محمد دحنون
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: