بورتريه

الشام ودعت مائة عام من العلم..العلّامة علي منصور الحموي ((القابوني))

كسر قاعدة "القرى مقبرة العلم والعلماء"

نيوز سنتر – عماد الطواشي

 

عندما نعتقد أن الطعام والشراب  والجنس أنها الأساس، وليست الوسائل، تنهار الأمة وعندما يتوقف الفكر الإبداعي عاجزاً عن تقديم خدماته في إيجاد التنوير وتقديم الحلول الاجتماعية والثقافية والعلمية والاقتصادية ويبتعد الناس عن العلماء تنهار الأمة فالعلماء هم المحركات التي تولد النور لنستضيء في عتمة الجهل والتسطح وإذا رحلوا ولم يكن هناك البديل انهارت الأمة، ودمشق تميزت عن غيرها بعلمائها الذين نفعوا البلاد والعباد بعلمهم وبركتهم وهم كثيرون ومنهم العلّامة علي منصور الحموي ((القابوني)) الذي عاش ما يقارب المائة عام قضاها في الدعوة ونشر العلم والمعرفة في قرى دمشق وما حولها فنفع به الله خلقاً كثيراً إلى أن توفاه صباح يوم الاثنين 4شوال 1431هجري ونعته وزارة الأوقاف السورية وعلماء بلاد الشام وطلاب العلم الشرعي في سورية الذين اصطفوا لوداع العّلامة بداره الكائنة بالقابون حيث صلي عليه بجامع العمري الكبير بعد صلاة الظهر من يوم الثلاثاء5 شوال ووري الثرى في مقبرة القابون وسط تشييع مهيب من أهالي دمشق ووفود رسمية ودينية.

الشيخ نعيم عرقسوسي أشار إلى فضل العلماء على الأمة ودورهم في إرشادها ووضعها على الطريق السليم فهم الأقمار التي نهتدي بها لافتاً إلى الدور الذي لعبه الشيخ علي الحموي في الدعوة إلى الله بالموعظة والكلمة الحسنة مستذكراً بدايات الشيخ الراحل في حي الميدان ودأبه على طلب العلم عند معلمه وشيخه العلامة حسن حبنكة ورفاق دربه من العلماء شيخ قراء الشام حسين خطاب والشيخ كّريم راجح والشيخ مصطفى الخن والذين كان لهم دور بارز في نشر العلم الشرعي والدعوة في دمشق وصولاً إلى العالم الإسلامي.

وأضاف عرقسوسي: ((ما يميز الشيخ علي دأبه وجَلَدِهِ وانصرافه المنقطع النظير للعلم حتى غدا مضرب المثل في ذلك وكثيراً ما كان يُذكر في أمثلة كل من الشيخ صادق حبنكة والشيخ حسين خطاب والشيخ مصطفى الخن ، واجتمع عنده طلاب العلم في الجامع العمري في القابون من كل حدب وصوب ومع عبارته الشهيرة ((أتمنى أن أقضي حياتي وأنا طالب للعلم)) توسع الجامع ليغدو منارة في قرى فيها من الجهل الكثير ومن العلم القليل حتى كانوا يقولون أن القرى مقبرة العلم والعلماء ولكنه أصر على متابعة ما بدء به حتى أمضى ستين عاماً في الخطبة والتدريس والإمامة فكان مثال العالم العامل الزاهد وتوج حياته الأسرية بستة عشر ولداً مناصفة ذكوراً وإناثاً وكان يدفعهم للعلم وخدمة العباد ونشر العلم، ، واعتلى منابر الجمعة والتدريس خمسة منهم وما زالوا يدعون إلى الله وكان يطمئن على أحوالهم ويوصيهم بالثبات على الحق والدعوة إلى الله وكان كثيراً ما يردد حديث النبي صلى الله عليه وسلم ((صنفان من الناس إذا صلحا صلح العالم كله وإذا فسدا فسد العالم كله: ألا وهم العالم والحاكم)).

الدكتور تيسير أبو خشريف معاون وزير الأوقاف بيّن بأن المصاب جلل وأن القلب ليخشع والعين لتدمع لمفارقة علماء هذه الأمة ومن بينهم الشيخ علي الذي كان مثالاً للداعية إلى الله بالخير وخصوصاً أنه اتجه إلى بلدته القابون في منتصف الثلاثينات لنشر العلم والمعرفة فيها وبما يجاورها من قرى وبلدات.
وقال أبو خشريف “الشيخ علي” بقي مدرساً وموجهاً وخطيباً حوالي ستين عاماً بحياة ملؤها العلم والصبر وكثيراً ما كان يردد مقولته “أوقفت نفسي للدعوة لله عز وجل” وهذا ما يجب أن نرسخه في نفوس دعاتنا وخطبائنا إضافة إلى حضهم المستمر على طلب العلم ونشره في المجتمع ليكون سليماً قوياً معافى.

من جهته الشيخ الأستاذ طريف منصور (ابن العلامة الراحل) أكد أن الشيخ علي منصور الحموي كان قيمة علمية مؤثرة حيث خسرنا مئة عام من العلم، اتسم بالورع والتقى والتؤدة والعلم الغزير وكان خطيباً بارعاً مفوهاً لا يخشى في الله لومة لائم إضافة إلى أنه كان من الرعيل الأول لطلاب الشيخ حسن حبنكة الميداني الذي تخرج على يديه أجيال من العلماء خرّجت وأفادت بعلمها الأجيال اللاحقة.

وقال الشيخ طريف: ((كم تتوق أمتنا إلى حضارتها الشامخة وعلمائنا هم الأمل لينشئوا أجيالنا على العلم والأدب ويرشدوها للطريق القويم ولنستفد منهم ولننهل من علمهم ولو القليل ولنأخذ ما يجمع وننبذ ما يفرق ولنقبل الاختلاف ولننبذ الخلاف ولنلتقي دائماً باحترام ويجمعنا حبنا لبعضنا، وعلم العلماء جاري حتى بعد وفاتهم ولننشئ بهم وبعلمهم جيلاً مجبولاً على الحب والقوة والعلم والمجد ولنهيئ ثورة الوجدان بعملية الطموح للوصول إلى الهدف لنشعل بها شموعاً للوطن ولنكن واجهة تقاوم العواصف الهوجاء التي تعتبرنا هدفاً لها)).

وعرج الشيخ قاسم النوري على مناقب الشيخ الجليل مبيناً محبة الشيخ علي لشيخه ومعلمه الشيخ حسن حبنكة الذي كان يذّكر دائماً بالشيخ محمد علي منصور الحموي القابوني في دروسه حتى أن الكثير من طلابه ومنهم الشيخ كرّيم راجح والدكتور محمد سعيد البوطي كانوا يتطلعون لمعرفة الشيخ علي الذي كان يتحدث عنه الشيخ حسن حبنكة.

وأضاف النوري ما يميز الشيخ علي في دعوته حرصه على اللحمة المجتمعية فكان يركز على ما يجمع وينبذ ما يفرق وظهر ذلك من خلال تكراره عبارة: ((اسعوا جهدكم لجمع كلمة الله واحذروا ممن يسعون لتفريق الأمة)) داعياً لؤد الفتنة أينما وجدت، وكان في أخر حياته مداوماً على تلاوة كتاب الله تعالى نظراً من المصحف وقد متعه الله ببصره وقوته وأكرمه أن يكوم من الصائمين في شهر رمضان رغم بلوغه المائة عام.

الشيخ عبد الرحمن منصور ابن الفقيد بيّن أن العّلامة الشيخ علي مع اتجاه الدعاة إلى مراكز المدن اتجه إلى القرى ومنها بلدته القابون فنشر العلم فيها معللاً ذلك بقوله ((اخدموا الناس لوجه الله تعالى وإياكم أن تطلبوا الدنيا بذلك..ولا ثناء الناس وشكرهم، ويجب على العلماء أن ينشروا دين الله في كل مناطق القطر وقراه وإلا فإنهم يتحملون مسؤولية كبيرة أمام الله عن جهلهم)). وأصر على ترغيب الناس بطلب العلم بدل الغوص بالجهل واعتبر ((أن المسجد هو المصباح الذي ينير حياة الناس الذين يعيشون حوله والعلماء هم المحرك الذي يولد الكهرباء)).

يذكر أن العلامة الشيخ علي الحموي من مواليد دمشق 1914 انقطع لطلب العلم في جامع منجك عشر سنوات بدءاً من عام 1926م بعد بداية الثورة السورية إلى عام 1936م وهو من الرعيل الأول لطلاب الشيخ حسن حبنكة وله بصمات واضحة في نشر العلم والمعرفة قرابة ما يزيد عن ستين سنة وتوفي وله من العمر ما يزيد عن ست وتسعين وجاوز عدد أحفاده وأولادهم الثلاثمائة حفيد. وله العديد من الأبناء الدعاة العاملين منهم الشيخ عبد الرحمن منصور والشيخ طريف منصور والأستاذ عبد الفتاح منصور والشيخ مازن منصور والشيخ حسن منصور.

نيوز سنتر – دمشق
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: