بورتريه

عز الدين القسام صور متعددة لرجل واحد..

من جبلة إلى حيفا: المياه واحدة..القسام شخصية نادرة التقى الجميع من إسلاميين وقوميين عرب ويساريين على تمجيدها

نيوز سنتر

ليس لعز الدين القسام إلا صورة واحدة مشهورة يظهر فيها رجلاً معمماً ذا لحية بيضاء ونظرة  حالمة وجامدة معاً. لم نعثر على أي صورة أخرى له تشير إلى جانب من جوانب حياته اليومية، أو تشي بالطريقة التي كان يلامس بها الأشياء، أو تومض بالحزن أو الفرح أو الدهشة. والصورة الوحيدة التي بين أيدينا هي تلك المتسربلة ببياض العمة واللحية والتي لا تقول أي أمر عن القسّام، فكأنها صورة شبحية لشخصية مبجلة غير مرئية على الإطلاق. غير أن للقسام وجوهاً متعددة، لا ريب في ذلك، وهي تختلف، إلى حد ما، عن الصورة النمطية التي نسجتها له المرويات الكثيرة. انه رجل دين، وهذا أمر معروف وشديد الشيوع. وهو قومي عربي أيضاً، فقد انتمى إلى حزب الاستقلال في سنة 1932. وهو، على الرغم من العمة والجبة واللحية، شبه علماني، فقد كان من بين رجاله حنا شنودة وهو من أقباط مصر المقيمين في فلسطين آنذاك. وهو مقاتل ضد الاستعمار وفي سبيل التحرر الوطني؛ فقد قاتل الاستعمار الفرنسي في سوريا، ثم تابع نضاله في فلسطين. لهذا التقى الجميع من إسلاميين وقوميين عرب ويساريين على تمجيد هذه الشخصية النادرة.

انتمى القسام إلى تيار الإصلاح في الحركة الإسلامية الجديدة التي كان الأفغاني ومحمد عبده من أبرز أعلامها، ووقف ضد الصوفية وطرقها ومسلكها العبادي لأنها لم تكن تلتفت إلى العمل الوطني البتة، تماماً مثل مواطنه الشيخ محمد سعيد العرفي في دير الزور الذي درس في الأزهر، وتأثر بمحمد عبده أيضاً، وحين عاد إلى بلاده راح يتصدى للصوفية وخرافاتها، وللاستعمار الفرنسي وسياساته، وكرس شوطاً من حياته للبرهان عن أن أضرحة الأولياء لا تنفع ولا تشفي أحداً.

وعز الدين القسام، بهذا المعيار، يختلف عن الحاج أمين الحسيني الذي ينتمي إلى المؤسسة الإسلامية التقليدية التي يدور نشاطها على الأوقاف كمصدر للأموال والزعامة، وعلى الإفتاء والقضاء. غير أن زعامة الحاج أمين الحسيني لم تأتِ إليه من منصب الإفتاء، بل من الإرث الوطني لعائلته، ولا سيما إرث موسى كاظم الحسيني الذي مات جراء إصابته في تظاهرات 1933.

والحاج أمين نفسه كما عز الدين القسام كانت الوطنية لديه تغلب على رمزية الجبة والعمة واللحية، فثلاثة من أبرز معاونيه كانوا مسيحيين هم: إميل الغوري وعزت طنوس وعيسى نخلة. وأبعد من ذلك، فإن كثيرين من القادة الأوائل لحركة فتح، أمثال صلاح خلف (أبو إياد) وسليم الزعنون (أبو الأديب) وخليل الوزير (أبو جهاد) ومحمد يوسف النجار وكمال عدوان انضموا إلى الإخوان المسلمين في بداية حياتهم السياسية لا لأسباب عقيدية، بل لأسباب وطنية.

لم تبدأ التجربة الوطنية لعز الدين القسام في فلسطين، بل في سوريا، وهي التجربة الأساسية التي اكتسب فيها الخبرة. وتأثر القسام بتجربة أحمد عرابي الذي قاتل الانكليز منفرداً في ثورة 1882 في عهد الخديوي توفيق، الأمر الذي سيتكرر في سوريا في معركة ميسلون سنة 1920 حين قاتل يوسف العظمة الفرنسيين مع قلة قليلة من الرجال واستشهد في الميدان.

أما التجربة القتالية المباشرة التي اكتسب القسام في أثنائها خبرات ميدانية فكانت في معمعان الثورة على الفرنسيين في الشمال السوري مع عمر البيطار. واللافت في الثورات الأربع التي اندلعت في تلك المرحلة وهي ثورة صالح العلي، وثورة عمر البيطار ورفيقه القسام، وثورة إبراهيم هنانو، وثورة الاسكندرون بقيادة صبحي بركات، أن جميع القادة لجأوا إلى الخارج؛ فقد لجأ صبحي بركات بعد هزيمة ثورة الاسكندرون إلى حمى الفرنسيين في دمشق، ثم انقلب عليهم وعاد إلى الاسكندرون؛ وتسلل إبراهيم هنانو بعد هزيمة ثورة جبال الزاوية إلى الأردن ثم إلى القدس فاعتقل وسُلِّم إلى الفرنسيين؛ وظل عمر البيطار في جبال العلويين متخفياً ردحاً من الزمن، وبعد أن ضاقت الأحوال عليه، سلم نفسه إلى الفرنسيين؛ ولجأ عز الدين القسام إلى فلسطين كما هو معروف.

لم يكن القسام أول من بدأ العمل العسكري في فلسطين ضد سلطات الانتداب والمهاجرين اليهود، لكن ثورته المسلحة كانت الأبعد أثراً، والمقدمة التأسيسية لاندلاع ثورة 1936 ـ 1939. قبله أسس أحمد طافش في تشرين الأول 1929 «عصابة الكف الأخضر» التي قضّت مضاجع البريطانيين في قضاء صفد.

لكن هذه المجموعة لم تستمر في نضالها المسلح طويلاً، فتشتت شملها، وفر أحمد طافش إلى الأردن، فاعتقل وسُلِّم إلى الانكليز، ولم يعرف مصيره على وجه الدقة. وحتى القسام نفسه بدأ العمل العسكري، أول مرة، بهجوم على مستعمرة الياجور في 5/4/1931، أي في السنة نفسها التي اعتقل فيها أحمد طافش. لكن هذا الجهد توقف في أواخر سنة 1932 بعد اعتقال مصطفى الأحمد وإعدامه وانكشاف بعض أسرار المجموعة. لكنه عاد إلى شراء الأسلحة وتخزينها وتدريب الأعضاء على القتال في أوائل سنة 1935. والسبب هو أن الهجرة اليهودية إلى فلسطين تفاقمت في تلك الفترة بصورة خطرة في ظل تواطؤ الانكليز، وتهتك أحوال الحركة الوطنية الفلسطينية جراء النزاع بين المفتي أمين الحسيني وراغب النشاشيبي، وكان لا بد من التحرك لوقف هذا التدهور.

اعتمد القسام خطة بسيطة تقوم على التحريض في خطب الجامع (أي التعبئة)، وعلى الاتصال بالأهالي وانتقاء الأعضاء من بينهم (أي التنظيم)، ثم التدريب على السلاح. وتمكن من أن يجمع إليه مفرزة من المقاتلين والأنصار أمثال الشيخ فرحان السعدي، وحسن الباير (الذي كان سارقاً وصار على يدي القسام مقاتلاً شريفاً)، وأحمد الغلاييني (الذي كان سمكرياً وصار صانعاً للعبوات المتفجرة)، وعطيفة المصري (مهرب حشيش سابق)، وأحمد الطيب (قبضاي سابق). ويروي صبحي ياسين ان القسام أرسل إلى الحاج أمين الحسيني قبل شهور عدة من إعلان الثورة يعلمه بأنه شارف على الانتهاء من الاستعدادات، فأجابه الحاج أمين بأن الوقت لم يحن بعد لمثل هذا العمل.

تذكرني تلك الرواية، إذا كانت صحيحة، بجدال «العقلاء» و«المجانين» في حركة فتح قبيل انطلاقة الكفاح المسلح. لقد تغلب «المجانين» على «العقلاء» وبدأوا الثورة الفلسطينية المعاصرة التي كانت لها نتائج هائلة واهتزازية في الواقع العربي. والأمر نفسه وقع في تشرين الثاني 1935 حين خرج ستة عشر مقاتلاً إلى أحراج يعبد، وخاضوا قتالاً بطولياً ضد قوات الانتداب البريطاني، واستشهد في ختامه قائد المجموعة عز الدين القسام وبعض رفاقه. لكن هذا الاستشهاد المدوي لا زالت أصداؤه تتردد، حتى اليوم، كأمثولة في الوطنية والشجاعة وطلب الحرية، وصار اسم عز الدين القسام منارة هادية لكثيرين ساروا على نهجه وحملوا رايته.

من جبلة إلى حيفا: المياه واحدة
÷ ولد في جبلة ـ سوريا في سنة 1882.
÷ كان والده عبد القادر القسام معلماً في أحد الكتاتيب.
÷ سافر إلى القاهرة في سنة 1896، ودرس الشريعة في الأزهر. وفي أثناء وجوده في القاهرة اطلع على الأفكار الإصلاحية المناوئة للأزهر التي كان ينشرها محمد عبده، وتأثر بها.
÷ عاد إلى جبلة في سنة 1906 بعد أن تخرج في الأزهر حاملاً الشهادة الأهلية التي تتيح له تدريس الشريعة واللغة العربية والخطابة في المساجد.
÷ عين إماماً للجامع المنصوري في جبلة.
÷ شارك في ثورات الشمال السوري ضد الانتداب الفرنسي مع عمر البيطار، واضطر إلى مغادرة بلده إلى فلسطين هرباً من مطاردة الفرنسيين له.
÷ وصل إلى حيفا في سنة 1920.
÷ عمل مدرساً في مدرسة البرج بحيفا منذ تأسيسها في سنة 1922، وتولى إمامة المصلين في جامع الاستقلال منذ سنة 1925.
÷ بدأ العمل العسكري ضد الانتداب البريطاني في سنة 1931.
÷ انتمى إلى حزب الاستقلال العربي منذ تأسيسه في سنة 1932 مع عوني عبد الهادي ورشيد الحاج إبراهيم ومحمد عزة دروزة وأكرم زعيتر وغيرهم.
÷ استشهد في أحراج قرية يعبد في 19/11/1935 بعد معركة غير متكافئة مع القوات البريطانية

نيوز سنتر
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: