بورتريه

عميد السياسة السورية فارس الخوري.. رجل حقَّق المعجزات وناضل بكفاءة من أجل إنجاز الاستقلال

يشكل مجيئه إلى رئاسة الوزارة، وهو مسيحي پروتستانتي، سابقةً في تاريخ سورية الحديث والنضج السياسي

نيوز سنتر –  ندره عبد الله يازجي

ولد فارس الخوري في العام 1873 في قرية الكفيْر اللبنانية، وأمضى مدة دراسته الابتدائية في مدرسة للقرية كان المرسَلون الأمريكيون قد أسسوها. ثم تابع تعليمه في مدرسة مشابهة لها في صيدا في العام 1887:
أقام في هذه المدرسة ثلاث سنوات، وأستاذه في الحساب كان الدكتور نجيب الصليبي، من سوق الغرب، الذي اشتهر بمقدرته في الرياضيات، وكان حريصًا أن يُعجِزَ تلميذه فارسًا في مسائل الحساب، فلم يجد إلى ذلك سبيلاً. كان يأتيه كل يوم بمسائل ومعضلات من الكتب الإنكليزية، فيأتيه فارس بحلِّها.
لم يكن إعجاب أستاذ الرياضيات بأكثر من إعجاب أستاذ اللغة العربية. فقد حفظ فارس ألفية ابن مالك لابن عقيل وأرجوزة نار القرى للشيخ ناصيف اليازجي.
تابع دراسته في الجامعة الأمريكية، المسماة بـ”الكلِّية الإنجيلية السورية” وقتذاك، حاصلاً منها بتفوق على شهادة بكالوريوس في العلوم (الجدير بالذكر أن هذه الشهادة كانت شهادة ثقافة عامة).
درَّس سنتين اللغة العربية والرياضيات في الجامعة الأمريكية، واستقال منها ليعمل مع يعقوب صرُّوف في مجلة المقتطف. سافر إلى دمشق، وشاءت الظروف أن يُمنَع من السفر منها بسبب انتشار الوباء، فقرر الإقامة فيها. دُعِيَ للعمل في إدارة المدارس الأرثوذكسية في دمشق والتدريس فيها. وإلى جانب ذلك، كان يعطي دروسًا في “مكتب عنبر”. انتقل بعد ذلك ليعمل في القنصلية البريطانية في العام 1902، واستمر في عمله في القنصلية حتى إعلان الدستور في الدولة العثمانية في العام 1908. وقد مكَّنه ذلك من الحصول على نوع من الحماية من الاستبداد العثماني، ومن خدمة كثير من الوطنيين، وفي جملتهم الشيخ عبد الحميد الزهراوي الذي كانت السلطةُ العثمانية على وشك طرحه في البوسفور تخلصًا منه، وذلك قبل إعلان الدستور. في تلك الفترة درس دراسةً ذاتيةً اللغتين التركية والفرنسية:
كانت الفرنسية شائعة في الأوساط الدمشقية التي كان يتردد إليها، وخاصة في أوساط باب توما المسيحية. وعندما كان يُعرَف أنه سيزور بيتًا، كان ذلك البيت يملؤه الزائرون والزائرات، وتلتف حوله الأوانس والعقائل، وأكثر محادثاتهن بالفرنسية.
وحدث أنْ انقطع مدةً من الزمن عن المجتمعات العائلية، وكَثُرَ التساؤلُ عنه وعن أسباب غيابه. وبعد بضعة أسابيع، يعود ويفاجئ جلساءه، مشاركًا إيَّاهم استعمال اللغة الفرنسية.
دخل جمعية “الاتحاد والترقِّي”. وعندما اتضحت نوايا الاتحاديين الأتراك، انسحب منها في العام 1912. رشَّح نفسه لـ”مجلس المبعوثان” (البرلمان العثماني). وعلى الرغم من مقاومة الاتحاديين له، فاز بأكثرية كبيرة من الأصوات. وفي كلماته في المجلس، وفي قصائد شهيرة له في بعض المناسبات، كانت تبرز نزعتُه القوميةُ التحررية. وقد أبرز المصدر المشار إليه شواهدَ واضحةً عن جرأته وقوة حجته وتصدِّيه لأقطاب الاتحاديين، مثل طلعت وأجاويد.
وخلال إقامته في اسطنبول، كان يحضِّر لنيل إجازة من “معهد الحقوق” لم يحصل عليها، إذ اعتقلتْه السلطاتُ التركية في صيف 1916، وبدأت محاكمته التي سيأتي الحديث عنها.
هذا الحقوقي غير المأذون، أصبح أستاذًا في معهد حقوق دمشق، ونقيبًا للمحامين فيها، وعضوًا في لجنة الحقوق الدولية التابعة لهيئة الأمم المتحدة.

سعى فارس الخوري، من خلال عضويته في مجلس المبعوثان وعلاقاته الواسعة في اسطنبول، وبحصوله على توصيات شفهية من بعض أقطاب الدولة العثمانية، للتدخل لدى جمال باشا لصالح الوطنيين العرب، – ومنهم مَن كانوا يحاكَمون في عاليه، – فقابله من أجل ذلك في ربيع العام 1916. ولكنه اعتُقِلَ بعد أسابيع قليلة، وقدِّم للمحاكمة بتهمة التآمر على أمن الدولة. وكانت النتيجة أنه كاد أن يلتحق بِمَن أُعدِمَ منهم في 6 أيار من ذلك العام.
كانت الحبائل التي نصبها له الشيخُ أسعد الشقيري، مفتي الجيش الرابع ومرافق جمال باشا، السبب المباشر لغضب هذا عليه. فقد كان الشيخ في زيارته السابقة لاسطنبول يتردد على مجلس المبعوثان ويحضر جلساته؛ وقد سمع مناقشاتِ فارس ولاحظ حضورًا ناجحًا وقويًّا له هناك، فلم يَرُقْ له ذلك، وأخذ يحرِّض عليه النوابَ العرب، غير أن أحدًا لم يصغِ إليه. هذا ما أسرَّ به لفارس زميلُه في المجلس، نائب القدس، راغب النشاشيبي.

لقد تضافرت عوامل عدة لإنقاذ فارس من حبل المشنقة، منها تهديد فيصل الأول لجمال باشا في شأنه وفي شأن الموقوفين العرب – وكانت قد بدأت الثورة العربية الكبرى، ووقع عددٌ من الضباط الأتراك أسرى في قبضتها. ومن عوامل إنقاذه أيضًا براعته في الدفاع عن نفسه أمام المحكمة، حتى إنه اتُّهِمَ بتنويم الشهود مغناطيسيًّا!
كذلك مُنِعَ من النظر إلى وجه الشاهد لأن نظراته ساحرة، تؤثر فيه تأثير التنويم المغناطيسي. فقال باسمًا: “أتخيفه نظراتي أكثر مما تخيفه سجونُكم وجنودُكم وجلاَّدوكم وسياطُكم؟”
بعد نهاية المحكمة وإعلانها براءته من التهمة، أمره جمال باشا بالخروج من منطقة الجيش الرابع. فغادر إلى اسطنبول، ليعود منها في 24 أيلول 1918 ويشارك في 30 منه، بعد خروج الأتراك، مع شكري الأيوبي والأمير سعيد الجزائري وعدد من الشخصيات الوطنية، في رفع العلم العربي على دار الحكومة في دمشق.

ومع فيصل الأول، أصبح فارس الخوري عضوًا في “مجلس الشورى” الذي اقترح عليه إنشاءه. وفي أول حكومة مدنية بعد الاستقلال عن الدولة العثمانية (شكَّلها رضا باشا الركابي) عُهِدَ إليه بوزارة المالية.
ومن المفيد، لدى محاولة التعرف إلى فكره السياسي ومواقفه وإلى بعض ملامح شخصيته، أن نتوقف عند بعض الأحداث في هذه الفترة (وكذلك فيما بعد) وكيف تصرَّف إزاءها.
ليس من الصعب تصور عمق الخيبة أو المرارة التي شعر بها فيصل ومَن كان يقاتل معه، وخاصة أولئك الضباط الذين تركوا الجيش العثماني على أمل تحرير وطنهم وأهلهم من الكابوس الطويل المرعب، فإذا بهم يقبضون على تراب، وإذا بالآمال تتحول إلى سراب! وكانت تتكشف بسرعة النوايا المخادعة لحلفاء الأمس القريب.
كان فيصل يتنقل بين دمشق وعواصم القرار في أوروبا، تدارُكًا لبقيةٍ من استقلال. حضر مؤتمر الصلح، وراوده بعض الأمل من كلام ولسون، الرئيس الأمريكي، و”إعلانه”. غادر مرة أخرى دمشق في 13 أيلول 1919 قاصدًا باريس، ووضع أسُس الاتفاق مع كليمنصو، وكان مقتنعًا بأن فرنسا لن تعطيه أكثر. إذ ذاك، عرض مشروع الاتفاق على رجالات البلاد، فرفضوه؛ فوافق، وهو متوجسٌ من تطور الأوضاع، على قرار “المؤتمر السوري” الذي اتخذه في 7 آذار 1920 بإعلان الاستقلال وتنصيبه ملكًا على سورية.
في هذه الظروف، يتحدث فيصل إلى فارس الخوري بأمر الاستقلال والمبايعة له بالملكية، فيجيبه فارس: “هذه أمنية كلِّ سوري، إنما يجب الاعتماد على تأييد دولة كبرى على الأقل.” وعندما سُئِل عمَّا إذا كانوا استشاروا الإنكليز بالأمر قبل إعلان الملكية، أجاب فارس: “خاطبناهم بذلك فقالوا: نحن لا نقاومكم، ولكن الأمر على مسئوليتكم.”

عمد فيصل، بعد أن أثار موقفُ المؤتمر السوري حلفاءَ الأمس، – وكانوا يعتبرونه مجرد قائد للقوات المتعاونة معهم، وأبلغوه مقررات مؤتمر سان ريمو (20 نيسان 1920) التي كرَّست الانتداب، – عمد إلى تشكيل حكومة جديدة برئاسة هاشم الأتاسي.
في 18 أيار 1920، واجهت الحكومةُ المؤتمرَ السوري في جوٍّ عاصف بالتوتر. وقد طلب فريق من النواب أن تُسمَّى الوزارة وزارة دفاعية. وتقرر ذلك في المؤتمر. تبع ذلك إنذارُ غورو. استدعى فيصل المجلس العسكري. والجواب بعد ربع ساعة من اجتماعه: “إن في إمكان الجيش أن يقاوم بضع ساعات إذا كانت المعركة غير جدِّية، وإذا كان القتال حاميًا فلا يستطيع أن يصمد خمس دقائق.” جواب المجلس العسكري حمل فيصل وأركان حكومته على قبول الإنذار. ذهب وزير الدفاع يوسف العظمة على رأس بقايا الجيش المنحل. تدفق الناس على محطة سكة الحديد لتنقلهم إلى مواقع القتال، وكان بعضهم لا يحمل سلاحًا ولا زادًا، ومنهم مَن سار إلى ميسلون مشيًا على الأقدام، تدفعهم حماستُهم إلى السير على غير هدى، فكانت كثرتهم تعيق تقدم القوات المتجهة صوب ميسلون.

من حوارٍ له مع عبد الرحمن الشهبندر، وزير الخارجية في الحكومة التي قبلت إنذار غورو، نقتطف:
فارس: “لا شك أننا قمنا بما يقتضيه الواجب، وتقتضيه مصلحة البلاد. ولكن الشعب لن يقدِّر ذلك، وسيزعم أننا أضعنا عليه الانتصار، وسيكون هنالك مَن يقول دائمًا: ليتَهم كانوا رفضوا الإنذار واختاروا الحرب والنضال.” عبد الرحمن أجاب: “كلا، إن الشعب سيقدِّر ذلك حتمًا، عاجلاً أم آجلاً، وسيفهم أننا خلَّصناه من ورطة كبيرة جدًّا، وسيدرك أننا، بعملنا هذا، دخلنا في عداد مَن يستحقون كلَّ تقدير.”

وعن بابيل أيضًا:
توجَّه فيصل وأعضاءُ حكومته ونواب المؤتمر السوري نحو الكسوة، لم يتخلَّف سوى فارس الخوري وعلاء الدين الدروبي. تصل برقية لفيصل، مشجِّعة على العودة إلى دمشق، من نوري السعيد. يعود، وإذ يلمس علاقةً طيِّبة بين الدروبي والفرنسيين، يكلِّفه تشكيل وزارة من عناصر قريبة للتفاهم مع المنتدَبين الجُدُد. شُكِّلتِ الوزارة وعُهِدَ إلى الخورى فيها بوزارة المالية.

* * *
بعد أسبوعين من دخول الفرنسيين دمشق، في 8 آب 1920، أقيمت مأدبةٌ في قصر المهاجرين – القصر الجمهوري الحالي – حضرها وزراءُ ثاني حكومة شكَّلها الفيصليون وعددٌ كبير من وجهاء المدينة. أخذ غورو القائد الفرنسي يمتدح منظر دمشق وغوطتها أثناء الطعام، ثم أجال نظره في القاعة التي هم فيها، وكأنه أراد التهكم والاستخفاف بالملك فيصل فقال: “أهذا هو القصر الذي سكنه فيصل؟” فأجابه فارس: “نعم، يا صاحب الفخامة، هذا هو القصر الذي سكنه الملك فيصل، وقد بناه والٍ عثماني اسمه ناظم باشا، ثم حلَّ فيه جمال باشا، ثم الجنرال ألنبي، والآن تحلُّونه فخامتكم. وجميع مَن ذكرتُهم أكلنا معهم في نفس القاعة، وكلهم رحلوا، وبقي القصر وبقينا نحن.” سمع الجنرال غورو هذه العبارة فصمت، ووجم كلُّ مَن كان حول المائدة، ولم ينطق أحد حتى انتهاء المأدبة. وكان الشيخ تاج الدين الحسيني حاضرًا، فقال لفارس بعد الحفلة: “منذ هذا اليوم انتحرت، ولن تقوم لك قائمة مع الفرنسيين.” فيجيب فارس: “وأنا أيضًا لم أرغب أن تقوم لي قائمة، وإنما هي معركة ولن تنتهي حتى يرحلوا.”

صدق فارس، ورحل الفرنسيون من القصر ومن الوطن. ويضيف مؤلِّفا الكتاب:
منذ ذلك الحين، لم يشغل فارس رئاسةً أو وزارة حتى معاهدة 1936، باستثناء فترة شهر ونيف عام 1926، كما سنرى.
من مساهماته الوطنية في تلك الفترة – خارج نطاق السياسة المباشرة – مشاركتُه في السعي لتأسيس “المجمع العلمي العربي” بدمشق، وأيضًا تأسيس “معهد الحقوق”، الذي عمل فيه أستاذًا منذ العام 1919، وألَّف له كتابيه في علم المالية وفي أصول المحاكمات، كما وضع كتاب صكِّ الجزاء. وقد أوجد في هذه الكتب المصطلحات العربية المناسبة، حتى أصبحت مراجع هامة في دراسة الحقوق باللغة العربية. ومنذ العام 1920، عمل مشاورًا حقوقيًّا لبلدية دمشق. فما الذي قدَّمه في هذا المجال؟
فكَّر الفرنسيون في العام 1921 في مشروع جرِّ المياه إلى مدينة دمشق من عين الفيجة – إذ كان سكان دمشق يشربون من مياه بردى وفروعه، وكان ذلك يتسبب لهم بكثير من الأذى الصحِّي – واقترح رجالُ السلطة الفرنسية إعطاء امتياز هذا المشروع لشركة فرنسية. يورد نصوح بابيل في كتابه أن

مياه عين الفيجة جلبها الوالي التركي ناظم باشا وأقام لها سبلانًا في أحياء دمشق إثر انتشار مرض الكوليرا فيها.
وعندما استشار رئيسُ البلدية فارس الخوري بالأمر، وقف هذا ضدَّ الاقتراح؛ إذ تبيَّن له أن شروط الامتياز سوف تضر بمصلحة السكان، مما أغضب المستشار الفرنسي كثيرًا. وبعد مدة، اجتمعت لجنةٌ من تجار دمشق وأغنيائها، ورغبت في تأسيس شركة تجارية لتوزيع المياه، فعارض فارس ذلك معارضة شديدة. ويقول المصدر:
لذلك أسرع في اليوم التالي وعرض على اللجنة مشروعًا وطنيًّا لجرِّ المياه على أساس تمليك الماء للمباني، حيث يصبح من الحقوق الأساسية في العقار.
وقد قاوم الفرنسيون هذا المسعى، لكنه نجح أخيرًا. ودُشِّن المشروع في 3 آب 1932 باحتفال رائع. وهكذا أصبحت “شركة مياه عين الفيجة” مفخرةً من مفاخر الجهود الوطنية في سورية.
وحول وضعه لنظام “شركة الإسمنت الوطنية المساهمة”، يقول مؤلِّفا الكتاب:
وأعاد إلى الناس ثقتهم بالشركات التعاونية أو المساهمة، بعد أن فقدوها إلى حدٍّ بعيد على إثر فشل شركة الزجاج أوائل القرن العشرين، حيث دفعوا أموالاً ما لبثوا أن خسروها.

وقد أقبل الناس على شراء أسهم شركة الإسمنت بشكلٍ غير معهود.
في أوائل العام 1925، تداعى عددٌ من الرجال الوطنيين لتنسيق نضالهم السياسي في إطار حزبي منظَّم، فتشكل “حزب الشعب” برئاسة عبد الرحمن الشهبندر. يذكر بابيل أن الخوري كان من الهيئة الإدارية للحزب، بينما ذكر حنا حداد وجورج خباز في كتابهما أن فارس الخوري كان نائبًا لرئيس الحزب وواضع نظامه:

كان فارس متقدِّمًا في الماسونية، وكان يحضر المؤتمر الماسوني العام في زحلة عندما بدأت الثورة السورية. وبما أن الدكتور الشهبندر الذي شارك في الثورة هو رئيس حزب الشعب، فقد حكموا بمعاقبة شخصيات الحزب ونفوهم إلى أرواد، ومنهم فارس الذي قضى هناك 76 يومًا، بينما حكموا على الشهبندر بالإعدام، فاختفى واستقرَّ بعد ذلك في مصر.
نظرًا لاتساع مدى الثورة وانتقالها لمناطق متعددة ولعجز قوات الانتداب عن قمعها بوسائل العنف، كضرب دمشق بالمدفعية وهدم قسم من أبنيتها، سحبت فرنسا جنرالها ساراي وأرسلت دي جوفينيل، وهو أول مفوَّض سامٍ مدني. حاول هذا كسب رضا الناس، فاجتمع بوفود وشخصيات وطنية بهدف عقد معاهدة وصياغة دستور جديد. وتشكَّلتْ لهذا الغرض حكومةٌ وطنية برئاسة الداماد أحمد نامي باشا، كان فيها فارس وزيرًا للمعارف. لم تعمِّر هذه الحكومة سوى شهر ونيف؛ فقد استقال هو وعدد من وزرائها. يتحدث الصحفي نصوح بابيل في كتابه عن ذلك:
بعد تأليف الحكومة بثلاثة أيام، قامت السلطة الفرنسية بهجوم وحشي على حيِّ الميدان، واشتركت المدفعية والطائرات بقصف الحي. وارتكب الجنود الشراكس والسنغاليون الفظائع بحق أهل الحي، وأحرقوا البيوت على طول 650 مترًا. وعندما رأى الوزراء الوطنيون الثلاثة، فارس الخوري ولطفي الحفار وحسني البرازي، ما فعله الفرنسيون في الميدان ومضيَّهم في سلخ الأقضية الأربعة عن سورية وضمِّها إلى لبنان، إضافةً إلى رفض الحكومة الفرنسية للاتفاق الذي عقدوه مع المفوض السامي بشأن المعاهدة والدستور، طلبوا من رئيس الحكومة أن يحدد موقفه، فاختار ألا يكون معهم، فاستقالوا من مناصبهم. وقبضت السلطات الفرنسية عليهم، ونفتْهم إلى الحسكة.

وفي كتاب حداد وخباز نقرأ:
وعندما أُلغي قرار الإبعاد، وفي الاحتفال الذي أعدَّه لهم ألوف المستقبلين في 24 شباط 1928، أنشد فارس الخوري قصيدةً خَتَمَها بقوله:
وها قد دنا يومُ الموازين عندنا وكلُّ يمين قد أتـت بكتـابها
ومـا كانت الأفعالُ ذاهبةً سدًى وكلُّ يد مسئولةٌ عن حسابها

* * *
لم تَنْسَ سلطةُ الانتداب لفارس مواقفَه، فحرمتْه من الترشح للمجلس التأسيسي، الذي قرر إجراء انتخاباته في آذار 1928؛ إذ قامت بسنِّ قانون يتم توزيعُ النواب فيه على أساس طائفي، ولم تخصِّص أيَّ مقعد لطائفته الإنجيلية القليلة العدد. عن هذه الفترة يكتب بابيل:
كان الوطنيون أجمعوا على دخول الانتخابات، وبدؤوا باستخدام سياسة المراحل، بعد أن كانوا يعملون بشعار: “لا مفاوضة قبل الجلاء” الذي كان يحمل لواءه الزعيم إبراهيم هنانو. وبدأت الجمعية التأسيسية بوضع الدستور، وأسرعت في وضعه، تحسُّبًا لإمكانية حلِّها من قبل سلطة الانتداب. وهنا أثار المفوض السامي أزمةَ المواد الستة، ورفضت الجمعيةُ حذفَها. فعلَّق اجتماعاتِها، ثم حلَّها فيما بعد.

وفي 15 شباط 1936، صدر عن المفوض السامي قرارٌ بفصل فارس الخوري وأخيه فائز من وظيفتيهما في التدريس في معهد الحقوق بتهمة “إثارة وتغذية حركة اضطراب سياسي مُضرَّة بصورة خاصة بشبيبة الجامعة”. وبين هذين التاريخين – تاريخ الانتخابات التي حُرِمَ من عضويتها فارس وتاريخ فصله من التدريس – تشكَّلتْ “الكتلة الوطنية” التي قادت النضال، في جانبه الأعم، لتحقيق الجلاء، وكان هو واحدًا من مؤسِّسيها ومن مجلس قيادتها، أو – بحسب ما جاء في كتاب فارس الخوري وأيام لا تنسى لمحمد الفرحاني– “نائب رئيسها وعرقها النابض ولسانها الناطق، يضع قراراتِها ويكتب منشوراتِها”. عن الكتلة الوطنية وعن تأسيسها، يَرِدُ في كتاب بابيل ما يلي:
اتخذ الوطنيون المجتمعون في حمص قرارًا بإنشاء الكتلة الوطنية. لقد كان قادة الكتلة يتقدمون الصفوف، ويسيرون في مقدمة المواكب والمظاهرات. وقد كانت المشاهد على هذه الميِّزة كثيرة، وأحدها: عندما قام مكرم عبيد، أمين سرِّ الوفد المصري، بزيارة دمشق، استقبلتْه العاصمة استقبالاً رائعًا ، واستاءت سلطةُ الانتداب من ذلك. وأصدر المفوض السامي قرارًا بإبعاد مكرم عبيد وقمع المظاهرات. ولما قوبل هذا القرار بالاحتجاج العملي، بقيام مظاهرة كبرى سار في مقدمتها جميل مردم بك وفارس الخوري ولطفي الحفار ورفاقهم، كان أول مَن جُرِحَ هؤلاء القادة. على هذا النحو كان الوطنيون يتقدمون الصفوف، ويتلقون الضربات الأولى. ولهذا تعلَّق الشعب بهم وسار وراءهم في أشد الميادين خطورة.

في تشرين الثاني 1936، أصدرت حكومة عطا الأيوبي مرسومًا يقضي بإجراء الانتخابات النيابية. وبمرسوم آخر، تحدَّد عدد نواب المناطق الانتخابية وتوزيعهم على طوائف البلاد، واستُحْدِثَ مقعدٌ عن الطوائف الصغرى، غير الممثَّلة في المجالس السابقة، وهو الذي سيشغله فارس الخوري في هذه الانتخابات. حاز على أعلى الأصوات في دمشق، ثم انتُخِب، بالإجماع تقريبًا، رئيسًا للمجلس (81 صوتًا من أصل 82 وورقة بيضاء). في تلك الفترة، ذهب إلى باريس مشاركًا في الوفد المفاوض على المعاهدة مع فرنسا، المعروفة بمعاهدة 1936. تحركت المفاوضات بسرعة أكثر إلى الأمام على إثر فوز الجبهة اليسارية في فرنسا، ولكن لأسباب أخرى متعددة، منها اضطراب الجوِّ السياسي في فرنسا، وفي سورية أيضًا، ما يتصل بتعقد العلاقات الأوربية البينية وبشعور بعض الساسة الفرنسيين من خطر تراخي قبضتهم خارج فرنسا بينما نذير الحرب مع ألمانيا يلوح في الأفق، أو ما يتصل بتعقد العلاقات السورية–اللبنانية والسورية مع فرنسا في ظلِّ الصراع على الأقضية الأربعة المنوي ضمها إلى لبنان وإنشاء “دولة لبنان الكبير”، وما رافق ذلك من بعض التوترات الطائفية، عالجتْها الكتلةُ الوطنيةُ في سورية وحكومتها بحكمة وحزم يستحقان الإعجاب. لقد انعكست هذه الأجواء سلبًا على جوِّ التفاوض وعلى الشروط التي وضعها الفرنسيون، ومن ثمَّ على تراجُع الفرنسيين عن المعاهدة فيما بعد.

كتب الأستاذ نصوح بابيل، صاحب جريدة الأيام، في كتابه المنوَّه عنه، على لسان مراسل جريدته في باريس، الحكاية التالية:
خلال الفترة التي قضاها الوفد السوري، كنَّا نجلس في أوقات الفراغ مع دولة الأستاذ العلاَّمة فارس الخوري. وفي أحد الأيام، حمل إليه الخادمُ بطاقةً على صينية فضية، فقرأها بصوت عالٍ: “الدكتور جورج سمنة”، وقال له: “ليتفضل!” فلما سمعنا هذا الاسم، دبَّ بريقٌ غريب في أعيننا، نحن الطلاب، فقد بحثنا عنه طويلاً لنلقِّنه درسًا يؤدِّبه. فقد كان الرجل في خدمة الانتداب، ويُصدِرُ مجلةً شهريةً باللغة الفرنسية اسمها مراسلات الشرق، توزِّعها الخارجيةُ الفرنسيةُ على كافة بعثاتها الدبلوماسية في الخارج، وفيها من السموم ما يكفي أحدُها لتسميم بلد كامل. وتبادلنا النظرات، وهززنا برؤوسنا، ونظر بعضنا إلى بعض وكأننا نقول: وأخيرًا وقع الثعلب في الفخ! فلما دخل، نهض فارس الخوري، وتقدَّم بضع خطوات، واستقبله استقبالاً حسنًا، أما نحن فلم نُعِرْه التفاتًا، وأجلسه إلى جانبه، وبدأ يلاطفه ويؤانسه، حتى سَحَرَه وبَهَرَه، وطلب منه أن ينشر في العدد القادم من مجلته النصَّ الكامل للمعاهدة العراقية–البريطانية الأخيرة، ويطلب أن تكون المعاهدة الفرنسية–السورية التي تجري المفاوضات حولها نسخةً طبق الأصل عنها. فوعده الرجل. وبعد أن تبادلا الأحاديث لفترة طويلة، قام الدكتور سمنة مستأذنًا بالانصراف. فقال الخوري: “إنني سأرافقك. أريد أن أمشي قليلاً.” فقلنا له: “دعنا نقوم بهذا الواجب عنك يا أستاذ، وأنت ابقَ هنا مرتاحًا.” فابتسم الخوري ابتسامة ذات معنى، وقال: “لا بدَّ من أن أتمشى قليلاً مع الدكتور.” وخرج معه، وسرنا وراءهما، على أمل أن يتركه الأستاذ، ونتولَّى نحن نفث أحقادنا فيه. ولكن الأستاذ الخوري ظلَّ ممسكًا بيده حتى آخر شارع الشانزيليزيه؛ وهناك ودَّعه بعد أن استدعى الدكتور سيارة تكسي وامتطاها وغاب عن الأنظار. وقفل الأستاذ، فوجدنا وراءه، فقال: “الحمد لله الذي مكَّنني من حمايته منكم. إنكم شباب، ولا تقدِّرون المسؤولية. لقد لمحت البريق الذي لمع في أعينكم لدى سماعكم باسمه. ولو تركتكم تفعلون لزدنا في عداوته لنا. أما الآن فقد أقنعتُه بنشر المعاهدة العراقية، وسيفعل. ونشرُ المعاهدة له اعتبارُه في الدوائر الفرنسية، يقوِّي جانبنا.” وبالفعل، فقد نشر الدكتور سمنة نصَّ المعاهدة، مع تعليق يفيض بالعطف على الشعب السوري وحقِّه في معاهدة ذات شروط أحسن، بالنظر لتقدم الشعب السوري وتطوره ومكانته بين شعوب الشرق.

هكذا كان يورد سعد (فارس) الإبل!
رجع الوفد من فرنسا يحمل في جعبته معاهدةً محكومةً – ككلِّ المعاهدات – بالظروف المحيطة، وتوازُنات القوى عند مَن ساهم في تحقيقها، واختلاف النظرة إلى الأمور، وأحيانًا المصالح، عندهم وعند المعنيين بها، قادةً ومجموعات، وبدأت مماطلة الفرنسيين بإبرام المعاهدة. أما البرلمان السوري، برئاسة فارس الخوري، فقد صوَّت على المعاهدة. وفي وجه المقلِّلين من توافُقها مع المصالح الوطنية – وبعضهم كان من المشكِّكين – انبرى صنَّاع المعاهدة للدفاع عنها. فنقرأ أن فارس الخوري اعتبرها “معجزة القرن العشرين”؛ وجميل مردم، رئيس الوزارة ورئيس الوفد المفاوض، يصفها بـ”عروسة الشرق”؛ أما آخرون – أقسام مهمة من الجماهير وقياديون فائقو الاعتبار، كالشهبندر – فقد كان لهم رأي آخر.
كان الدكتور (الطبيب) عبد الرحمن الشهبندر، الشخصية اللامعة والمحبوبة جدًّا من أوساط الشعب، الذي عاش في منفاه حتى العام 1937، قد عاد، وكان وقتذاك “يعارض الكتلة الوطنية لعدم الاعتقاد بسياسة التعاون مع فرنسا”.

في كتابه السياسة السورية والعسكريون (بترجمة محمود فلاحة، دار الجماهير: 1969)، يكتب غوردون هـ. ثوري (ص66):
إن سيادة الكتلة الوطنية تعرَّضت للخطر تعرضًا قويًّا في العام 1937. فعدم أهليتها من ناحية إدارية، وعودة الزعماء الوطنيين العديدين من المنفى سريعًا، زادتا من انقسام القوى داخل الكتلة. وسرعان ما اتُهِّم جميل مردم بالضعف، وشرع خصومُه يشكِّلون جبهةً وطنيةً يقودها العجلاني، حرَّكتْ مظاهراتٍ معاديةً للحكومة، مما أرغم مردم على الاستقالة.

وعن الشهبندر وتلك الحالة، يتحدث بابيل، الذي بدا وقتذاك على عداء، هو وصحيفته الأيام، مع خطِّ جميل مردم:
وراح الشهبندر، في خطبه التي يلقيها كلَّ يوم، يُلهِب المشاعر ويفتح الآذان على عورات المعاهدة وعيوبها، فتزداد النقمةُ على موقِّعيها وتشتد المطالبةُ بإلغائها. وأما الحكومة الوطنية، برئاسة مردم، فقد استمرت في محاولة الدفاع عن المعاهدة وفي اتهام المعارضة بالتخريب. وفي تلك الفترة بالذات، نقلت وكالاتُ الأنباء ما تمَّ الاتفاق عليه في عصبة الأمم بين فرنسا وتركيا على سلخ لواء إسكندرون وموافقة عصبة الأمم على ذلك. فعمَّت البلادَ موجةٌ عارمة من الاستياء والاستنكار زادت الموقف تأزُّمًا، واتُّهِمَت الحكومة بضعف موقفها من قضية اللواء. وعندما اشتد الصراع بين الكتلة ومعارضيها، وحدثت اعتقالات بين صفوف المعارضين، اهتم الرئيس، الأتاسي، بما وصل إليه من احتجاجات، فنصح للحكومة بأن تتذرع بالحكمة وأن تقلع عن سياسة الشدة مع عناصر لها تاريخها وجهادها. وقد تسرَّب للمعارضة أن كلاًّ من فارس وفائز الخوري وآخرين من الزعماء المعتدلين شاركوا الرئيس بنصح الحكومة.

ونقرأ ما كتبه حداد وخباز عن علاقة فارس مع الشهبندر:
أنصف الشهبندر وأحبَّه وحرص على كرامته، وبكاه بدموع غزيرة عند وفاته – اغتيل عام 1940. ولما ذهب في الوفد السوري إلى فرنسا، أصرَّ على إعادة المُبعَدين، ومن بينهم الشهبندر، وكان يرسل إليه كلَّ يوم من باريس معلوماتٍ عن تطور المفاوضات. وعندما عاد الشهبندر، وهبَّت دمشق بأجمعها لاستقباله، وعلى رأسها رجال الوفد السوري، كان فارس لسان الوفد ورئيس المجلس النيابي، فألقى خطبة رحَّب فيها بالشهبندر ودعاه بـ”الزعيم الأوحد”. وعندما اعترض البعض على هذا اللقب، أصرَّ فارس بقوله: “قلت – وما أزال أقول – الزعيم الأوحد.”
ومرةً ثانية، نرى فارس الخوري، المتصف بعقلانيته الهادئة، يذهب في إطلاق الأوصاف إلى النهاية.

* * *
عندما تنكَّرت فرنسا لمعاهدة 1936، ومضت سنتان دون تصديق الحكومة الفرنسية عليها، وتعقدت الأوضاع الداخلية في البلاد – وكان الوضع، كما وصفناه آنفًا، وكأن انقسامًا حادًّا يشطر المجتمع السوري حول هذه المعاهدة، وكان الجميع يشعر بالعجز والإحباط نتيجة التطورات المؤلمة في قضية لواء إسكندرون، وبعضهم يتهم الحكومة بالضعف والتقصير في التصدي لهذه القضية – استقالت حكومةُ جميل مردم، وتشكلت على التتابع وزارتان، ما لبثتا أن استقالتا؛ وبعد ذلك استقال رئيس الجمهورية الأتاسي. حاول فارس الخوري – وكان رئيسًا للبرلمان – جهده الإبقاءَ على استمرارية الحياة الدستورية. لكن المندوب السامي، مستغلاً الاستقالات، أصرَّ على حلِّ البرلمان في 8 تموز 1939.

فارس الخوري إلى جانب هاشم الأتاسي أثناء توقيع معاهدة 1936
وتدخل البلاد، والعالم كلُّه، بعد وقت قصير، في جوِّ الحرب العالمية الثانية. ويحكم الفيشيون، المستسلمون لألمانيا النازية والمتعاونون معها، فرنسا، ومعها سورية. وإلى هؤلاء يشير بابيل بأصابع الاتهام في اغتيال الشهبندر بالتعاون، مرجِّحًا ذلك، مع عناصر متطرِّفة، مرتبطة ربما بأشخاص ثانويين من الكتلة الوطنية. وبقيت البلاد دون حياة دستورية حتى دخول “قوات فرنسا الحرة” سورية وإعلان الجنرال كاترو إنهاء الانتداب عليها. وقد استؤنفت الحياةُ الدستورية، فعليًّا، في صيف 1943، وعاد فارس ليرأس المجلس النيابي المنتخَب حديثًا، حتى تشكيله لأول وزارة له، بإلحاح عليه من رئيس الجمهورية، في 14 تشرين أول 1944، وكان عمره وقتذاك 72 عامًا. وقد علَّقت صحيفة الـDaily Mail البريطانية على ذلك بعددها الصادر في 17 تشرين الأول قائلةً:

كان رئيس الوزارة الجديدة يقوم بأعباء المجلس النيابي سابقًا. وهو عميد السياسة السورية، وقد سار في سائر أدوارها منذ العهد العثماني. وهو ذو دماغ جبار، ويُعتبَر أكبر وأقدر مفكِّر في الشرق الأدنى. وهو متضلِّع في القانون والاقتصاد السياسي والأدب، ومعروف بثقافته السكسونية. وإن مجيئه إلى رئاسة الوزارة، وهو مسيحي پروتستانتي، يشكل سابقةً في تاريخ سورية الحديث، بإسناد السلطة التنفيذية إلى رجل غير مسلم، مما يدل على ما بلغتْه سورية من النضج القومي، كما يدل على ما اتصف به رئيس الدولة من حكمة وجدارة.

منذ ذلك التاريخ وحتى أواسط الخمسينات، شكَّل فارس أربع وزارات، وقضى شطرًا كبيرًا من هذه المدة في رئاسة المجلس النيابي، ولعب دورًا رئيسيًّا في تمثيل سورية في الهيئات الدولية. ومعروف كم كانت هذه الفترة معقَّدة ومركبة في حياة سورية: فيها حصل الاستقلال، وفيها حدثت نكبة فلسطين، وفيها بدأت تتغير صور الحياة في سورية، خاصة السياسية منها، وفيها بدأت تتغير الموازينُ على الصعيد الدولي تغيرًا عاصفًا.

في كانون ثاني 1945، أي بعد ثلاثة أشهر من استلام فارس للوزارة، وصل عدد الدول المعترفة باستقلال سورية إلى 13 دولة. وما كاد يسمع بتوجيه دعوة إلى عدد من الدول العربية المستقلة إلى حضور مؤتمر الصلح، الذي كان قد بدأ التحضير له مع نهاية الحرب، حتى سارع إلى رئيس الجمهورية، شكري القوتلي، وعرض عليه رأيه بإعلان الحرب على دول المحور، وذلك من أجل الحصول لسورية على دعوة لحضور المؤتمر، وتمهيدًا لدخولها منظمة الأمم المتحدة. وبعد تردد من القوتلي، اتفق الاثنان على ذلك، وتم التنسيق مع الحكومة اللبنانية على إعلان الحرب في وقت واحد. شارك فارس في الاجتماعات التي حضَّرت، ومن ثم أقرَّتْ، تأسيس “الجامعة العربية” في 22 آذار 1945، وانتُخِبَ عضوًا في لجنة القانون الدولي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة في العام 1947. وكانت 14 دولة قد رشَّحتْ مندوبيها في هذه اللجنة؛ أما هو فقد انتُخِبَ في اللجنة المشكَّلة من 15 عضوًا دون أن ترشِّحه دولتُه.

الخوري والقوتلي ومردم
وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث كان فارس يحضر اجتماعاتها ممثِّلاً لبلده سورية، وفي مجلس الأمن المنبثق عنها، الذي ترأسه فارس لسنتين متتاليتين (1947-48)، حيث احتلت سورية المقعد غير الدائم بعد انتهاء عضوية مصر فيه، وفي كلِّ ما استطاع الوصول إليه من منابر ومنتديات، ناضل بكفاءة ونجومية من أجل إنجاز الاستقلال لبلده وللبلدان العربية التي كانت قضاياها معروضةً أمام الهيئات الدولية، وفي مقدِّمتها القضية الفلسطينية. وقد كتب مراسل جريدة المصري في باريس في 13 كانون الأول 1948 رسالةً جاء فيها:

اليوم ينتهي عام 1948، وتنتهي عضوية بعض الدول في مجلس الأمن وتبدأ عضوية غيرها. وإذا كان علينا أن نودِّع دولة، فلا نجد غير سورية نودِّعها في شخص ذلك الرجل الذي مثَّلها ومثَّل العرب أجمعين، والذي كانت وفود العالم كلها تنظر إليه على اعتبار أنه مثلٌ يُضرَب للنشاط الذي لا يكل وللشجاعة لتي لا يؤثِّر فيها شيء. إن دولة الخوري بك رجل حقَّق المعجزات.
وإذا أردنا متابعة نشاطات هذا الرجل والدخول معه في تفاصيل تلك الأيام، الطويلة، على المنابر الدولية، فسنجد أنفسنا في كلِّ مرة نكرِّر عباراتِ الإشادة والتقدير الصادرة عن العديد من الأوساط العربية والدولية. لذلك سنقتصر منذ الآن على محاولة الاقتراب من مواقفه في القضايا التي اتَّصفت بشيء من الإشكالية والتي تتطلب تأنيًا حذرًا لدى التوقف عندها، وهي: الموقف في الهيئات الدولية من القضية الفلسطينية، الموقف من الانقلابات في سورية، وبخاصة الأول منها، الموقف من الصراع على سورية، حلف بغداد والحلف المصري–السعودي، الموقف من الوحدة السورية–المصرية، والموقف من ظاهرة الإسلام السياسي والشيوعية.

* * *
في السنوات القليلة السابقة على قيام دولة إسرائيل في العام 1948، شهدت أروقةُ الأمم المتحدة ومنصاتُها جدلاً طويلاً وصراعًا حادًّا حول ما كان يُطرَح من مشاريع وأفكار تتعلَّق بمستقبل الوضع الفلسطيني بعد إنهاء الانتداب البريطاني. وقد شُكِّلتْ عدةُ لِجَان لتقصِّي الحقائق ولِجَان لدراسة المشاريع: مشاريع لتقسيم فلسطين، فيها السيِّئ وفيها الأقل سوءًا؛ وطُرحَ مشروعٌ لتأليف فدرالية، ومشروع لما يشبه الدولة الفدرالية، حتى كان مشروع التقسيم الذي أقرَّتْه الجمعية العمومية بالأغلبية في العام 1947 ولم يَجْرِ تنفيذُه، إنما الذي جرى حربٌ غير متكافئة بين جيوش عربية وُجِدَتْ في وضع غير ملائم وبين منظمات صهيونية مدعومة بالمال والسلاح. وانتهت الحرب إلى قيام دولة إسرائيلية على أرض فلسطينية تتجاوز مساحةً ما خصَّص لها قرارُ التقسيم الذي صدر عن الأمم المتحدة.

إن الكلمات الكثيرة والخطب المتعددة التي ألقاها فارس الخوري في منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن في أثناء مناقشة أعمال اللجان المكلَّفة دراسة القضية الفلسطينية، ووضع الاقتراحات والمشاريع لها، وردوده البليغة، وبخاصة على المندوب الأمريكي المؤيِّد لوجهة النظر الصهيونية، يمكن أن تشكِّل في مجملها بحثًا مستفيضًا، عميقًا وموثَّقًا، ومستندًا إلى شرعة الأمم المتحدة والقوانين الدولية، يخلص إلى وجهة نظر متماسكة ومقنعة بموقفه الذي كان في جوهره يعبِّر عن الموقف العربي الرسمي، وإلى حدٍّ كبير الشعبي: عدم قبول التقسيم وإقامة دولة مدنية مستقلة:
كانت خطبُه لا تُلقى فقط أمام الهيئات الرسمية الدولية، بل كان أيضًا، في بعض الأحيان، يرتجل الخطب أمام الأندية والمعاهد.

ففي 8 آذار 1948، يقف نائب تكساس، المستر غوست، في مجلس النواب الأمريكي، موجِّهًا خطابَه للمجلس:
سيدي الرئيس: إذا أراد أحدٌ منا أن يعرف وجهة نظر العرب في قضية فلسطين الهامة، وإذا أراد أن يقرأ أعظم خطبة أُلقِيَتْ في هذه البلاد في الشهور الأخيرة، فاسمحوا لي أن أوصي بقراءة الخطاب الفخم، المملوء بالحقائق، الذي ألقاه السياسي السوري السيد فارس الخوري أمام مجلس الأمن في 24 شباط 1948. إن خمسة وتسعين بالمائة من أعضاء الكونغرس ومن الشعب الأمريكي الذين يعرفون الحقائق مستعدون للاعتراف بأننا ارتكبنا خطأً فادحًا. إن موقفنا في الجمعية العمومية وهيئة الأمم المتحدة في قضية فلسطين لا يمكن الدفاع عنه. واسمحوا لي أن أوصي كلَّ مواطن أمريكي بقراءته.

يضيف جورج حداد وحنا خباز في كتابهما، بعد سردهما لكلمة النائب غوست، أن نصَّ الخطاب الذي ألقاه فارس الخوري بالإنكليزية، مع نصِّ كلمة النائب غوست، نُشِرا في كراس خاص ووزِّعَتْ منه آلاف النسخ.
لا أحد يستطيع الجزم بالوجهة التي كانت ستتطور إليها الأمورُ فيما لو كان الموقف العربي أخذ هذا الشكل أو ذاك، وافق على ذلك المشروع أو غيره، قَبِلَ بوقف الحرب في مرحلة معيَّنة أم لم يقبل؛ لكن المسألة التي تستدعي التوقف عندها والتأمل فيها هي التالية: إن فارس الخوري الذي أجاب فيصل عن سؤاله في العام 1920 حول إعلان الاستقلال والملكية له في سورية بقوله: “يجب أن تدعم هذا دولةٌ كبرى على الأقل”، والذي أتى مع الوفد المفاوض من باريس في العام 1936 بمعاهدة وقف في وجهها الكثيرون في بلده، إلى حدِّ اتِّهام موقِّعيها، فوصفها بأنها “معجزة القرن العشرين” – فارس الخوري هذا نفسه نجده، في المناسبات كلِّها التي بُحِثَتْ فيها القضيةُ الفلسطينية، رافضًا بتصميم مشاريع التسوية التقسيمية واقتراحات الهدنة المتعددة. وقد أكَّد محمد الفرحاني في كتابه فارس الخوري وأيام لا تُنسى أنه

بينما قامت الولايات المتحدة وبريطانيا بالضغط على الدول العربية للإذعان إلى قرار مجلس الأمن، أبرق فارس إلى الدول العربية وجامعتها، يحضُّها على رفض قرار مجلس الأمن وعلى مواصلة القتال، حتى يتم الإجهاز على إسرائيل، وأكَّد في برقياته بأن الأمم المتحدة ليست في وضع يسمح لها باتخاذ أية تدابير أو إجراءات ضد العرب فيما لو واصلوا القتال.
هل كان فارس الخوري على علم واطلاع كافيين بحقيقة الوضع العسكري على الأرض؟ هل كان فعلاً على دراية ويقين بإمكانية، أو عدم إمكانية، اتخاذ الأمم المتحدة، أو البعض منها، إجراءات أو تدابير ضد العرب إذا هم واصلوا القتال؟ أم أنه كان يرى، بنظره الثاقب، أن لا تسوية ستنفَّذ، وأن لا حرب ستستمر، ففضَّل أن يبقى رجل القانون والحق المطلق المجرد؟ أم…؟ أم…؟

* * *
منذ نعومة أظفارنا – ولا أعرف لماذا حضر بذهني هذا التعبير – كان لـ”عيد الجلاء” وهجُه الخاص، ووقعُه الخاص، وبهجتُه الخاصة. في تلك الأيام – والحديث الآن عن أوائل خمسينيات القرن الماضي – كانت الراديوهات قليلة، ولم يكن هناك تلفزيون بعد، فكان سماع إيقاعات النشيد الوطني (“حماة الديار”) والمارشات العسكرية لفِرَقٍ من الجيش، وهي تؤدي العرض العسكري السنوي بهذه المناسبة في العاصمة دمشق، كافيةً لأن تجعل رؤوسنا في قبَّة السماء، فنزهو ونتخيل، ونعيش لحظاتِنا السعيدة، وقد تطفر الدموع من عيوننا! وعلى مقاعد الدرس، وفي كلِّ آن، وحتى اليوم، نحفظ ونتذكر أبيات الشاعر شوقي في البطل يوسف العظمة:

سأذكرُ، ما حييتُ، جدارَ قبرٍ بظاهر جِلَّقَ، ركبَ الرمـالا
مقيمٍ – ما أقامت ميسلونٌ – يذكَِّر مصرعَ الأسدِ الشبـالا
مشى، ومشت فيالقُ من فرنسا تجرُّ مطارف الظفر اختيالا
ملأن الجوَّ أسلحةً خفـافًا ووجـهَ الأرض أسـلحةً ثقـالا
وأرسلن الرياحَ عليـه نارًا فما حفلَ الجنوب ولا الشمـالا
أقام نهارَه يلقي، ويَلقــى، فلما زال قرصُ الشَّمس، زالا
فكُفِّنَ بالصوارم والعوالي، وغُيِّبَ حيث جالَ وحيث صـالا
بعد أقل من ثلاث سنوات من الحصول على الاستقلال وقيام الحكم الوطني، المؤسَّس وفق النظام الجمهوري البرلماني والمستند إلى دستور عصري، حصل في سورية أول انقلاب عسكري. وقبل عام كانت قد وقعتْ نكبةُ الشعب الفلسطيني، وعلى أرضه قامت إلى جوارنا دولةٌ عدوة، استهلَّت الجمهورية السورية الناشئة تاريخَها بحرب معها لم تنتهِ، وإنما قامت هدنةٌ هشة. وإذا اقتصرنا على هذا الظرف فقط، متناسين عمدًا الآن – وسامحونا! – الظروفَ الدولية والمؤامرات، فهو كافٍ لكي نتذكر كم كانت ظروف هذه الجمهورية السورية الوليدة هشة وصعبة.

إذن، حصل الانقلاب الأول! وفي الحقيقة أنا لا أعرف – ولعل أحدًا يستطيع أن يخبرني – عن دولة العدو التي إلى جوارنا، كم حصل فيها من انقلاب عسكري حتى الآن، كم ضابط في جيشها قُتِلَ أو سُرِّحَ أو أُبعِدَ، كم سجين سياسي قضى في سجونها أم لم يقضِ، كم زعيم سياسي عندها خُوِّن أم لم يُخوَّن!
إذن حصل أول انقلاب عسكري في 30 آذار 1949، وقاده الضابط حسني الزعيم. ولنقرأ ما كتبه وزيرُ خارجيتنا الحالي، الأستاذ وليد المعلم، في كتابه سورية 1918-1958: التحدي والمواجهة عن هذا الانقلاب وعن المواقف منه:

بعد أسبوعين من الانقلاب، سيطر الزعيم على كلِّ مقادير السلطة في البلاد، بينما احتار السياسيون في طريقة التعامل مع الانقلاب الجديد:
1. الاتجاه الأول: تزعَّمه فارس الخوري، رئيس مجلس النواب السابق، ويقول بضرورة إطفاء النار التي شبَّت في البيت، ويعني العودةَ تدريجيًّا إلى عهد دستوري جديد تسوده الديمقراطية، ويطالب بالتعاون مع الزعيم حتى يسخِّر الانقلاب للإصلاح والتقدم لتجنيب البلاد المزيد من الانقلابات العسكرية.
2. الاتجاه الثاني: تزعَّمه الحوراني وعفلق والبيطار، كان تعاونُه مع الانقلاب مشروطًا بالإصلاحات السياسية الجذرية الفورية.
3. الاتجاه الثالث: تزعَّمه رشدي الكيخيا وناظم القدسي، حزب الشعب، وطالب بعودة الجيش إلى ثكناته فورًا لإعادة الحياة النيابية والديمقراطية إلى البلاد.
4. الاتجاه الرابع: تزعَّمه الحزب الوطني، ودعا إلى مهادنة الجيش والسعي لانتخابات جديدة تعيد الحياة البرلمانية والديمقراطية إلى البلاد.

في كتاب السياسة السورية والعسكريون، المنوَّه عنه سابقًا، يقول الكاتب:
أعلن فارس الخوري، السياسي السوري المحنَّك، أن الانقلاب قد كفل للرجال الخيِّرين عصرًا من الاستقرار الدائم طالما تاقوا إليه، يقوم على مبادئ العدالة والعمل الطيب، مع الدعم الشعبي للحكومة: “والأمل يملأ فؤادي أن الزعيم سيتقدم بحزم وسلام حتى يقيم حياةً دستوريةً وحكمًا جمهوريًّا يتفق وإرادةَ الأمة.”
إلا أن المسبحة تكر، والعقد ينفرط، ويحصل الانقلاب الثاني بعد عدة أشهر في 14 آب. ولم ينتهِ العام حتى كان الانقلاب الثالث، وقاده الشيشكلي؛ وأتبعه، بعد سنة أو أكثر بقليل، بانقلاب آخر. وهناك عدد من المصادر، يمكن لمن يود أن يطَّلع فيها على التفاصيل الكثيرة والأسماء العديدة، المتكرِّرة أحيانًا، التي حوتْها تلك الأحداث. أما نحن الآن فلسنا بصدد ذلك – لئلا تتحول هذه الأسطر إلى ما يشبه درس “القومية” أو التاريخ في مدارسنا، فيصعب على القارئ فهمُ شيء منها!

في فصل من كتاب محمد الفرحاني بعنوان “مناقشة لما يأخذه البعض على فارس الخوري”، نقرأ التالي:
كتب الأستاذ حسن عبد العال في جريدة الحياة على إثر وفاة فارس الخوري: “فقد أخذ عليه بعضُهم ثلاثة مواقف بالنسبة إلى الوضع العام في سورية: قيل إنه أخطأ في وصف المعاهدة الفرنسية السورية بأنها معجزة القرن العشرين. ولكن الذين أخذوا عليه هذا لم يتصلوا بروح العصر في ذلك الزمان، وحسبوا أن الاستقلال كان هيِّنًا ليِّنًا كما هو اليوم، بعد أن بدأ الاستعمار يهد خيامه حتى في أفريقيا ويهجرها. وقيل إنه أخطأ عندما استولت الكتلة الوطنية على الحكم، وأراد بعض رجالها وأنصارها أن يحاسبوا أعوان فرنسا وأنصارها على ما فعلوا، فوقف فارس الخوري بجملته المشهورة “الإسلام يجبُّ ما قبله”، ودافع عن نفسه عندما قيل له: “لقد أنقذت الكثيرين من الأشرار”، فقال: “أردتُ أن لا يحقَّ عليكم ما جاء في الحديث الشريف “دبَّ إليكم داءُ الأمم: البغضاء، والحاقَّة، والتظالم.”” والموقف الثالث: عندما قام حسني الزعيم بانقلابه – بداية السلسلة في العالم العربي – فقد طلب منه حسني الزعيم أن يقول كلمته في دعوة المجلس النيابي لينال منه الثقة حتى يكون عمله دستوريًّا، فأجابه بجملته الشهيرة: “الانقلاب بداية جديدة لدستور جديد.” وكان لهذه الفتوى رنين قوي، وما يزال بعض رجال السياسة يأخذون عليه هذه الفتوى، ويعتبرونها مطعَنًا. والواقع أن أمر الدفاع عن هذا المذهب مفتوح، ومازالت هذه الفتوى عالقةً بمقاصد الفقيد العظيم، ولعلَ “هناك” مَن يضع النقاط على الحروف ويفسِّر للتاريخ ما كان سبب هذه الفتوى.”

ويضيف الفرحاني في كتابه فارس الخوري وأيام لا تُنسى، فيقول إنه في حديث له معه أجابه حول ذلك بما يلي:
لم يقم حسني الزعيم ورفاقه بما قاموا به إلا وقد وضعوا دماءهم على أكفِّهم وصمَّموا على المقاومة المسلحة بعناد ضد كلِّ مَن يعترض طريقهم. فكان لا بدَّ من معالجة الأمور بالتعقل والحكمة لإنقاذ البلاد من خطرين كانا يهدِّدانها: الأول، خطر المؤامرات الأجنبية، واستقلالنا لازال طري العود؛ والثاني، خطر حرب أهلية، إذا لم يستتب الأمر للانقلابيين بالسرعة الممكنة. كان مجلس النواب منقسمًا على نفسه، كان مَن يتَّهمه علنًا بالتزوير وعدم تمثيل الشعب. وهناك أحزاب تجاوبت مع الانقلاب وسيَّرت المظاهرات التأييدية الضخمة من أجله. وكان عدد غير قليل من الناس يحمِّلون الحكومةَ مسؤوليةَ الهزيمة في فلسطين. هؤلاء قاوموا أشدَّ المقاومة تعديل الدستور للتجديد للأخ شكري القوتلي. لقد كانت مصلحة البلاد تقتضي أن ينتهي الانقلاب بسلام، وأن يتحمل الزعيم وحده تبعاتِ انقلابه حتى النهاية. ثم إن الفقه الدستوري قرَّر أن كلَّ مظلمة يسكت عنها الشعب هي حق وشرعة. وهذا مبدأ قرَّرتْه جمهورية أفلاطون وأعلنه العلامة غوستاف لوبون.
* * *

لا بدَّ من توضيح أن الشيشكلي، في انقلابه الأول، أعلن أنه سيسلِّم الحكم إلى المؤسسات. ونفهم من كتاب وليد المعلِّم سورية 1918-1958: التحدي والمواجهة أن رئيس الجمهورية وقتذاك، هاشم الأتاسي، قد كلَّف فارس الخوري تشكيل الوزارة، لكنه رفض ذلك. وكان قد كلَّف قبله وبعده عددًا من السياسيين وعجزوا عن تشكيل الحكومة.

ويذكر الفرحاني ذلك، ويضيف: كان الخلاف على أشُدِّه بين الشيشكلي وحزب الشعب الذي كان يطالب على الدوام بالتزام كلِّ سلطة لحدودها التي رسمها لها الدستور فلا تتعداها، ويقول بعودة الجيش إلى ثكناته وعدم تدخله بأيِّ شأن إداري أو سياسي. قام الشيكشكلي بانقلابه الثاني، كما ذكرنا سابقًا، وشكَّل حزبه الخاص (“التحرير”)، وبدأ حكمه الفردي. تحالفت ضده قوى مختلفة من اليسار واليمين. ومن داخل الجيش حدث تمردٌ كبيرٌ عليه، ففضل عدم المقاومة عسكريًّا، وخرج من البلاد – وهذا عمل يُحسَب له. جرت انتخابات العام 1954 النيابية في البلاد، ونجح اليسار في إيصال عدد لا بأس به من النواب إلى المجلس، غالبيتهم من حزب البعث العربي الاشتراكي. وتميزت انتخابات دمشق بفوز كبير لخالد العظم، وأيضًا للأمين العام للحزب الشيوعي خالد بكداش. شكَّل فارس الخوري وزارته الرابعة في أواخر العام 1954. ولدى مناقشة البيان الوزاري، كانت هناك مجموعات من الناس، منهم طلبة، يحتشدون أمام المجلس النيابي ويهتفون ضد الحكومة ويتهمونها بالخيانة والعمالة، وفي المجلس صخب وصراع حادَّين. فما الذي أوصل الأمور إلى هنا؟ إذا تذكَّرنا موقف فارس الخوري من انقلاب الزعيم، وشرحه لدواعي موقفه الملتبس آنذاك، وبخاصة قوله إن أحزابًا تجاوبت مع الانقلاب وسيَّرت مظاهراتٍ ضخمة، وإنه كان كمٌّ غير قليل من الناس يحمِّلون الحكومةَ مسؤوليةَ الهزيمة في فلسطين، وإذا تذكَّرنا أيضًا موقف حزب الشعب من الانقلاب وموقفه من تدخل الجيش في السياسة، فإنه يمكن لنا أن نستنتج أن أكثر من موقف بدأ يتبلور – منذ ما قبل تشكُّل حزبين من تيار الكتلة الوطنية: الشعب والوطني – بين السياسيين التقليدين في البلاد، الذين ينطبق عليهم في تلك الفترة اسمُ “اليمين”: إذ إننا نلحظ البعض منهم يتلمَّس أثر التغيرات في الداخل على أكثر من صعيد، وانعكاس الأحداث على الناس وفي قطاعات مهمة، كالجيش والأرياف، بصرف النظر عن تمايز المواقف ضمن هذا البعض، ومنه فارس الخوري؛ بينما نجد البعض الآخر، وفي مقدمتهم أغلب زعماء حزب الشعب، لم يرَ جيدًا ما حدث من تطور، أو لعله رأى واستخفَّ بما كان يحصل. يتطرق غوردون هـ. ثوري إلى الجيش السوري في كتابه. ومن جملة ما يقوله: وفي سنواته الأولى، كانت قياداته تأتي إلى حدٍّ كبير من الطبقات العليا في المجتمع السوري، وهو لأسباب عديدة وثيق الصلة بالعائلات السورية الكبرى. ولكن مع انتشار الفرص التعليمية في أنحاء البلاد، أخذ كثير من متخرجي المدارس الثانوية ذوي الأصل البسيط يرون في كلِّية حمص العسكرية بابًا يستطيعون المرور من خلاله ليضمنوا تعليمًا أعلى يكفل لهم الاستقرار والمكانة الجيدة. وهكذا انتظم في سلك الضباط، خلال سنوات الحرب والسنوات التي تلتْها مباشرة، أبناءُ التجار والفلاحين والعمال، ممَّا غيَّر بنية هذا السلك إلى حدٍّ كبير. إن هؤلاء الرجال كانوا ضعيفي الصلة بالطبقة الحاكمة التقليدية في البلاد؛ لذلك تشربوا في سهولة النزعات الاشتراكية والقومية العربية. وهنالك عامل آخر أثَّر على نظراتهم، هو التثقيف المذهبي في كلِّية حمص نفسها: فكثيرون من طلبتها، عام 1947-1948، تأثروا إيديولوجيًّا بالعقيد جمال فيصل، مدرِّسهم الوحدوي المندفع الذي كانت آراؤه تتماشى تمامًا وأفكار حزب البعث وجمال عبد الناصر. إن بذور التغيير الاجتماعي قد غُذِّيَ بها المدافعون عن الوطن في مقرِّ تدريبهم. وهذا المصدر نفسه يتحدث عن فترة سابقة كان فيها الفرنسيون الذين رعوا، قدر طاقتهم، الوطنيين المعتدلين، ووضعوا المسؤوليات بين أيديهم. ولكن نتج عن اعتماد الفرنسيين على هؤلاء المعتدلين الوطنيين فوزُ المتطرفين بدعم الجماهير الواعية سياسيًّا. وكان المظهر البائس لهذا التيار هو رمي الوطنيين المعتدلين بالعمالة لفرنسا. وحين انتهى الانتداب، كان النفوذ الضروري الكابح لصدِّ المتطرفين لا يحظى بتأييد عامة الناس. ومن موقع لا أستطيع تحديده، يرى الأستاذ وليد المعلِّم الفترة التي أعقبت الاستقلال، حتى أواسط الخمسينيات، كالتالي: كانت الديمقراطية صورة مشوَّهة لتجارب ثارت عليها الشعوب، الأمر الذي مهَّد السبيل أمام المغامرين من العسكريين ليلعبوا بمقدَّرات الأمة بوحي من نزواتهم. وكانت نكبة فلسطين قميص عثمان، يتذرع به كل مغامر للتسلط واغتيال الحكم القائم واتِّهام رجالاته بالخيانة. انتخابات جديدة، ودستور جديد، ومجلس للنواب، ووزارة تسبِّح بحمده دون رادع من ضمير أو وجدان. وتبدأ الزيارات العربية: تصريح لصالح المحور المصري–السعودي، وآخر لصالح المحور الهاشمي. وهكذا وُضِعَتِ البلادُ في مهبِّ الرياح العربية التي تحرِّكها الأصابعُ البريطانية والأمريكية، حتى كانت الوحدة بين سورية ومصر أملاً ومخرجًا وشاطئًا أمينًا في خضم التيارات المتصارعة. ويعود المعلِّم ليوضح الصورة كما يراها رئيس الجمهورية: رجل عدَّلَ الدستور ليؤمِّن انتخابه مرة ثانية. والحكومة: تركيبة عجيبة غريبة من كبار الإقطاعيين ومدراء الشركات الأهلية وأصحاب المصالح. ومجلس النواب: خليط من الوجهاء الذين كانوا أيام الانتداب يمتلكون القدرة على التَّزيي بكلِّ زيٍّ ولون – كل شيء مرتبط بمصالحهم. وأحزاب: تتصارع فيما بينها من أجل السلطة، وليس الإيديولوجيا، معظمها تفسَّخ عن الكتلة الوطنية. وصحافة: قيل عنها إنها حرة. ويلتف حول هؤلاء جميعًا عصبة من المنتفعين والإقطاعيين والبرجوازيين، الذين لا همَّ لهم سوى مصالحهم الشخصية وضمان حكومة موالية مطواعة. وممَّا أشار إليه المعلم عن المحور المصري–السعودي والمحور الهاشمي (حلف بغداد)، نعود إلى جلسة مجلس النواب المنعقدة لمناقشة البيان الوزاري للحكومة الرابعة لفارس الخوري أواخر العام 1954. وهذا المحور الأخير بالتحديد (حلف بغداد) هو الموضوع أو العنوان (المغطِّي، ربما، لمواضيع أخرى) الذي كان يدور حوله الصراع والصخب الحاد وقتذاك. وللتذكير أو للتوضيح، من المفيد القول إن تلك الفترة لم تكن فترة تبلوُر لتطورات عندنا على المستوى الوطني فقط، بل كانت فترة تغيرات كبيرة من حولنا، تبدأ من تحديات ما بعد الهزيمة العربية الجماعية، في معالجة قضية فلسطين وفي الحرب المتعلِّقة بها، وتمتد إلى انقلاب ميزان القوى على الصعيد الدولي. فقد أخرجت الحربُ العالمية الثانية إلى دائرة الفعل والقرار الرئيسية في المجال الدولي قطبين متعاديين، هما الولايات المتحدة والاتحاد السوڤييتي، وأزاحت منها، وإنْ تدريجيًّا، بريطانيا وفرنسا، وبالطبع ألمانيا الخاسرة في الحرب. بريطانيا وفرنسا تحاولان جهدهما الاحتفاظ بما تستطيعانه من نفوذ ومستعمرات في العالم؛ والولايات المتحدة تتقدم لاحتلال المواقع التي تتراجع عنها هاتان الدولتان، وفي الوقت نفسه تتحالف معهما، وبخاصة مع بريطانيا، عندما ترى في ذلك تحقيقًا لمصلحتها وللوقوف في وجه العدوِّ المشترك، الاتحاد السوڤييتي، مع احتفاظها بالبدائل الأخرى: قواعد عسكرية منتشرة، جعل إسرائيل ذراعًا طويلة لها في المنطقة، تشجيع إقامة ديكتاتوريات مطواعة لها في محاربة امتداد النفوذ السوڤييتي وإيديولوجيته الستالينية[24]، وأيضًا الاحتياط المهم، الذي أصبح أهم بنظرها فيما بعد، وهو تغذية التعصب الديني الذي يحمل بذاته تقوية النزعات والنزاعات الطائفية. وكان حلف بغداد يمثِّل أحد أشكال تعاوُنها مع بريطانيا في سبيل الهدف المشترك. وربما كان جر الحلف المصري–السعودي – القائم قبل انقلابَي 52 و54 في مصر وبعدهما – لمحاربة تعميق الديموقراطيات في المنطقة هو شكل آخر للحرب الأمريكية على النفوذ السوڤييتي وإيديولوجيته فيها. ومن نتائج صراع الحلفين، في كلِّ الأحوال، يتحقق لها ولذراعها إسرائيل إضعافُ احتمالات مواجهة عربية جدِّية لهما. في هذا الجوِّ المكفهر، وفي ظل التجاذبات غير المرئية بوضوح للكثيرين آنذاك، عُقِدَتْ جلسةُ طرح الثقة على البيان الوزاري. وكان عنوان الهجوم على الحكومة وبيانها: عدم الوضوح في الموقف من حلف بغداد. وحول جلسة المجلس النيابي وما رافقها، يقول الفرحاني في كتابه أيام لا تُنسى (ص 157): لكن بعض العناصر التي لعبت الدور الأساسي في توجيه الحياة النيابية الوجهةَ التي اتجهت بالوطن نحو كارثة الشيشكلي – هذه العناصر ذاتها هي التي جمعت كلمتها ووحَّدت صفوفها وأعدَّت مناوراتِها التي كانت ترمي إلى هدف واحد، هو إخضاع المجلس النيابي الجديد إلى الضغط والشدة: ضغط المناورات والأكاذيب والاتهامات التي وصلت في التجنِّي وانعدام الضمير إلى حدٍّ زعمت فيه أن الحكومة التي يرأسها فارس الخوري – وفارس الخوري بالذات – تريد عقد الصلح مع إسرائيل. وهو يورد بعضًا من وقائع وكلمات أعضاء في المجلس، يُفهَم منها أن بعضهم كان يريد نشر جوٍّ داخل المجلس وخارجه يوحي بأن الحكومة أتت للتنسيق مع المخططات والمؤامرات الخارجية. فقد ادَّعى أحد النواب أن الشرطة تطلق النار على المتظاهرين في الخارج – ويخرج وزير الداخلية من القاعة، ثم يعود ليكذِّبه. ويتابع الفرحاني حول وقائع الجلسة، ونفهم أنه كان هناك سؤال من أحد النواب عن تدريس مادة الديانة، فيجيبه فارس الخوري أن الوزارة ليست ضد ذلك، ويتابع

فارس الخوري لم يكن متحمسًا لقيام الوحدة مع مصر، أو على الأقل، لم يكن مع الهرولة إلى مصر – عبد الناصر – لطبخها على نار حامية. إنما الفرحاني، الذي تابعه إلى آخر لحظة في حياته، يقول: واعتكف فارس الخوري في منزله يراقب الأحداث عن كثب، ويذهب كلَّ سنة إلى جنيف ليشارك في جلسات لجنة القانون الدولي.

قائلاً: “أما من جهة التعهدات أو الدخول في التزامات مع الدول الأجنبية، غربية كانت أو شرقية، فإني أصرِّح من هذا المنبر بأني عدو لها ولن أوافق عليها. وهذه خطتنا قد وضعناها في هذا الباب بنصوص صريحة، ولا حاجة للإيضاح فيها. وهذا البيان أمامكم. ومَن شاء منكم أن يحجب الثقة، ومَن شاء فليمنحها.” وجرى التصويت على الثقة، ففازت الحكومة بأكثرية 84 صوتًا، مقابل 48، واستنكاف النائب الشيوعي خالد بكداش، وغياب الصحفي المعروف، صاحب جريدة الأيام ومؤلِّف الكتاب الذي اعتمدنا عليه في بعض ما كتبناه، يورد الوقائع نفسها كما أخذناها عن كتاب الفرحاني، وليس هناك أي اختلاف جوهري؛ ويضيف أن فارسًا قال في نهاية كلمته التالي: إذا نجحنا، وتمكنَّا من تأليف أحزاب المجلس وكتله، فسأستمر في الحكم، وإلا فسأستقيل. وقد ضربت موعدًا لذلك في 21 آذار المقبل. وعندما دعت مصر لاجتماع لمجلس الجامعة العربية (لم يحضره العراق) – وغرضه مناقشة الموقف من حلف بغداد – كان فارس الخوري، رئيس الوفد السوري في هذا الاجتماع، لا يغفل عن التأكيد بكلِّ مناسبة أن سورية لا تشترك، ولن تشترك، في هذا الحلف مطلقًا. وكل ما في الأمر أنها تحرص على تجنيب البلاد العربية مظاهر الخصومة والنزاع وتنديدها بعضها للبعض الآخر بواسطة وسائل الدعاية. وعندما لم يرجع فارس الخوري إلى القاهرة ليحضر القسم الثاني من مذاكرات الجامعة العربية، راحت بعض الصحف المصرية تحمل حملات مختلفة على جميع رؤساء الوفود العربية، بمن فيهم فارس الخوري؛ وراح صلاح سالم يملأ الصحف المصرية بالبيانات والتفاصيل للمذاكرات التي جرت في جلسات مجلس الجامعة العربية، العلنية منها والسرية، بشكل يغاير الواقع ويحتوي الكثير من المغالطة والتشويه. أما المعلِّم، في كتابه سورية: التحدي والمواجهة، فلا يتطابق مع الفرحاني في الاستنتاجات التي سنوردها مباشرة بعد أن ننقل عن المعلِّم ذكره للواقعة التالية: طلب خالد العظم أن يتعهد رئيس الوزراء صراحةً بعدم الارتباط بأيِّ حلف، فأكَّد فارس الخوري عبارته المشهورة: “لن نرتبط بأحلاف”، فنال ثقة المجلس. وأما ما علَّق به المعلِّم على هذا الموضوع كلِّه فهو التالي: أدى موقف فارس الخوري في اجتماع القاهرة، وسيطرة حزب الشعب على سياسة حكومته العربية، إلى تذمُّر كبار ضباط الجيش؛ وتحرُّك السياسيين بهدف تشكيل وزارة جديدة ساهم في ذلك النشاط الملحوظ الذي قام به السيد محمود رياض، السفير المصري الجديد في سورية، حيث نقل إلى بعض الأوساط استياء الرئيس جمال عبد الناصر من موقف رئيس الحكومة خلال اجتماع القاهرة . ويضيف المعلِّم أيضًا: ممَّا سبق، يمكن القول إن حكومة السيد فارس الخوري لم تنضم إلى حلف بغداد، ولكنها سهَّلتْ مهمةَ العراق في التوقيع عليه. ونفَّذت دورها على مرحلتين: الأولى، تضليل الرأي العام، ومجلس النواب، ولجنة الشئون الخارجية فيه، حتى يتمَّ الإعلان عن قيام الحلف؛ والثانية، الوقوف في الجامعة العربية موقفًا عائمًا يمنع بالنتيجة اتخاذ قرار موحَّد برفض الحلف، ويقطع على نوري السعيد إمكانية تنفيذه. أما بابيل فيصف الأجواء بعد ذلك، فيقول: في الجلسة التي تلت جلسة الفوز بالثقة، بدأت بعض العناصر النيابية المعارِضة للوزارة بإحراجها ومهاجمتها، وأثار خالد العظم موضوع طريق دولي مقترَح إنشاؤه ويُسعى له من قبل جهات مرتبطة، يربط بيروت بالكويت، مرورًا بدمشق فبغداد. وقد أشيع أن رئيس وزراء لبنان سامي الصلح، الذي زار في ذلك الوقت دمشق، بحجة تهنئة الحكومة بنيلها الثقة، أتى لتسويق هذا المشروع. وقد نفى فارس الخوري، بعد انتهاء الزيارة، وجود مثل ذلك العرض. لم تبقَ حكومة الخوري قائمة حتى 21 آذار، وإنما استقالت في 7 شباط 1955 بسبب استقالة وزيرين من حكومته وغياب ثالث في عمل خاص بالكويت؛ وقد رأى فارس أن العرف البرلماني يوجب عليه ذلك. وعلى هذا يعلِّق الفرحاني: إن فريقًا برئاسة صبري العسلي قد دفع الوزيرين للاستقالة، ويصف عمله بأنه بداية انهياره كشخصية وطنية ذات ماضٍ عريق حافل، وبداية عهود الانحلال السياسي في سورية. ويضيف الفرحاني: ما كاد يأتي آخر يوم على الخوري في دست الحكم، حتى بدأ شراء الضمائر الخَرِبَة في سورية من قبل السفارة المصرية التي تولَّى الأمورَ فيها الأميرلاي العميد محمود رياض. ومرَّ زمن، وسُحِلَ حلف بغداد مع مَن سُحِلَ في الشوارع. وننتقل الآن إلى موقف فارس الخوري من الوحدة السورية–المصرية، حيث من الطبيعي استنتاج أن فارس الخوري لم يكن متحمسًا لقيام الوحدة مع مصر، أو على الأقل، لم يكن مع الهرولة إلى مصر – عبد الناصر – لطبخها على نار حامية. إنما الفرحاني، الذي تابعه إلى آخر لحظة في حياته، يقول: واعتكف فارس الخوري في منزله يراقب الأحداث عن كثب، ويذهب كلَّ سنة إلى جنيف ليشارك في جلسات لجنة القانون الدولي.

ما قاله فارس الخوري غداة ثورة 28 أيلول سبتمبر، فهو غير ما أذيع عن لسانه في الصحف والإذاعات. وهذا سرٌّ لعلِّي أذيعه لأول مرة: لقد قال لي إنه يأسف لأن المسئولين المصريين لم يأخذوا بنصائحه التي قدَّمها لهم، وفي الوقت نفسه يعتب على قادة ثورة 28 أيلول لتسرُّعهم بفصم عرى الوحدة.

ويضيف: وأقيمت الوحدةُ بين سورية ومصر، ولم يكن له رأيٌ لا في قيامها ولا في انهيارها. وفي 22 شباط 1960، وبينما كانت جماهير الهاتفين المصفِّقين تحتفي بالسيد جمال عبد الناصر أمام قصر الضيافة في الذكرى الثانية للوحدة، أُصيب فارس بكسر أليم في عنق فخذه الأيسر في غرفة نومه. ويقول الفرحاني (ص 202 من كتابه): أما ما قاله فارس الخوري غداة ثورة 28 أيلول سبتمبر، فهو غير ما أذيع عن لسانه في الصحف والإذاعات. وهذا سرٌّ لعلِّي أذيعه لأول مرة: لقد قال لي إنه يأسف لأن المسئولين المصريين لم يأخذوا بنصائحه التي قدَّمها لهم، وفي الوقت نفسه يعتب على قادة ثورة 28 أيلول لتسرُّعهم بفصم عرى الوحدة. ويقول الفرحاني أيضًا (ص 240) إن فارسًا كلَّفه بأن ينقل إلى الدكتور مأمون الكزبري، رئيس حكومة الانفصال بعد 28 أيلول، وإلى الضباط، غداة الحدث، عن لسانه قولَه: إن الوحدة ليست ملكًا لعبد الناصر ولا هي ملك لكم، ولكنها ملك للأمَّة العربية كلِّها. إن رفع العلم السوري القديم وشعار الجمهورية السورية وإذاعة نشيدها الوطني لا يعني إلا الانفصال. وهذا الانفصال لا يعني إلا نكسة لفكر الوحدة. وكان يجب المحافظة على شعار الجمهورية العربية المتحدة ونشيدها الوطني ورفع علمها، وتأليف مجلس تنفيذي مؤقت للإقليم الشمالي، يمارس أعماله العادية المستعجلة، ويطالب الرئيس عبد الناصر بتقديم الضمانات الكافية التي تكفل حكم الإقليم السوري بطريقة ديمقراطية، تضمن حرية أبنائه وتحقيق نوعٍ من الازدهار الداخلي. ويستطرد الفرحاني قائلاً: ولكن أكرم الحوراني رأى – إذا ما كان صادقًا في بياناته التي أصدرها عام 1962 – ما يشيب لهوله الولدان. وتحقَّق من أن فيضي الأتاسي وفارس الخوري وإخوانهما كانوا أبعد نظرًا وأصدق فراسةً وأشد رغبةً منه في تجنيب سورية المهاوي والمزالق. * * * أمَّا موقفه من الإسلام، من ناحية رأيه بتطبيق الشريعة الإسلامية، فيعرضه محمد الفرحاني في فصل بعنوان “فارس الخوري والإسلام”، كتب مقدمته بالخطِّ الأسود العريض وخَتَمَها بإهداء “إلى روح أسد الجزيرة الراحل الإمام عبد العزيز، وإلى شبله العظيم الإمام سعود، وإلى فتاه الأروع، وليِّ عهد مملكته الأمير فيصل، أهدي هذا الفصل من كتابي”. يمكن لنا قسمة هذا الفصل من كتابه إلى ثلاثة أقسام: الأول يأخذ فيه بعض المقاطع من مقدمة كتبها فارس الخوري في العام 1930 لكتاب لنجيب الأرمنازي بعنوان الشرع الدولي في الإسلام؛ القسم الثاني: تصريحات من الخوري بوجود أشخاص آخرين، أو موجَّهة عن طريق الفرحاني لأشخاص آخرين؛ القسم الثالث: أقوال سمعها منه في أحاديث خاصة بينهما.

إن من الضروري تسليم الحكم للإخوان المسلمين ليقيموا حُكْمَ القرآن والسنَّة في الأمَّة فارس الخوري

 

من القسم الأول نورد هنا جزءًا من كلٍّ من مقطعين، أوردهما الفرحاني من مقدمة فارس الخوري للكتاب المذكور: والبون شاسع بين شريعتَي موسى ومحمد عليهما السلام: فالأولى تأمر بالتقتيل من دون إنذار ولا صلح ولا دعوة لإيمان؛ والثانية تأمر بدعوتهم للإسلام: فإن قبلوا الدعوة عصموا دماءهم وأعراضهم وأموالهم، وإن أبوا فالجزية، وإن أبوا فالقتال – وهذه دعوة دينية قبل كلِّ شيء. ومن مقطع بعنوان “المسلمون وغير المسلمين في الإسلام”: وليس من المنتظر أن يجعل المسلمون لغير المسلمين في بلاد الإسلام نفس الحقوق التي للمسلمين في كلِّ شيء. فهذه الدول الحديثة، في عصر الحضارة الباهر الذي نحن فيه، لا تمنح الأجانبَ النازلين في بلادها حقَّ المساواة. وأنت تعلم أن اختلاف الدين في دولة الإسلام مثل اختلاف الجنسية في هذا العصر. هل الحديث يدور عن الحاضر والمستقبل أم عن الماضي؟ إنه، كما يبدو لي، يدور عن الماضي؛ وهو وصف تقريري، وليس رأيًا – وإن كان من الواجب التوسع في قراءة كتابات فارس الخوري. ومن القسمين الثاني والثالث – إذ إن الأمثلة، كما سيتبين، متداخلة – أورِد: إن من الضروري تسليم الحكم للإخوان المسلمين ليقيموا حُكْمَ القرآن والسنَّة في الأمَّة. يقول الفرحاني عن فارس: قال هذا أكثر من مرة في أحاديث خاصة جرت له معي. وقاله في أحاديث خاصة جرت له مع غيري. وقاله في نصيحة بعث بها بواسطتي، عن طريق العقيد أحمد جنيدي، إلى المشير عبد الحكيم عامر. قال له حرفيًّا: “من أجل مكافحة الأساليب الهدامة أعتقد أن وجود الإخوان المسلمين في الحكم ضمان لتحقيق هذه النتائج وتأمين الشعب على سلامة عقائده.”

 

فارس الخوري ليس على وفاق أو اتفاق مع الفكر الاشتراكي أو الشيوعي 

ويضيف الفرحاني أيضًا: في تعقيب للأستاذ فارس الخوري على حديث أدلى إليَّ به الدكتور معروف الدواليبي، قال لي فارس الخوري: “هذا هو إيماني: أنا مؤمن بالإسلام، وبصلاحه لتنظيم أحوال المجتمع العربي، وبقوته في الوقوف بوجه كلِّ المبادئ والنظريات الأجنبية، مهما بلغ من اعتداد القائمين عليها. لقد قلت، ولازلت أقول: لا يمكن مكافحة الشيوعية والاشتراكية مكافحة جدِّية إلا بالإسلام، والإسلام وحده هو القادر على هدمها ودحرها. من الواضح أن فارس الخوري ليس على وفاق أو اتفاق مع الفكر الاشتراكي أو الشيوعي – وهذا رأيه، وله، ولغيره، كامل الحقِّ فيما يرى ويعتقد. ومن الطبيعي لرجل فكر ولقانونيٍّ مثله أن يعطي رأيه في الإسلام، وأن يعتقد بصلاح وإمكانية وجدوى تطبيق شريعته في مجتمعنا وعصرنا الحاضر، أو لا يعتقد. وإذا انتبهنا جيدًا – مع أنني أعود لأؤكد بأن الأمر يتطلب توسعًا وتعمقًا فيما كتبه فارس الخوري، وليس ذلك مجاله هذه الصفحات – أقول، إذا انتبهنا جيدًا للعبارات الواردة في هذه الأمثلة، فإنني لا أرى فيها دعوةً لتطبيق الشريعة الإسلامية، ولا دعوةً لتسليم الإخوان المسلمين الحكم؛ بل إنني، في المقابل، أرى دعوةً غير مباشرة إلى صراع العقائد والإيديولوجيات بوسائل غير عنيفة. فالفرحاني نفسه ذكر في كتابه قبل ذلك موقفًا للخوري مُفاده أنه تأثر كثيرًا بمأساة الإخوان المسلمين مع عبد الناصر وإعدامه لستة من أقطابهم، وأنه عرض وساطته في هذا الأمر؛ وهذا يشير إلى أن له ملاحظاتٍ على الطرفين. فما هي هذه الملاحظات إذا لم تكن تتناول استعمالَ العنف المتبادل بينهما؟ ونقطة أخرى أورِدها للتأمل في هذا الموضوع: لو كانت ملاحظات الفرحاني دقيقة تمامًا، ولو كان فارس الخوري يعني تمامًا ما استنتجه الفرحاني، فهل يحق لفارس الخوري، غير المسلم والليبرالي تحديدًا، أن يرأس أربع وزارات ويرأس المجلس النيابي لأكثر من ولاية في بلد يتفرَّد بحكمه الإخوانُ المسلمون ويطبِّقون فيه الشريعة الإسلامية؟! ألم ينتبه فارس الخوري إلى هذه المعضلة؟! * * * وسواء اتفق أحدنا أم لم يتفق مع بعض الطروحات، أو حتى مع بعض المواقف، لرجل مثل فارس الخوري من عظماء القرن العشرين في بلدنا، وواحد من صنَّاع استقلاله، فإنه أصبح منذ 2 كانون الثاني 1962 في عداد الخالدين. وفي هذه الأيام نريد أن نرى في ساحات عاصمتنا دمشق تجدُّدَ الأعمال الإنشائية الواسعة، وفي أحدها يرتفع نصب البطل يوسف العظمة – فإننا نجد أنفسنا في أنسب الأوقات لكي نطمح إلى رؤية نُصُبٍ تذكارية لبقية أبطال الجلاء ترتفع في ساحات العاصمة وفي بقية المحافظات. هناك شارع في دمشق على اسم فارس الخوري، وهو يصل بين كراج الانطلاق للشمال وبين ساحة العباسيين، وإنه من المناسب جدًّا – ولا مسوِّغ للكلام عن فائدة ذلك – أن يشمخ في وسطها نصبٌ تذكاري للفارس المقدام: ف. الخوري!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: